تقارير
بلومبرغ: الحرب مع إيران والحوثيين تكشف عجز القدرات العسكرية الخليجية وأزمة الثقة بواشنطن
كشف المؤرخ العسكري والصحفي البريطاني ماكس هاستينغز عن أوجه قصور في القدرات العسكرية لدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، رغم الإنفاق العسكري الضخم وامتلاكها منظومات تسليح غربية متطورة، معتبراً أن الحرب مع إيران والحوثيين أظهرت فجوة واضحة بين حجم الترسانة العسكرية والقدرة الفعلية على إدارة عمليات قتالية مستدامة وتحقيق نتائج حاسمة.
وفي تقييم عسكري واستراتيجي نشرته 'بلومبرغ' الأميركية، استند هاستينغز إلى خبرته التاريخية ومحادثات مع مسؤول سابق في صادرات الدفاع البريطانية وضابط بريطاني، إضافة إلى معلومات عن انتشار القوات الأميركية، ليتناول تداعيات الحرب على الأمن الخليجي ومستقبل الدور الأميركي في المنطقة.
الإنفاق العسكري الخليجي ومحدودية الفاعلية الميدانية
يرى هاستينغز أن الحرب كشفت اختلالاً بين حجم الإنفاق العسكري الخليجي والقدرة على توظيف المعدات المتقدمة في عمليات عسكرية فعالة. ويشير إلى أن السعودية، رغم مشترياتها الضخمة من المنظومات الغربية، لم تتمكن من وقف الهجمات الحوثية التي تسببت في مقتل مدنيين، وإجلاء موظفين أميركيين، وتعطيل مطارات رئيسية، وإثارة مخاوف المستثمرين والزوار والحجاج.
ويعتبر الكاتب أن المشكلة لا تكمن في نقص المعدات العسكرية، بقدر ما ترتبط بضعف الفاعلية التشغيلية والتنظيمية مقارنة بحجم الترسانة المتاحة.
ويستعيد هاستينغز في هذا السياق محادثة أجراها قبل نحو عشرين عاماً مع مسؤول بريطاني رفيع في مجال صادرات السلاح، سأله خلالها عن مخاطر إغراق دول الخليج بالأسلحة الأميركية والبريطانية. وجاء رد المسؤول بأن هذه الصادرات تمثل مصدراً مهماً للعملات الأجنبية لبريطانيا، وأن جزءاً كبيراً من المعدات المصدرة سينتهي به المطاف متروكاً في الصحراء.
اعتبارات سياسية تحد من الكفاءة العسكرية
يعزو هاستينغز جانباً من أوجه القصور العسكرية الخليجية إلى اعتبارات سياسية وهيكلية، موضحاً أن الأنظمة الحاكمة سعت تاريخياً إلى تحقيق توازن بين الكفاءة العسكرية والحفاظ على أمن النظام السياسي.
ويشير إلى أن بعض القيادات حرصت على منع تركز القوة العسكرية في يد مؤسسة أو قائد قد يتحول إلى منافس سياسي أو مصدر تهديد داخلي.
وفي السعودية، جرى توزيع السيطرة على قطاعات مختلفة من القوات المسلحة بين أمراء من الأسرة الحاكمة. ويلفت الكاتب إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان اتخذ لاحقاً خطوات باتجاه مركزة القيادة وتطوير الاحترافية العسكرية، لكنه لا يعتبر هذه الإجراءات كافية لمعالجة المشكلات القائمة.
الاعتماد على الخبرات الأجنبية
يتناول التقرير اعتماد الجيوش الخليجية على الكوادر الأجنبية في عدد من الوظائف القتالية والفنية والخدمات الداعمة للمنظومات العسكرية المتقدمة.
ويذكر هاستينغز أن شركة 'بي إيه إي سيستمز' البريطانية توظف آلاف العاملين في السعودية، بينهم سعوديون، فيما تعتمد دول الخليج بدرجات متفاوتة على خبراء أجانب للمحافظة على تشغيل الطائرات المقاتلة وصيانتها.
كما يشير إلى اعتماد هذه الدول على الولايات المتحدة في مجالات المعلومات الاستخبارية والدفاع الجوي.
وفي المقابل، يقر الكاتب بوجود ضباط خليجيين ذوي كفاءات عالية، مستشهداً بفوز ضابطين من البحرين والإمارات بتكريمات مرموقة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية.
استنزاف البحرية الأميركية ومخاوف المنافسة مع الصين
يتطرق هاستينغز إلى المتطلبات العسكرية المرتبطة بفرض حصار بحري على إيران، مشيراً إلى أن العملية تحتاج، وفق الأرقام التي يوردها، إلى مشاركة عشر سفن حربية على الأقل ومجموعتي حاملات طائرات وخمسة أسراب مقاتلة إضافية.
وينقل الكاتب روايات عن الصعوبات المتزايدة التي تواجهها البحرية الأميركية في المحافظة على الحصار بعيداً عن قواعدها، في ظل الضغط الكبير على المعدات والأفراد.
ويورد تقديراً لضابط أميركي يفيد بأن البحرية قد تحتاج إلى عشر سنوات للتعافي من الاستنزاف الحالي.
ويربط هاستينغز هذا الاستنزاف بالمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، متسائلاً عما قد تحاول بكين فعله خلال انشغال جزء مهم من القوات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط.
ويرى أن استمرار الحصار والحرب يفرض تكاليف على الجاهزية العسكرية الأميركية، ويستنزف قدرات قد تحتاج إليها واشنطن في مسارح أخرى، من دون أن يقدم التقرير معلومات عن خطط صينية محددة لاستغلال هذا الوضع.
فراغ القوة الدولية وأزمة الضمانات الأمنية الأميركية
يستند هاستينغز إلى تحليل تاريخي مستمد من كتاب الاقتصادي الأميركي تشارلز كيندلبرغر 'العالم في الكساد 1929–1939'، الصادر عام 1973، لبحث تداعيات تراجع الدور الأميركي في المنطقة.
ويقول إن جنرالاً بريطانياً يعرفه لفت انتباهه إلى أطروحة الكتاب، التي ترى أن ضعف بريطانيا وعجز الولايات المتحدة آنذاك عن تولي دور القوة المهيمنة أسهما في خلق فراغ استغلته قوى توسعية.
ويعتقد الجنرال أن النظام الدولي الحالي يشهد وضعاً مشابهاً، مع تركيز واشنطن على الصين ونصف الكرة الغربي، وتراجع استعدادها لتحمل تكاليف فرض الاستقرار في مناطق بعيدة.
وفي هذا الإطار، يعتبر هاستينغز أن التطورات الأخيرة أضعفت ثقة الحكومات الخليجية في قدرة الولايات المتحدة على توفير حماية عسكرية حاسمة لها.
ويشير إلى أن محدودية النتائج التي حققتها القوة الأميركية في مواجهة الهجمات الإيرانية والحوثية دفعت حكومات المنطقة إلى تقليص توقعاتها بشأن تدخل واشنطن لإنقاذها من التهديدات، واصفاً ذلك بأنه أزمة مصداقية للضمانات الأمنية الأميركية.
الحوثيون يطورون قدراتهم العسكرية
يرى هاستينغز أن الحوثيين حققوا تطوراً عسكرياً وتقنياً ملحوظاً، جعل عملياتهم أكثر تعقيداً مما قد يتوقعه مراقبون أجانب من جماعة لا تمتلك سلاحاً جوياً مقاتلاً.
ويعزو الكاتب جانباً من هذا التطور إلى الهدنة التي أُبرمت عام 2022 مع السعودية والإمارات، معتبراً أنها منحت الحوثيين وقتاً لإعادة التسلح واستيعاب تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن تحسين إدارة العمليات العسكرية والحملات الإعلامية.
ويقدر هاستينغز حجم قوات الجماعة بعشرات الآلاف، مشيراً إلى أنها أصبحت أكثر ثقة في استخدام المعدات الحديثة وإيصال رسائلها إلى الجمهورين الداخلي والخارجي.
ويؤكد أن التفوق الجوي السعودي لم يتحول إلى قدرة حاسمة على إضعاف الحوثيين أو إنهاء قدرتهم على شن الهجمات، لافتاً إلى أن غياب الطائرات المقاتلة لدى الجماعة لم يمنعها من مواصلة العمليات، في حين لم تتمكن القوات الجوية المتقدمة لدى الطرف المقابل من فرض نتيجة عسكرية حاسمة.
محدودية الخيارات السعودية في اليمن
يتناول التقرير الخيارات العسكرية المتاحة أمام السعودية في مواجهة الحوثيين، مشيراً إلى محدودية فرص تنفيذ عملية برية كبيرة ضد الجماعة.
ويعتبر هاستينغز أن محمد بن سلمان يدرك أن حلفاءه الأتراك والباكستانيين لن يكونوا، على الأرجح، مستعدين للمشاركة في هجوم بري على اليمن.
كما يشير إلى توتر العلاقات بين الرياض وأبوظبي، وإلى محدودية نتائج المناشدات السعودية للصين من أجل استخدام نفوذها للضغط على إيران وكبح الحوثيين.
احتمالات الاعتماد على الأدوات المالية
يطرح هاستينغز احتمال اضطرار دول الخليج إلى الاعتماد على قدراتها المالية لتخفيف التهديدات الإيرانية والحوثية، بدلاً من انتظار حسم عسكري.
ويشير إلى أن صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز شهدت تعافياً جزئياً، فيما يشتبه بعض المراقبين في أن مدفوعات سرية لإيران ربما أسهمت في استعادة حركة الشحن، إلى جانب العمليات البحرية والجوية الأميركية.
ويرى الكاتب أن تنفيذ ضربات متقطعة ضد إيران لا يشكل استراتيجية متماسكة لضمان أمن الخليج.
ويضيف أن طهران وحلفاءها يستمدون ثقة متزايدة من قدرتهم على البقاء بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية المكثفة، رغم الأضرار التي ألحقتها الحرب والعقوبات بالاقتصاد الإيراني والقدرات العسكرية للبلاد.
ويصف هاستينغز هذه النتيجة بأنها تحول نفسي واستراتيجي يؤثر في حسابات دول المنطقة، وليس دليلاً على تفوق عسكري إيراني شامل.
خسائر اقتصادية تهدد طموحات السعودية
يخلص هاستينغز إلى أن السعودية تواجه خسائر اقتصادية واستراتيجية كبيرة نتيجة الحرب، مع توقع انكماش ناتجها المحلي خلال عام 2026 بسبب التراجع الحاد في النشاط النفطي.
ويشير إلى أن الهجمات على البنية التحتية واضطراب حركة الطيران والسياحة أضعفا مشروع المملكة الرامي إلى تحويلها إلى مركز إقليمي للأعمال والسفر والاستثمار.
ويضيف أن استمرار هذه الأوضاع لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد السعودي، بل يمتد إلى مكانة الولايات المتحدة بوصفها الحليف الأمني الرئيسي للمملكة، في ظل تراجع الثقة الخليجية بقدرة واشنطن على توفير حماية عسكرية حاسمة في مواجهة التهديدات الإقليمية.