تقارير
بندقية وجُعبة وقلادة' .. ثقافة حوثية لاستقطاب المراهقين لجبهات القتال

بعد مُضي شهر من غيابه، أبلغ رمزي (17 عاماً) أُسرته بالتحاقه بجبهات القتال في صفوف مليشيا الحوثي، رغم رفض أبويه.
في حديثه لـ"بلقيس" يقول رمزي، الذي أُصيب بإعاقة دائمة في ساقه وركبته وإحدى فقرات العمود الفقري أثناء تعرُّضه لشظايا قذيفة في جبهة 'صرواح' غرب مدينة مأرب قبل عدّة أشهر، إنه وقع ضحية غروره، وتدليس أصدقاء له في الحارة، ممن التحقوا في صفوف المليشيا سابقاً.
الشاب رمزي من أبناء مديرية 'المخادر'، ويقطن في مدينة إب (وسط اليمن)، الخاضعة لسيطرة المليشيا، من ضمن الطلاب الذين تركوا الالتحاق بالمدرسة، وغادرها في الصفّ التاسع، قبل عام، ليلتحق للقتال في صفوف مليشيا الحوثي.
يشرح رمزي كيف تخلّى عنه الحوثيون بعد أن عرفوا أن إعاقته دائمة، ولم يُوفوا بالتزامهم في توفير الرِّعاية الصحيّة كأقل واجب إنساني تجاه من قاتلوا في صفهم وخسروا أرواحهم.
استغلال المراهقين
بألم وحسرة يتحدّث رمزي عن حالته، وكيف وقع في فخ الحوثيين بالقول: "نتيجة للوضع المعيشي السيِّئ، الذي يعاني منه اليمنيون، لا عمل لا دخْل لا رواتب، كنا وسط الحارة كشباب طائشين مع بداية سنّ المراهقة نشاهد أصدقاء لنا وجيراناً ممن سبق التحاقهم في صفوف المليشيا يعودون إلى الحارة على فترات متقطِّعة يتفاخرون بأنفسهم، تصرف لهم الجماعة بندقية (كلاشنكوف) وجُعبة، وقلادة معدنية (سلسلة صغيرة تُوضع على اليد، فيها رقم عسكري للتعرّف على جثته في حال تعرُّض لقصف بغارة جوية لطيران التحالف)".
"صرف أموال، وبندقية، وقلادة على اليد، وكنية (أبو فلان)، ثقافة حوثية تزرعها الجماعة بين أوساط الشباب والأطفال، لتستغل معاناتهم وظروفهم المعيشية القاسية في ظل توقّف الأعمال، والمرتبات، لتدفع بهم إلى جبهات القتال"، كما يقول رمزي.
يمضي رمزي بالقول "يعود كل هؤلاء الأشخاص إلى الحارة يمتلكون امتيازات خاصة عند مشرف المليشيا، إلى جانب إعطائهم المال، فتراهم ينفقون ببذخٍ، ويمضغون أجود أنواع 'القات'، وبأسعار خيالية، في الوقت الذي يتضوّر غالبية الناس جوعاً، ولا يمتلكون قُوْت يومهم".
يتابع: "نحن كأطفال، وشباب طائشين، لا أعمال، لا دخل، وبطالة، إلى جانب تدمير المليشيا للتعليم عن قصد، لأجل ترك الأطفال الالتحاق بالمدرسة، والالتحاق بجبهات القتال في صفوفها، للحصول على المال والبندقية والقلادة".
ويُشير إلى أنه وقع ضحية أصدقائه في الحارة، وكيف يستدرجون الأطفال والشباب، ويستغلون فراغهم ومعاناتهم. يقول: "مرّة يأخذونه إلى سوق "القات"، ويشترون له ما يسمّى "بالتخزينة"، ثم يذهبون إلى أحد المطاعم الشهيرة للغداء، وبعدها إلى أحد المقاهي، أو أحد المتنزهات، يمضغون 'القات'، ويقنعوك في ساعة لذّة مذاق "القات"، بالالتحاق بجبهات القتال، فغالبية الشباب ينجرون معهم بحثاً عن المال، وبهذه الطريقة.
غسيل دماغ
وأردف: "بعد الموافقة على طلبهم، تواصلوا مع المشرف الثقافي للجماعة في الحارة، وبعدها أرسلوني إلى مدينة ذمار لحضور الدَّورة الطائفية في أحد معسكراتهم التدريبية لدراسة ملازم 'حسين الحوثي'، ودروس، ومحاضرات مكثفة عن الجهاد، وعن الولاية (غسيل دماغ) لمدة شهر كامل، حتى خرجت وأنا شخصاً آخر، ليس كما كُنت، داخلي مليءٌ بالكراهية لكلِّ من حولي. أصدقائي، وأقاربي، حتى أسرتي لم يعودوا كما كانوا، أصبحوا بنظري أشخاصاً آخرين، وأعداءَ ومتآمرين، وينقصهم الإيمان، فهم على ضلالة من أمرِهم".
يذكر رمزي أثناء إعادته جريحاً من الجبهة، ورقوده قرابة 20 يوماً في مستشفى 'الثورة' بمدينة إب، كيف أن المليشيا خصصت قسماً خاصاً لجرحى الجبهات، حيث وضعت في كل غرفة "شاشة" لتشغيل القنوات التابعة لها، تبُث، طيلة الوقت، انتصاراتها المزعومة، والزوامل، لتظل معنويات الجرحى مرتفعة، لمن يتماثل للشفاء، حتى يتسنَّى لها الدَّفع به مرّة أخرى إلى الجبهة.
حال رمزي لا يختلف كثيراً في تفاصيله عن آلاف الشباب والأطفال، الضحايا الذين جنًدتهم الجماعة، وزجّت بهم في جبهات القتال، في حرب ليست حربهم، ولم يكونوا فيها إلا وقوداً لفكر المليشيا الطائفي المقيت.
تُعد ظاهرة تجنيد الأطفال واحدة من أبرز صُور انتهاكات حقوق الإنسان، خلال الحرب الدائرة في اليمن منذ سنوات، وَثقت خلالها تقارير حقوقية العديد من الحالات لدى مختلف الأطراف، لاسيما مليشيا الحوثي، التي شكّلت أكثر من 77 بالمائة من حالات تجنيد واستخدام الأطفال، الموثَّقة في تقرير الأمم المتحدة السنوي عن الأطفال ومناطق النزاع.
تحذيرات أممية
وأعرب تقرير أممي، قدَّمه الأمين العام للأمم المتحدة، أُنطونيو غوتيريش، إلى مجلس الأمن في يونيو/ حزيران الماضي، عن "القلق البالغ"، إزاء "الزيادة المستمرة في عدد الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك تجنيد الأطفال، ولا سيما من جانب الحوثيين"، الذين وضعهم التقرير على لائحة الكيانات المتهمة بالضلوع في الانتهاكات، خلال الفترة المشمولة بالتقرير (العام الماضي).
وجاء إعلان التقرير الأممي بالتزامن مع أبرز المواسم المرتبطة باتهامات تجنيد الأطفال، ممثلة في "المراكز الصيفية"، وهي الفعاليات التي أعلنت قيادات في الجماعة أنها تسعى لاستقطاب 400 ألف طفل، في مقابل تحذيرات أطلقتها الحكومة، المعترف بها دولياً، ومنظمات محلية، اعتبرت أن هذه المراكز عبارة عن "معسكرات تجنيد للأطفال".
وفي أحدث بيان صادم، قالت منظمة "سياج" لحماية الطفولة -في بيان لها- إن مليشيا الحوثي جنّدت، خلال العام الجاري، نصف مليون طفل على الأقل، عبر ستة آلاف مُخيّم صيفي، أقامته الجماعة في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتوقّعت "إشراك أعداد كبيرة من أطفال المراكز الصيفية في جبهات القتال المستعرة حالياً".
ومطلع يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت المليشيا أن عدد الأطفال الملتحقين في المراكز الصيفية التابعة لها 620 ألف متدرّب في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية خطوة خطيرة تعمل الجماعة، من خلالها، على تلغيم أفكار الأطفال بالطائفية والإرهاب. وأواخر الشهر ذاته، أدرجت الأمم المتحدة جماعة الحوثي على 'القائمة السَّوداء' للجماعات المنتهكة حقوق الأطفال.
وقالت الأمم المتحدة إن "جماعة الحوثي قتلت وشوَّهت 250 طفلاً يمنياً".
والأحد الماضي، قال برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، إن ملايين اليمنيين لا يستطيعون شراء ما يكفيهم من الغذاء، طوال اليوم، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل حاد هذا العام، في ظل حرب دخلت عامها السابع.



