تقارير
إيمان القدسي.. حكاية فتاة يمنية تلهم أصدقاءها يوميا على شاشة "بلقيس" خلال رمضان

المصدر : قناة بلقيس - خاص - صقر الصنيدي
إنها الساعة الثامنة مساءً، حسب توقيت مدينة تعز، شوارع المدينة موزّعة بين الظلام والأضواء الخافتة، وأصوات الباعة ومكبّرات صوت الصلاة، إنه نهاية يوم رمضاني.
ثمة فتاة تسير مسرعة نحو أستديو بث مباشر، وسط المدينة، عليها أن تكون على الهواء مباشرة عند تمام التاسعة، أو قبل ذلك بقليل.
في تلك الساعة، يرحّب سامي السامعي بمترجمة لغة الإشارة، وهي الفتاة ذاتها، التى خرجت على عجلة من أمرها للحاق بالبرنامج اليومي "حيث الإنسان".
"أرحّب بزميلتي إيمان القدسي من تعز"، يقول سامي قبل دقائق من البرنامج، متأكداً من جودة الصورة والصوت.
"نعم أسمعك سامي، لكن لا تسرع حين تقرأ مقدّمة الحلقة"، تقول إيمان وهي تبتسم.
"خلاص لن يسرع" يعدها عيسى مجدداً.
الأمر ذاته يفعله سامي، وهو مقدّم برامج معروف للجمهور قبل أن يطل عليهم من قناة "بلقيس"، التى تتخذ من إسطنبول مقراً لها.
"أمس كنت تمام" تقول إيمان، متحدثة إلى مقدم البرنامج.
في موسمه الرابع، منذ العام ألفين وتسعة عشر، نفذ البرنامج عشرات المشاريع، لكن هذا العام كان مميّزا، لامست ميزانية المشاريع سقف المليون دولار، أعلنت عن الموازنة مؤسسة "توكل كرمان" في حفل أقيم مؤخراً.
- حلقة خاصة
بدأ البرنامج هذا الموسم بحلقة خاصة عن فئة "الصم والبكم"، وأقيم لهم مشروع في عدن، يعد نموذجاً لهذه الفئة.
ومنذ بداية الحلقات، تولّت إيمان ترجمة جميع الحلقات لهذه الفئة.
بدأت إيمان الترجمة منذ سنوات طوال "من المنزل انطلقت لديّ اختان من ذات الفئة، وهن دافعي للترجمة"، تقول إيمان في تسجيلات متفرّقة بعثتها لموقع "بلقيس" الإخباري، الذي يتولّى الجانب التحريري للمواد والبرامج، ويعمل كمنصة متعددة المهام، ومكملاً للقناة الرائجة.
احتاجت إيمان أربع سنوات كي تكسب ثقة الصم. "يحتاجون وقت كي يصدقوك، كي يثقوا بك، يضعون لك اختبارات كي يقيسوا أنك لا تنقل لهم كل شيء، ثم يمنحوك أمانهم"، تقول مترجمة الإشارة.
- لا يسمعون القذائف
في المرة الأولى، أي قبل سنوات، ذهبت إيمان القدسي إلى جمعية الصم في المدينة، كانت هذه الفئة هي الوحيدة التي لا تسمع القذائف التي تمطر على المدينة. الحرب تدور، ولدى فتاة تخرّجت تواً من قسم الحاسوب - جامعة تعز حلم مختلف، وهو مواصلة العمل لدى الجمعية، وتعزيز حضورها، وسط هذه الشريحة،
حين لاحظت رئيسة الجمعية حديث إيمان مع شقيقتيها فاطمة وأمل، طلبت إليها أن تترجم للجميع، وليس لقريباتها فقط. "وقتها حدث التحول"، كانت هناك حاجة حقيقية لمترجمي إشارة في الجمعية، هناك المديرة التنفيذية وإيمان يقمنا بهذه المهمة.
فُتح الباب لإيمان، "لكن الصم لا يمنحوك ثقتهم فورا، تحتاج وقت" تقول إيمان.
كما أن هناك فرقا بين لغة الترجمة البيتية، التي كانت إيمان تتبعها في الحديث مع شقيقاتها بالمنزل، وبين اللغة الأكاديمية: "كان عليّ أن أخضع لدورات مكثّفة في لغة الإشارة الأكاديمية".
طبعا الصم والبكم لديهم لغة رسمية متعارف عليها في الوطن العربي، ولغة دارجة يتعلمونها من أقرانهم، وفيها مصطلحات مصرية وسعودية، بحكم سفر بعض الصم إلى هناك، وعودتهم بتلك المصطلحات.
"للصم أيضا لهجات مختلفة من محافظة إلى أخرى"، تقول المترجمة الحائزة على شهادة الاتحاد العربي للصم، كواحدة من عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد في اليمن حازوا الاعتراف.
هل تقومين بترجمة الحروف؟ "لا، هذا لا يحدث، نحن نترجم الجملة ككل، وليس أحرف".
تبتسم إيمان حين سؤالها عن استخدام لغة الإشارة مع الناطقين: "يحدث هذا أن أنسى، وأبدأ استخدام الإشارة مع المتحدثين، فيكون ردهم لماذا أفعل ذلك".
- قصة فاطمة
لدى إيمان مصدر فخر كبير (شقيقتها فاطمة)، التي تكمل هذا العام سنتها الأخيرة في كلية الهندسة المعمارية بجامعة تعز: "ستكون فاطمة أول مهندسة معمارية من الصم والبكم على مستوى الوطن العربي".
في عامها الدراسي، كادت فاطمة أن تتوقّف، كان هناك من يقلّد حركة يديها في الجامعة، مثل لها ذلك استنقاصا، كما تقول إيمان.
"طيلة سنة أولى وفاطمة تقول سوف انسحب من الدراسة". لما ذلك؟
"تعرَّضت للتنمّر" تجيب إيمان.
وللصم نوعان من الردود على التنمّر، إما أن يتوقّفوا ويستسلموا، أو يصبح رد فعلهم قوياً.
تتلقّى إيمان الكثير من الرسائل من فئة الصم، إنهم متفائلون من وجود برنامج يقدّم لهم، مضمونه بلغتهم "يعتبرون الأمر اعترافا بهم".
يعد البرنامج أيضا لبث حلقة خاصة عن أكبر مدرسة أقيمت للصم في مأرب، وسوف تكون ضمن الحلقات القادمة من البرنامج.



