تقارير
بسبب الحرب.. الأشجار منازل بديلة لنازحي أبين

"ما مع الباكية إلا دموعها". مثل شعبي بادرنا به النازح عماد أحمد ملخصًا لموقع بلقيس حجم المعاناة التي تكابدها عشرات الأسر المهجرة من عدد من المناطق في محافظة أبين، والتي تشهد مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية ومليشيا المجلس الإنتقالي (المدعوم إماراتيًا) منذ قرابة خمسة أشهر.
وتقيم قرابة 266 أسرة في العراء وتحت الأشجار والعشش، وذلك في منطقة المراقد وبغاثة والسمر والقريات وخبان، وهي مناطق بعضها رملية وأخرى وعرة ومقفرة وغير مؤهلة للعيش، وبعيدة عن الأحياء السكنية، ما يفاقم حجم المخاطر والمخاوف من الزواحف والحيوانات المفترسة وفقًا لنازحين.
وتعيش 92 أسرة أخرى من قرية حسان و72 أسرة من الفريزر و55 أسرة من سلاء و25 أسرة من بربرة و22 أسرة من المساحة وغيرها وضعًا معيشيًا أكثر ترديًا وسوء وقسوة.
وتفتقر هذه الأماكن للغذاء والماء والمأوى والدواء والضوء وغيرها من مقومات العيش والبقاء، كما تطول قائمة احتياجاتها والتي تعد كثيرة لا حصر لها.
وتزداد حياة النازحين سوء يومًا بعد آخر مع انقطاع سبل الرزق وقلة المساعدات وغياب الدعم والخدمات.
المعاناة بصمت
يكابد هؤلاء بصمت في مناطق يصعب الوصول إليها كما يستغرق ذلك أكثر من ساعة على متن دراجات نارية طبقًا لمصادر محلية أكدت نزوح سكان المناطق الواقعة في خطوط النار بأبين إلى أخرى غير صالحة للعيش.
ويذكر أحمد: نزحنا في شهر رمضان إلى المراقد من أجل الحفاظ على أنفسنا ونسائنا وأطفالنا وكبار السن من جحيم النيران.
وتعاني الأسر النازحة من أشعة الشمس والمطر والتضاريس الوعرة والتغيرات المناخية بما فيها البرد القارس والذي من المتوقع أن يداهم في فصل الشتاء القادم الذي بات على الأبواب.
يحاول المشردون تفادي قسوة الطبيعة ببناء أكواخ متواضعة من بقايا الملابس والأعواد والعشب، لكنها لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.
ويفصح المشهد هناك عن مأساة إنسانية كبيرة وحياة مريرة منسية، ترتسم على وجوه النازحين ومظاهرهم لتروي تفاصيل الألم الخفي الذي ينهكهم، وكذا الإهمال والنسيان الذي يطالهم في هذا المنفى الإجباري والبعيد عن الأنظار.!
وتبدوا ملامح البؤس والشقاء على سيماهم من أثر الفقر والعوز وشظف العيش وشدة الحاجة لأبسط المتطلبات.
ثمن باهظ
قدمت بعض المنظمات الإنسانية مواد غذائية وإيوائية هي في نظر البعض غير كافية ولا تغطي كافة احتياجاتهم.
ويغرق نازحوا المراقد وغيرها في وحل الشقاء والعناء والجوع والمرض ومظاهر الحرمان والتشرد.
كما تعرضت منازلهم وقراهم للدمار والنهب ما جعلهم يلوذون بالقفار، فيما توجه أخرون نحو المدينة واستأجروا منازل لتأويهم لكنها فاقمت من معاناتهم في ظل قلة الإمكانيات وغلاء الإيجارات وعجزهم عن دفعها.
ويتطلع هؤلاء المنسيون نحو الحصول على خيام ليستضلوا بها ويناموا فيها بدلاً عن أشجار السيسبان، كما يأملون في وضع حلول أساسية لانعدام المياه وتوفيرها إلى أقرب نقطة لهم أو تجميعهم بالقرب من أحياء سكنية تتمتع ولو بالقليل من الخدمات.
وتعد المياه الصالحة للشرب بعيدة المنال، ويتطلب توفيرها جهدا كبيرا والسير على الأقدام لمسافات بعيدة وجلبها من الآبار، طبقاً لمصادر متطابقة.
ويدفع المدنيون في أبين ثمنًا باهضًا للحرب التي سلبتهم أرزاقهم ومصادر دخلهم وقلبت حياتهم رأسًا على عقب، كما جردتهم من كل شيء عدا ذكرياتهم وجعلت معظمهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
الوجه الخفي
يتهاوون اليوم في العراء حفاة وعراة ومحاطين بالوحشة وصعوبة تدبير القوت اليومي وفقاً للنازح صالح يسلم.
فالحرب كما يقول: حالت بينهم وأرزاقهم وعصفت بكل مقدراتهم وممتلكاتهم كما سلبتهم حقولهم، وأتت على مواشيهم ونحلهم وجردتهم من مهنهم المتوارثة كالصيد والرعي والزراعة وتربية النحل.
ويوضح يسلم: دمرت الحرب قوارب وشباك الصيد، وأجبرتنا على ترك ممتلكاتنا وحيواناتنا التي تعد مصدر رزقنا الوحيد، كما قتلت الإبل والأغنام وحولت أراضينا الزراعية إلى معسكرات وثكنات عسكرية.
وتتعدد فصول معاناة هؤلاء، فمنذ تركهم لبيوتهم دون سابق إنذار، ينامون على الأرض الجدباء ويفترشون الرمل مع أطفالهم ونسائهم.
وتتجدد مأساتهم كل يوم جراء العيش في أماكن مكشوفة ومعرضة لأشعة الشمس الحارقة ولهيب الحر وتقلبات حالة الطقس التي أشار إليها يسلم.. لافتًا إلى أن الأمطار الغزيرة تفاقم – هي الأخرى - من معاناتهم في ظل غياب المأوى والوسائل اللازمة للوقاية منها.
ويعتريهم التعب والإنهاك في مشهد معقد يصعب نقله بحذافيره أو الإلمام بكل جوانبه وأبعاده وشجونه.
أخطار ومخاوف
ويئن نازحو أبين من هول مأساتهم وذلك بعيدًا عن عدسات الإعلام والمنظمات الإنسانية والتي دعوها لزيارتهم ومعايشة أوضاعهم وقسوة حياتهم وصعوبة ظروفهم وحجم المخاطر المحدقة بهم.
وتنتابهم مشاعر الرعب من الزواحف والعقارب والحيوانات المفترسة والأصوات الغريبة والمخيفة أثناء الليل، حسب يسلم والذي تحدث، عن تواجد للأفاعي والضباع وغيرها من الحيوانات والتي يصدر عنها أصوات مثيرة للفزع للأطفال في الظلام.
وتثير أصوات الرصاص والمدافع والقذائف المختلفة وتساقطها بالقرب من تجمعات النازحين حالة هلع وذعر أخرى كبيرين في أوساطهم.
ويستبد بهم الحرمان من النوم في ظل هذه الأجواء والتي تشتد وطأتها على النساء والأطفال في تلك المناطق المعزولة والتي يحاولون فيها التعايش مع واقعهم ومقاومة ظلام الليل الموحش بوسائل إضاءة بدائية كالشموع والفوانيس والكشافات اليدوية أحيانًا بانتظار انفراجه سريعة للعودة إلى دورهم.
وتسود مشاعر القلق من تفشي فيروس كورونا حسب النازح معاذ أحمد، والذي يؤكد عدم تسجيل أية إصابات مؤكدة بالوباء، مضيفاً: تنتشر الأمراض والأوبئة الأخرى والتي يتم علاجها في مستشفيات المدينة على نفقة النازحين الشخصية.
ويشكوا النازحون من الحرمان من التعليم والبحث عن العمل والإبحار للصيد وطلب الرزق فضلاً عن تقييد حركة المدنيين ومنع تنقلاتهم خاصة أثناء الليل حد تعبيره.
ويعانون من العزلة والتي يجتهدون في كسرها أثناء النهار بالخروج وزيارة المناطق المجاورة والأسواق.
كما يعانون من العزلة والتي يجتهدون في كسرها أثناء النهار بالخروج وزيارة المناطق المجاورة والاسواق بحثًا عن الرزق لكنهم سرعان ما يعودون إلى منفاهم ولو بخفي حنين.



