تقارير
بحثا عن المعونات.. المساعدات الغذائية طوق نجاة لمواجهة احتياجات رمضان

ما إن يسمع الناس عن تسجيل كشوفات مساعدات غذائية حتى تتسابق الجموع، وتُشد الرحال إلى المناطق والجهات، التي دارت الأخبار، أو الإشاعة حولها، يسبقهم الجوع والحاجة التي سلبتهم حقهم في العيش الكريم، والتعفف الذي لبسوه كل حياتهم.
وصار التفكير في الحصول على سلة غذائية، والأمل في أن يكون الشهر المبارك بادرة خير للتنفيس من الضائقة المعيشية، هو ما يشغل المعسرين مع قدوم شهر رمضان، الذي تحضر فيه أعمال الخير الغائبة بقية العام.
- تسوّل المعونات
رمضان شهر الإحسان، ويفتح آمال الناس في الحصول على المعونات الأساسية، التي تعد المنقذ الوحيد للحصول على الاحتياجات الضرورية للأسرة، بعد انقطاع مرتبات الموظفين منذ ثمانية أعوام، وشحة فرص العمل، بحسب فاروق سعيد.
يقول سعيد -موظف حكومي- لـ"بلقيس": "منذ اندلاع الحرب، نهاية العام 2014، تحولت المساعدات الغذائية، وخاصة في شهر رمضان، إلى طوق نجاة لأغلب الأسر، التي تعيش حياة الكفاف طوال العام، وتكافح بكل طاقتها للبقاء على قيد الحياة".
ويضيف: "استقبلت رمضان بنصف راتب لا يتجاوز 30 ألف ريال، بعد انتظار خمسة أشهر، وخلص بنفس اليوم، من دون أن أشتري أيا من متطلبات رمضان".
ولا تختلف حياة سعيد واحتياجاته عن الغالبية العظمى من الناس، الذين يعشون في المحافظات الخاضعة لمليشيا الحوثي، ويعانون مرارة الفقر، الذي يدفعهم إلى التهافت على فتات المعونات الغذائية.
يتنهد التربوي محمد الصبري بحرقة، ويقول بحزن: "الله لا سامح من أوصلنا إلى هذا الحال، كان يجي رمضان وقد اشتريت كل متطلبات المنزل بالجملة، ولا نحتاج لأحد، أو ننتظر مساعدة من أحد".
ويرى أن "سلطات الحرب حوّلت الموظفين إلى متسوّلين، ينتظرون حسنات فاعلي الخير، بعد أن كانوا مستوري الحال، وأوضاعهم المعيشية جيّدة.
ويضيف الصبري: "ينكسر القلب عندما تجد نفسك في طابور طويل بجوار المتسوّلين والمهمّشين، وتزاحم من أجل الفتات من صدقات المحسنين".
- منع توزيع الصدقات
في سنوات الحرب الأولى، التي اندلعت نهاية العام ٢٠١٤، كانت المساعدات الإنسانية تتدفق بشكل جيّد، خلال شهر رمضان المبارك، ويوزّع كبار التجار معونات متعددة عبر عُقال الحارات، أو منظمات تابعة لهم، إلا أنه، خلال السنوات الأخيرة، بدأت أعمال الخير تتقلّص، ولا يحصل عليها إلا القليل من الناس بعد متابعات ووساطة.
وبالإضافة إلى تدهور الوضع عند كثير من التجار الصغار، عملت مليشيا الحوثي على التضييق على فاعلي الخير، ومنعهم من توزيع المساعدات الغذائية بشكل مباشر للمحتاجين، وأجبرتهم على تسليمها مع الزكاة المفروضة إلى الهيئة العامة للزكاة التابعة لها.
وفي العام الماضي، استغل الحوثيون حادثة التدافع، التي وقعت، نهاية شهر رمضان، عند توزيع التاجر الكبوس مساعدات مالية رمزية للفقراء، وراح ضحيتها ما يقارب 80 شخصا، لتشديد قبضتها على الصداقات، وتمنع رجال الأعمال من إخراجها بأنفسهم.
يقول مؤيد الأرحبي: "في بداية الحرب، المساعدات العينية والمالية كانت تصل إلى المنزل من فاعلي خير، وكانت توزع أحيانا كروت وقسائم مساعدات، تصرف من محلات تجارية، لكن خلال العام الماضي انخفضت بشكل كبير، ولم أحصل على أي معونات خلال هذا العام".
وبحسب الأرحبي، فإن رحلة البحث عن معونات صارت صعبة، وفي أحيان تكون سرابا، كما حدث معه، للعام الثاني على التوالي، عندما سجل اسمه عند شخص من أبناء حارته، وأعطاه صورة من البطاقة الشخصية، للحصول على مبلغ مالي، لكنه لم يحصل لا هذا العام ولا العام الماضي على المعونة، التي كان يعد أهالي الحي بها.
- عام الفقر
يعد هذا العام الأشد على الفئات الفقيرة، حيث تجاوزت المجاعة معدل 80%، لاسيما بعد أن أعلن برنامج الأغذية العالمي في اليمن، نهاية العام 2023، إيقاف برنامج مساعداته الغذائية العامة في المناطق الخاضعة لسلطات الحوثي، بسبب محدودية التمويل، وعدم التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين من أجل تنفيذ برنامج أصغر يتناسب مع الموارد المتاحة للأسر الأشد ضعفا واحتياجا.
وأكد البرنامج أن القرار اُتخذ بالتشاور مع الجهات المانحة، بعد ما يقرب من عام من المفاوضات، التي لم تفضِ إلى التوصل إلى اتفاق لخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية من 9.5 ملايين إلى 6.5 مليين شخص.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، يوجد حالياً 17 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وفق تصنيفات الأزمات والطوارئ (التصنيف المرحلي المتكامل 3 و4)، وما يقدر بنحو 6.1 مليين شخص على بُعد خطوة واحدة من المجاعة.
ومع ارتفاع نسبة الفقر إلى أرقام قياسية، وارتفاع معدل الكساد، يتوقع خبراء الاقتصاد مزيدا من التدهور المعيشي للناس، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بالتزامن مع العمليات التي تقوم بها مليشيا الحوثي في البحر الأحمر، والتي ستنعكس سلبا على أجور النقل، وسهولة وصول الغذاء.



