تقارير
برد وإهمال وفقر.. نازحون في حفر شبيهة بالمقابر

لم يجد النازحون في مدينة مأرب أماكن تؤويهم، فلجأوا إلى مساحة من الأرض فحفروا فيها قبورا، وعملوا فيها خياما من كراتين تشبه القبور.
قبور للأحياء، تغلق أبوابها ليلاً، وتفتحها صباحا، فيخرج من فيها في مشهد يذكّر بيوم الحشر والنشور.
يهجع السكان ليلاً، فتعلو أنّات من في القبور وتتصاعد إلى سماء بلدة تبلّدت فيها المشاعر والقلوب، وغطّت الأتربة المتصاعدة العيون عن قبر يسكنه إنسان ليُحيي أسرة من عرق جبينه وكدمات يديه.
في السادسة فجراً، يصعد أحمد محمد شعبان (49 عاماً) من أبناء محافظة الحديدة، من حفرته الشبيهة بـ"قبر"، يعمل دون مهنة محددة، لا يملك شيئا سوى يدين شاحبتين.
كل صباح ينهض أحمد من قبر بعُمق متر، حفره بيديه، وغطّاه بقطعٍ من البلاستيك، جمعها من مقالب "القمامة"، فيذهب إلى سوق الحراج علّه يجد عملاً يوميا يسد من خلاله حاجته.
القبر الطويل
يقول لـ"بلقيس": "كل شيء غير متوفّر لدينا كعمّال، يوم نشتغل وستة أيام بدون عمل، لم نستطع أن نوفّق بين المصروف اليومي وشراء بطانية، لتدفئة أجسادنا من البرد الشديد".
بلهجة تهامية رقيقة وبسيطة يضيف: "هبينا لنا شوايل لتحمينا قليلاً من البرد، والشكوى إلى الله".
طول شعبان متر وتسعون سنتمترا
يمد شعبان جسده الطويل في حفرة عميقة، وطويلة بطول جثته تماماً، شبيهة بالقبر، يقول لموقع "بلقيس" -بشجاعة- "أنا لا أستوحش من هذه الحفرة، لأنني أحس بأن قبري بات قريباً، وحياتي في نهايتها".
وقبل أن يخلد إلى النوم في حفرته (قبره)، يغطّي قدميه بقطع من البلاستيك، لحمايتهما من البرد، ويفرش الأرضية بكراتين، ويغطي فوهة الحفرة بأكياس من البلاستيك، ويضع على أطرافها تراباً، كي لا تزيح الرياح تلك الأكياس، في تلك الحفرة ليس له أنيس إلا ذرات الرمال، وعتمة الليل.
فيذهب في نوم عميق بعد عمل شاق، لا يوقظه منه إلا صوت زائر الفجر، أو جرس ساعة يده المؤقت على السادسة فجراً.
على إثر ذلك الصوت، ينهض شعبان فاتحاً ليجيب دعوة داعيه، ثم يرتّب القطع البلاستيكية بعناية، كي يعود ليفرشها ليلاً، فلن يجد مثلها بسهولة، حد قوله.
مقبرة الأحياء
مساحات واسعة يسكنها العشرات من العمّال والنازحين المعدَمين، كل واحد يأخذ الخِبرة ممن سبقه إلى هذه المساحة الشبيهة بالمقبرة، في ظل فقر لا يستطيعون من خلاله تحمّل إيجار غرفة فندقية باهظة الثّمن، ولا منازل يأوون إليها.
عمّال نازحون كباراً وصغاراً يبحثون عن لقمة عيش من عمل أيديهم، لا يملكون منازل يسكنونها ولا يملكون أموالا يسكنون بها في فنادق المدينة ذي الأسعار المرتفعة، التي لا يستطيعون تحمّلها. ولذلك فضّلوا تحمّل آلام البرد، وغبار القبور، وحرارة الشمس، حيث لم يجدوا سواها أرحم بهم وبآلامهم الموجعة.
يأتي ذلك في الوقت الذي باتت فيه محافظة مأرب تسابق مدناً عربية في أسعار الشقق السكنية وغرف الفنادق، وذلك نظرا للإقبال الكثيف من قِبل المواطنين والنازحين، الذين تكتظ بهم المدينة، حيث تسكن غالبية الأسر النازحة الفارة من الحرب غرفا فندقية، وأخرى تسكن دكاكين صغيرة، وذلك ما دفع المؤجّرين والمستثمرين في فنادق المدينة يتسابقون في رفع الأسعار، حتى وصلت إلى أرقام لا تصدّق، ومازال الإقبال عليها مستمرا وبكثافة.
التراب فراشهم
العمّال والنّازحون يبيتون دون فرش أو دِفاء في هذه المساحة الشبيهة بالمقبرة، التي لا تبعد سوى أمتار فقط عن سوق المعونات والفرش الإغاثية المقدّمة من المنظمات الإنسانية، حيث تُباع من قِبل السماسرة وتُجارها، دون أسباب وجيهة لذلك.
"نحن مساكين"
الأسمر درويش علي، يعمل في حراج مأرب، ويسكن في "قبر"، بناه من كراتين وأحجار، يقول، وهو يُخرج رأسه من الأسفل، إنه ورفاقه "مساكين" لا يملكون فرشا ولا خياما ولا بطانيات، وإنهم ينامون على الكراتين، ولا شيء غيرها، ولا يوجد لديهم جهة يلجأون إليها.
تتحرّك تلك القبور المنتشرة على منطقة واسعة صباحاً، فيأخذ درويش عصا خشبية طويلة من جواره، ويخرج يده السمراء، ليزيح بها الأحجار التي وُضعت لتثبيت الكراتين، لحمايته من البرد، واحدة واحدة حتى ينتهي منها.
"لن نبيع البطانية"
"نحتاج إلى بطانية وفرش، حتى نستطيع أن ننام ليوم واحد"، يقول درويش، مشيراً إلى أن السلطات السعودية رحلّته وصادرت كل أمواله.
يضيف: "لا أملك أي شي، ولا قرش واحد، أبحث عن عمل باليوم، وأتصرّف بها، أكل وشُرب".
يتحدث درويش بهدوء عن المنظمات، قائلا إنها تصرف الفرش والبطانيات لأناس لا يحتاجون لها، مستدلاً بأنهم يبيعونها في السوق، وأنه وغيره بحاجة إلى أي شي من تلك المعونات.
وقال مخاطباً: "قل للمنظمة تهبْ لنا فرش وبطانية، أنا ما أبيعها، أنا سأفرشها وأنام عليها".
الأسباب
انقلاب مليشيا الحوثي وإشعالها الحرب وانقطاع الراوتب وتدهور العملة المحلية أمام العملات الأجنبية والحاجة والفقر وغياب الإنسانية كلها دفعت بهؤلاء إلى معاناة مستمرة، في ظل تزايد أعداد النازحين والمهجَّرين والفارين من جحيم الحرب، لن تتوقّف هذه المعاناة إلا بتوقف الحرب واستعادة الدولة، وقيام المنظمات الإنسانية الإغاثية بواجباتها بعيدا عن كل حسابات أخرى.
فقر وغلاء وحرب أوقفت الأعمال في المدينة، أسباب اجتمعت لتزيد هموم وأوجاع العمّال النازحين في مأرب المعدَمين، ذوي الدَّخل اليومي.
وزاد من أوجاع ومعاناة سكان الحفر (القبور) إهمال مجتمعي وإنساني، وطقس بارد في بلد يشهد "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، وفي مدينة تشهد حرباً وحصاراً وقصفاً.



