تقارير

اليمن خارج الطاولة.. لكنه يدفع ثمنها

15/04/2026, 07:42:55
المصدر : خاص - يزن زياد

أفرزت المباحثات الأمريكية–الإيرانية التي استضافتها إسلام آباد نتيجة أكثر دلالة من أي اتفاق جزئي.. لم تخرج بتسوية، لكنها لم تُغلق باب الدبلوماسية بالكامل أيضاً. فقد أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الجهود ما زالت مستمرة، بعد أن انتهت الجولة من دون اتفاق.. فيما أشارت تقارير أخرى إلى أنه لا يوجد حتى الآن مسار واضح لجولة جديدة، وإن كانت القنوات الدبلوماسية لم تستنفد نهائياً هذه الخلاصة وحدها تكفي لإعادة ترتيب القراءة السياسية للملف اليمني، لأن اليمن لا يتحرك في فراغ..بل داخل شبكة أوسع من التوازنات المرتبطة بسلوك إيران الإقليمي وحدود الضغط الأمريكي عليها.

فلم تكن مجرد مباحثات بين طرفي حرب فحسب ؛ بل قد تكون -من وجهة نظر مراقبين كثر  - لحظة اختبار مكثفة لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط وحدوده.. ورغم أنها انتهت دون اتفاق حاسم كما أسلفنا لكن قد لا تقاس  أهميتها  فيما أنتجته من نتائج مباشرة بل فيما كشفته من حدود التفاهم الممكن، ومن طبيعة الترابط البنيوي بين ساحات الصراع المختلفة، وعلى رأسها اليمن..فاليمن -بظروفه الحالية على الأقل-  وفي لحظة كهذه لا يمكن قراءته كملف مستقل أو كحرب أهلية تقليدية تدور داخل حدود دولة منهكة، بل كجزء من منظومة صراع متعددة المستويات تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والتاريخي بالديني  والمحلي بالإقليمي، والتكتيكي بالاستراتيجي.. ومن هذا المنظور-يصبح فهم ما جرى في إسلام آباد مدخلا ضروريا لإعادة تفسير ما يمكن أن يجري—أو ما يجري بالفعل—في اليمن.


أقول إن انتهاء المباحثات دون اختراق حقيقي، مع عدم انهيارها بالكامل.. يعكس حالة من "الفشل بلا قطيعة" تؤسس لمرحلة رمادية وتوازن دقيق بين رغبة متبادلة في تجنب الانفجار الشامل، وعجز في الوقت ذاته عن إنتاج تفاهم مستقر.. فالولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى ضبط سلوك إيران الإقليمي لا إلى تغييره جذريا، فيما تواصل طهران استخدام أدواتها غير المباشرة لتعظيم نفوذها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.. في مثل هذه الحالة، لا تُحسم الملفات بل تُدار، ولا تغلق ساحات الصراع بل يُعاد ضبط إيقاعها، وهنا يبرز اليمن كأحد أكثر هذه الساحات قابلية لإعادة الضبط نظراً لطبيعة الفاعلين فيه وموقعه الجيوسياسي الحاكم.

حيث تكمن الأهمية الاستراتيجية لليمن في كونه يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم وهو باب المندب، الذي يمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية وأمن الطاقة، على نحو يوازي في أهميته مضيق هرمز.. هذا الموقع لا يمنح اليمن قيمة جغرافية فقط، بل يحوله إلى أداة تأثير كامنة في أي صراع إقليمي واسع.. وضمن هذه المعادلة؛ لم يعد اليمن مجرد ساحة حرب داخلية فقط ..بل أصبح جزء من ما يعرف ب “هندسة الردع غير المتماثل” في المنطقة؛ حيث لا تُمارس القوة فيه بالضرورة عبر الجيوش النظامية، بل عبر التحكم في المخاطر وتهديد الملاحة ورفع كلفة الأمن البحري واستنزاف الخصوم دون الانخراط في حرب تقليدية شاملة.

وفي قلب هذه المعادلة..تقف جماعة الحوثي بوصفها فاعلا مركبا يصعب اختزاله في تعريف واحد؛ فهي من جهة سلطة أمر واقع تسعى إلى تثبيت مشروعها السياسي داخل اليمن، ومن جهة أخرى تمثل جزءا من منظومة إقليمية أوسع ترتبط بإيران روحيا وعسكريا.. هذه الازدواجية تمنح الحوثيين هامش من الاستقلالية التكتيكية لكنها تضعهم أيضا ضمن شبكة حسابات أكبر، باعتبارهم  نقطة تقاطع بين المشروعين المحلي والإقليمي. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الدور يتجه نحو مزيد من التمدد، سواء عبر توسيع نطاق العمليات أو عبر الانخراط الرمزي في صراعات تتجاوز  الجغرافيا اليمنية، مما يعزز فكرة أن اليمن بات أحد أدوات الصراع النشطة وليس مجرد ساحة متأثرة به فحسب.

ويرى مراقبون أنه قد يكون من الخطأ افتراض أن اليمن كان بند مباشر على طاولة المفاوضات في إسلام آباد لسبب بسيط ؛ فطبيعة التفاوض الأمريكي–الإيراني تقوم على "الإدارة غير المباشرة للساحات"؛ أي أن الملفات لا تُطرح بأسمائها بل عبر تأثيرها. 

وفي هذا السياق، لا تحتاج إيران إلى التفاوض حول اليمن صراحة لأنها تمتلك القدرة على التأثير في مسار التصعيد أو التهدئة فيه، وبالمقابل تدرك الولايات المتحدة أن أمن الملاحة في البحر الأحمر لا يمكن ضمانه دون تغيير في سلوك الحوثيين..وبين هذين الإدراكين يتحول اليمن إلى متغير ضمني  -لما يمكن فهمه على أنه رغبة أمريكية دولية-في معادلة  "ضبط السلوك الإقليمي"، فإذا حصل تقدم في التفاهم انعكس ذلك تهدئة في اليمن، وإذا تعثر عاد اليمن ليعمل كأداة ضغط.

وبناءً على ذلك..فإن نتيجة المباحثات تفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين؛ الأول هو التهدئة التكتيكية، فإذا استمرت القنوات الدبلوماسية ولو بشكل محدود؛ فمن المرجح أن نشهد خفضاً محسوباً للتصعيد خصوصاً في ما يتعلق بالملاحه الدولية، لكنها ستكون تهدئة مؤقتة تعيد ضبط الإيقاع دون معالجة الجذور.. أما السيناريو الثاني ، فهو إعادة تفعيل اليمن كساحة ضغط في حال انهيار المسار الدبلوماسي، حيث قد تتزايد العمليات المرتبطة بالممرات البحرية ويتوسع نطاق الاشتباك نتيجة توظيف اليمن ضمن صراع أوسع.

ووسط هذا التشابك.. يبرز سؤال جوهري حول موقع اليمنيين من كل ذلك، وهل يمكن اختزال اليمن في كونه ورقة ضمن لعبة إقليمية؟ إن الإجابة استراتيجياً هي لا؛ فاليمن يمتلك ديناميكياته الداخليه الخاصة من بنية إجتماعية معقدة وانقسامات سياسية عميقة، وهذا يعني أن أي تفاهم خارجي لن يكون كاف لإنتاج استقرار حقيقي، بل إن التجربة تشير إلى أن التهدئات المرتبطة بتفاهمات إقليمية غالباً ما تكون مؤقتة لأنها تؤجل الانفجار ولا تعالج أسبابه.

فما كشفت عنه مباحثات إسلام آباد هو أن المنطقة لا تتجه نحو تسويات شاملة ؛ بل نحو إدارة مستمرة للصراع، الأمر الذي يظل معه وفيه  اليمن نموذجاً مكثفا لفكرة “الترابط غير المباشر”، حيث لا يحسم مصيره على طاولة التفاوض لكنه يتأثر بشكل واضح بنتائجها... وهنا تكمن المفارقة الكبرى.. اليمن مهم جداً بحيث لا يمكن تجاهله في حسابات القوى الكبرى، لكنه في الوقت ذاته مهمل بما يكفي ليبقى خارج أولويات الحل الحقيقي.

وبالتالي يمكننا القول بإن اليمن مجرد أداة ضغط حين يتصاعد التوتر، ومؤشر تهدئة حين تتقدم الدبلوماسية..لكن في كل الأحوال يظل خارج معادلة الحل.

وهنا تكمن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها- من وجهة نظرنا على الأقل- لن يكون اليمن مستقر إلا حين يتوقف عن كونه جزءا من صراع الآخرين، ويبدأ كونه مشروعاً لذاته.

تقارير

شبكة دولية: ارتفاع رسوم الشحن يهدد بزيادة الأسعار واتساع المجاعة في اليمن

قالت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن الزيادات المتوقعة لرسوم الشحن والتأمين البحري ستؤدي لارتفاع أسعار السلع الأساسية في اليمن منذ مارس المنصرم إلى سبتمبر القادم، رغم محاولات السلطات في مختلف المناطق فرض ضوابط سعرية للحد من التضخم.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.