تقارير
بين الحرم الجامعي والعمل.. طالبات يتمسكن بحقهن في التعليم رغم الظروف الصعبة

تقطع هيفاء أحمد (20 عاما) مسافة 24 كم من منزلها، في قاع القيضي، إلى جامعة صنعاء، في مطاردة يومية شاقة لحلمها الأكاديمي، لكن الصعوبات المادية والأوضاع الاقتصادية الصعبة، وفقدان والدها وظيفته البديلة التي التحق بها بعد توقف راتبه الحكومي، بالإضافة إلى بَعد المسافة، وارتفاع تكاليف الدراسة، والمصروفات اليومية، شكّلت مجتمعة عوائق في طريق الطالبة المجتهدة، وزادت طين المهمّة الصعبة بلة، وباعدت بينها وبين تحقيق حلمها أكثر.
هيفاء واحدة من 20 بالمائة من طلاب جامعة صنعاء، ذكرت تقارير أممية سابقة أنهم باتوا عاجزين عن الحضور إلى قاعات الجامعة لمواصلة دراستهم، بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي تمر بها البلاد، لكنّها وكثير من قريناتها من الطالبات تمسكن بحقهن في التعليم، وقررن تحدي المصاعب على كثرتها.
- إصرار
'في غمرة فرحي بنتائج المستوى الثاني، جاء الخبر الأسوأ: لقد استغنت الشركة الأمنية، التي عمل بها منذ انقطاع راتبه، عن خدماته' تقول هيفاء في لحظة وجدت نفسها أمام خيار واحد، وهو التوقف عن الدراسة بشكل قطعي، أو مؤقت، وهو قرار طوعي تبنّته لتخفف عن كاهل والدها ما استطاعت من الهموم.. لكن: "من يطارد حلماً لا ينثني" كما تقول.
وتضيف لـ"بلقيس": "بينما توقفت أياما عن الحضور إلى الجامعة، كنت أبحث عن عمل يمكّنني من مواصلة دراستي وإزاحة عبء مصاريفي عن كاهل أبي، ومساعدته بما أمكن".
تعمل هيفاء مدرِّسة في الفترة المسائية بإحدى معاهد تعليم اللغات القريبة من الجامعة، وتستغل إجازاتها في تقديم دروس تقوية في اللغة الإنجليزية لأبناء أقاربها وجيرانها، وتستغرق كل وقتها بين التعليم والتعلُّم.
ورغم الإجهاد تُصرُّ على قدرتها في الاستمرار: "التعب الآن سينتهي براحة جسدية ونفسية، والوقت سيتوفّر بعد تحقيق الهدف" تقول.
-تكاليف وأعباء مضافة
ينصُّ القانون رقم 45 لسنة 1992، المسمى 'القانون العام للتربية والتعليم'، على مجانية التعليم في جميع مراحله، وتشمل مجانيّته المرحلة الجامعية، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق في الواقع التعليمي بالجامعات الحكومية، التي تفرض رسوماً تتفاوت بين الكليات العلمية والنّظرية.
وفيما تبتدئ الرسوم الجامعية في النظام العام بعشرة آلاف ريال، يقدِّر طلاب تكاليفهم الفصلية بواقع يتراوح بين 50 - 80 ألف ريال في الفصل الواحد، تتوزّع بين رسوم القبول والتسجيل وقيمة الكُتب الدراسية ورسوم الأنشطة، واحتياجات العملية التعليمية من تنفيذ للتكاليف وأدوات تعليمية، وإلى جانب هذه التكاليف يحتاج الطالب ما لا يقل عن 1000 ريال مصاريف يومية ومواصلات، بإجمالي 30 ألف ريال شهريا، وتلك كلفة باهظة بالنسبة للطلاب في ظل الأوضاع الإقتصادية والظروف الصعبة التي يمر بها اليمنيون منذ ثمانية أعوام.
وتصنّف الأمم المتحدة نسبة 80 بالمائة من اليمنيين تحت خط الفقر، كما يحتاج 16 مليون يمني للمساعدات الإنسانية.
-كفاح
رغم انقطاعها عن التعليم الجامعي، بسبب الزواج وتكوين الأسرة، عادت أميرة حسن (28 عاما) من بعيد لتتمسك بحلمها في التعليم، وحصد النجاح والشهادة الجامعية، وذلك ليس كفاحها الوحيد في الحياة التي زادته الحرب مشقة وتعقيدا: 'بعد طلاقي، قررت العودة لمواصلة تعليمي، لكن الظروف الصعبة، التي تمر بها أسرتي، وغياب المعيل شكَّلا عائقاً كبيراً في طريقي، خاصة أنني المسؤولة عن أطفالي الثلاثة (أحدهم مصاب بالتوحّد)، بعدما تخلّى عنهم والدهم".
المعاناة الكبيرة والصعوبات الكثيرة صقلت روح أميرة، وجعلتها أكثر صلابة وأشدّ إصرارا على التمسك بحقها في التعليم ونيل الشهادة الجامعية. تقول: 'لا بُد من مجابهة الواقع بقوة، وخوض التحدّي مع الذات، والمعارك اليومية مع الحياة، ولأجل ذلك عزمت على إكمال مشواري التعليمي، وبحثت عن وظيفة بدوامٍ واحد، تعينني على تحقيق هدفي".
تمضي أميرة يومها بين الحضور في قاعات الدراسة، بكلية التجارة، والعمل في أحد البنوك الأهلية، ورعاية أطفالها فيما تبقّى من الوقت، ويتملّكها أمل كبير يدفعها إلى الصمود حتى نيل الشهادة الجامعية في زمن تساوى فيه المتعلِّمون وغيرهم في ميزان الفقر والمعاناة. تقول: "صحيح ليس هناك مزيد من الوظائف، وهناك الآلاف ممن فقدوا بالفعل وظائفهم، لكنني آملُ أن تساهم الشهادة الجامعية في تحسين المستوى الوظيفي، ورفع راتبي في الوظيفة الحالية".



