تقارير
بعد فقد عائلهن بسبب الحرب.. نساء يمنيات في قلب المسؤولية إلى جانب أسرهن

لم يكن أمام اليمنية أفراح القدسي سوى العمل في أحد مراكز بيع الأقمشة في شارع 26، وسط مدينة تعز؛ من أجل مساعدة إخوتها الصغار على الحياة بعد أن فقدوا والدهم، خلال الحرب.
أفرح واحدة من النساء اليمنيات اللواتي يتحملن اليوم العبء الأكبر من تبعات الحرب، حيث تجرعن مرارات التشرد وفقدن معيلهن (أزواجهن، أولادهن، وإخوانهن).
- نشاطات جديدة
أسماء قائد هي الأخرى لجأت إلى صنع البخور والمواد العطرية؛ باعتبارها الحلّ الوحيد الذي سيحول دون وقوع أسرتها في مجاعة محتملة، وتخفيف الحمل الثقيل عن زوجها في توفير لقمة العيش، ومصارعة ظروف الحياة القاسية في اليمن.
وكغيرها تعمل السيدة أسماء على صنع أقراص البخور المحلي في منزلها، ثم تطرق أبواب المنازل لعرض بضاعتها، وتقصد متاجر التجميل، في تعز، بهدف توفير حياة كريمة لأطفالها، وحتى لا تقودهم الظروف البائسة إلى مدّ يدهم، والتسول.
وهكذا أجبرت الأوضاع، التي خلقتها الحرب المستمرة منذ عام 2015، والتدهور الاقتصادي، وتوقف التحويلات الخارجية، النساء في اليمن على توظيف مهاراتهن المنزلية في مساندة أزواجهن.
وخلافاً لصناعة البخور، الذي تبرع به أسماء (40 عاماً)، احترفت عددا من النساء اليمنيات، خلال الفترات الأخيرة، إعداد الكيك والحلويات والمخبوزات الشعبية، بالإضافة إلى المطرزات الشعبية، من منازلهن، والبدء بتسويقها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تقول أسماء إنّه كان لا بدّ من أن تتخذ هذا القرار، على الرغم من أنّ ارتفاع أسعار المواد الخام لصنع البخور يجعل هامش الربح بسيطاً جداً، لكنّ مشاهدة الإقبال على منتجاتها تجعلها تشعر بسعادة.
- مسؤولية مرهقة
أم أكرم مثال آخر للأسر التي تتحمل مسؤولية إعالتها النساء في اليمن وتواجه أعلى مستويات من حالة انعدام الأمن الغذائي، حيث تعمل نسبة ضئيلة للغاية من النساء خارج منازلهن.
في منزلها الصغير بأحد الأحياء الشعبية وسط مدينة تعز، توجد أغراض أم أكرم مكومة على الأرض المغطاة بالتراب، وقد حزمت تلك الأغراض في حقائب؛ تحسبا لأن تضطر وأبناؤها الأربعة إلى أن يرحلوا مرة أخرى.
ليس هناك أثاث، لذا ينام أفراد الأسرة على فُرُش موضوعة على الأرض، وليست هناك أية صور على الجدران الصفراء المتقشرة، أو أي من وسائل الراحة المنزلية؛ إنه ببساطة مجرد ملجأ تحتمي به الأسرة للبقاء على قيد الحياة.
كما أن هناك نقصا في سلال الغذاء، التي توزعها المنظمات الخيرية، تقول أم أكرم إنها حصلت على سلة واحدة فقط حتى الآن، رغم أنها حاولت مرات عديدة تسجيل اسمها للحصول على مساعدات.
تقول أم أكرم: "اضطّر إلى البحث عن الحطب لكي أوقد نارا أطبخ عليها الأرز، غالبية الطعام، الذي نأكل، غير كامل النضج، وهذا كل ما أستطيع إليه سبيلا، كما أن ابني مريض بالتشنجات، وليس بإمكاني تحمل نفقات شراء دواء له".
- ظروف قاسية
وتمثل معاناة المرأة انعكاسا مباشرا لتحالف الظروف السيئة على أكثر من نصف سكان اليمن، خلال سنوات الحرب، وكذلك الاضطرابات المتصاعدة شمالاً وجنوباً، التي دفعت الاقتصاد إلى انهيار تاريخي.
وفي ظلّ توقف عشرات البرامج الأممية المنقذة للحياة، عقب تراجع التمويلات الدولية، فقدت العملة المحلية قيمتها، ولم يعد بمقدور كثيرين توفير وجبات كاملة لأطفالهم، إذ باتت البلاد على شفا السقوط في مجاعة وشيكة.
وخلافاً للمجاعة، التي تشكل العنوان الأبرز لمعاناة اليمنيين، يبرز الوضع الصحي كهاجس رئيس في ظل تفشي عدد من الأمراض الوبائية، وتردي الخدمات الصحية، وتراجع التدخلات التي تقوم بها المنظمات الأممية بعد توقف التمويلات.
يقول أحمد الشيباني -طبيب أمراض باطنية في تعز- إنّ ضعف الخدمات الصحية هو الخطر الأكبر الذي يوازي المجاعة إن لم يكن أكبر منها، خصوصاً بعد تفشي أوبئة فتاكة تعجز المنظومة الصحية المتهالكة عن التصدي لها.
يضيف: "مئات الأشخاص ماتوا في اليمن، خلال سنوات الحرب، جراء أمراض وبائية يصعب تشخيصها في اليمن، فباتت الحُميات هي القاتل المجهول".
وتشير تقارير أممية إلى أنّ الأمراض الوبائية الثلاثة تلك أودت بحياة المئات، على الرغم من أنّ جميع الوفيات لا تسجل في المرافق الصحية، ولا تُعرف أسبابها؛ خصوصاً في المناطق الريفية النائية.



