تقارير
بعد 8 أعوام من حرب اليمن.. هل حان الوقت لتشكيل كتلة وطنية حرجة؟

بعد أكثر من ثماني سنوات من الحرب في اليمن، وما أفضت إليه من أوضاع مزرية نتيجة لظاهرة الابتذال السياسي التي اتسم بها سلوك معظم المسؤولين اليمنيين، واليأس من إمكانية حدوث متغيرات تعيد ضبط الأوضاع وتوجيهها نحو مسارها الصحيح، والخوف من أن القادم قد يحمل ما هو أسوأ وأبشع، لا سيما في ظل تغول النفوذ الأجنبي في اليمن وما يشكله من مخاطر كارثية لا يُعرف مستقرها ومنتهاها، وفي ظل غياب أي عمل منهجي للقوى الوطنية الفاعلة (والمقصية) يؤثر على سير الأحداث ويعيد ضبط بوصلة الصراع، فإن الحاجة أصبحت ماسة لتشكيل "كتلة وطنية حرجة" تحمل على عاتقها هم الوطن وتلتحم بالشعب وتقود معركة استعادة الدولة.
والمقصود بالكتلة الوطنية الحرجة: تشكيل مجموعة من القيادات والنخب الوطنية والقوى الفاعلة من سياسيين ومثقفين وإعلاميين وأكاديميين وخبراء اقتصاد وقيادات عسكرية وتجار وشخصيات اجتماعية ورموز قبلية، يجمعهم قاسم مشترك وهو رفض الوضع الراهن بكل مساوئه، وينحدرون من مختلف الأحزاب السياسية والمكونات والفئات الاجتماعية ومن مشارب فكرية وأيديولوجية متعددة، ولديهم هدف إستراتيجي واحد وهو نشر الوعي بما يحاك ضد اليمن من مؤامرات وأطماع السيطرة على بعض المحافظات والجزر والموانئ وثروات البلاد، ثم تشكيل حركة وطنية واسعة لاستعادة الدولة وإنهاء الوضع الشاذ القائم حاليا.
وتبدو الحاجة ماسة إلى كتلة وطنية حرجة كونها السبيل الوحيد لإنقاذ الوطن بعد فشل الحكام أو المسؤولين في قيادة معركة استعادة الدولة، والاستسلام للمشاريع الأجنبية، بل وانخراط بعضهم في العمل ضد البلاد، وشيوع ظاهرة الابتذال السياسي في أبشع صورها، وسيكون على عاتق الكتلة الوطنية الحرجة مهمة تأسيس حركة تحرر وطني، تدعو جميع أحرار الوطن إلى الانخراط في معركة استعادة الدولة، بعيدا عن الوصاية الأجنبية، ودعوة القبائل والجيش الوطني وتشكيلات المقاومة الشعبية للانخراط في معركة التحرير الشاملة، بعد فشل السلطة الشرعية ووريثها "المجلس الرئاسي" في استعادة الدولة تحت وصاية السعودية والإمارات، واليأس من إمكانية حدوث ذلك مستقبلا.
- الابتذال السياسي وقدسية الوطن
لا يوجد في العلوم السياسية تعريف أو وصف للابتذال السياسي، غير أن الحال الذي يبدو عليه كثير من المسؤولين اليمنيين، منذ بداية الحرب الجارية في البلاد، يمثل تجسيدا عمليا للابتذال السياسي، أي الصمت أو التواطؤ مع المشاريع الأجنبية المدمرة لليمن والمنتهكة لسيادته ووحدته ونظامه السياسي، من أجل مصالح شخصية ضيقة مآلها الزوال، وتعد عارا أمام قدسية الوطن.
إن ظاهرة الابتذال السياسي السائدة منذ ثماني سنوات، غير مسبوقة في التاريخ اليمني، وربما في تاريخ العالم كله، ذلك أنه لم يسبق أن توافقت كتلة سياسية من أطياف مختلفة على الارتهان للمشاريع الأجنبية أو التواطؤ معها من أجل مصالح شخصية ضيقة، والثمن ضياع وطن وانهيار شعب، وصار التواطؤ مع المشاريع الأجنبية المؤهل الوحيد للطامحين بالوصول إلى مناصب حكومية مهمة، ولم يعد للشعب الحق في اختيار من يحكمه، بعد أن صادر ذلك الحق الرياض وأبو ظبي.
صحيح أن حالة الانقسام الحالية في البلاد تغري بعض الأطراف المحلية بالارتماء في أحضان حلفاء أجانب على أمل أن يتمكنوا من تحقيق الطموحات الخاصة بتلك الأطراف ونزواتها السلطوية، لكن هل يُعقل أن تلك الأطراف لم تدرك بعد أنها تعتاش على الوهم، وأن السعودية والإمارات تستثمران الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالحهما الخاصة؟
وإذا كانت قدسية الوطن تجعله متساميا عن الرغبات والأهواء لا سيما عندما تكون المشاريع الأجنبية هي الفعل الطاغي على مسار الأحداث في البلاد، فهل من المنطقي أن جميع الأطراف المشاركة في السلطة الشرعية، ثم في المجلس الرئاسي، انهارت جميعها أمام عوامل الضعف والانقسام والخضوع والقابلية للارتهان للخارج والتسليم الكامل لإملاءاته باعتبارها قدرا لا سبيل لمواجهته؟
قد يمكن التفهم بأن بعض الشخصيات التي وصلت إلى السلطة ليس لديها روح وطنية تدفعها لرفض العبث الأجنبي في البلاد، لكن ما لا يمكن تفهمه هو صمت الشخصيات الوطنية التي وصلت إلى السلطة، وعدم قدرتها على الاعتراض على سياسات التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، رغم أن عوامل الضعف والاستسلام تتآكل.
لا شك أنه بإمكان الشخصيات الوطنية عمل شيء يحرك الجماهير ويستثيرها، خصوصا أن بعض الأحزاب والمكونات لديها قاعدة شعبية واسعة تستطيع تحريكها كوسيلة ضغط على التحالف السعودي الإماراتي لمراجعة سياساته، والضغط على معظم المكونات المشاركة في الحكومة والمجلس الرئاسي للتحرك والعمل الجاد لاستعادة الدولة.
أما استمرار الصمت فنتيجته صعبة على النفس، ويشكل عبئا شديدا على الضمير، ويجعل الأحزاب والمكونات الكبيرة تتآكل من داخلها وتتقلص قاعدتها الشعبية، ولعل المبادرة إلى تشكيل كتلة وطنية حرجة ستمثل دافعا للغيورين الصامتين للخروج من مربع الصمت إلى الاحتجاج على الوضع الراهن بالوسائل المتاحة، بدلا من الاستمرار في رسم صورة وردية حالمة لدور التحالف السعودي الإماراتي في البلاد، على أمل أن يراجع سياساته، مع أنها تشرعن دوره وتخدر الجماهير الغاضبة بمسكنات كلامية لا يهتم بها التحالف أو يلتفت إليها.
- أين قوى التغيير الفاعلة؟
تمكن التحالف السعودي الإماراتي من تحييد القوى والشخصيات الوطنية الفاعلة من المشهد من خلال الإقصاء والشيطنة والدعاية السوداء وإغراق البلاد بالمليشيات والتشكيلات العسكرية المنفلتة، وأعاق معركة استعادة الدولة لتبقى مليشيا الحوثيين كذريعة لاستمرار التدخل العسكري والوصاية على القرار السياسي والعسكري للحكومة اليمنية الشرعية، بعد أن أضعفها وشتتها بين شخصيات انتهازية من مختلف المكونات القديمة والطارئة على المشهد اليمني.
وجراء ذلك فإن مشروع استعادة الدولة لا يمكن أن يحققه المجلس الرئاسي أو الحكومة الشرعية بوضعهما الحالي، وليس بإمكان الجيش الوطني منفردا أو حزب سياسي أو أي فئة من المجتمع أن تنفرد لوحدها بمهمة استعادة الدولة، بفعل العقبات التي زرعها التحالف السعودي الإماراتي أمام مشروع استعادة الدولة، فالجيش الوطني مثلا لا يمتلك أسلحة حديثة تمكنه من القضاء على المليشيات الحوثية والانفصالية وغيرها، خصوصا أن التحالف يهاجمه بالطائرات إذا حاول التقدم نحو العاصمة صنعاء أو العاصمة المؤقتة عدن، وليس لديه أسلحة دفاع جوي لإسقاط الطائرات المهاجمة.
وبما أن الحال هكذا، أي أن المجلس الرئاسي والحكومة ليس بقدرتهما استعادة الدولة، بل وتحولهما إلى عوائق أمام مشروع استعادة الدولة بعد تشتيتهما بين مكونات انفصالية وشخصيات انتهازية، وكذلك استحالة أن يراجع التحالف السعودي الإماراتي سياساته في اليمن، وبروز مؤشرات أن القادم أسوأ، فإنه قد حان الوقت لتشكيل كتلة وطنية حرجة لاستعادة الدولة، كمخرج وحيد من المأزق الراهن الذي في حال استمراره قد يفضي إلى وضع كارثي مزمن.
لا شك أنه يوجد كثير من الشخصيات والقوى الوطنية الفاعلة، لكنها بحاجة إلى تنسيق وتكتل في إطار كتلة وطنية تاريخية حرجة، والأمر ليس بدعة في العمل السياسي، وإنما هو نمط سائد وكان العنوان الرئيسي لثورات التحرر العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وما يتطلبه تشكيل كتلة وطنية حرجة ناجحة هو وضوح الرؤية والأهداف والتوافق وقوة الدفع، وأن تستوعب الشخصيات الوطنية من داخل السلطة الحالية ومن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والقبائل والجيش وجميع الوطنيين الأحرار من مختلف المشارب الفكرية والمدارس الأيديولوجية.
ولكي تنجح الكتلة الوطنية التاريخية الحرجة، يجب أن تكون حالة فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية وطنية بحتة، تخاطب المزاج الشعبي وتستثيره من خلال خطاب وطني بحت، وأن تبدأ ببناء توافقات وطنية في لحظة تاريخية فارقة، وأن تكون أكبر من الأحزاب وعابرة للأيديولوجيات والهويات المناطقية والقبلية والمذهبية، وتغذي الجماهير بالوعي الوطني، حتى تتحول إلى ظاهرة ثورية عارمة تنهار أمامها مختلف التشكيلات العسكرية والمليشيات البدائية ويعجز أمامها التدخل الخارجي، الذي يعتمد على مكونات وتشكيلات محلية وظيفية، ولن يجد من ينفذ أجندته في حال انهيارها واختفائها من المشهد.



