تقارير
تحالف السعودية والإمارات في اليمن.. من دعم الشرعية إلى القضاء عليها

في 26 مارس 2015، بدأ التدخل العسكري السعودي والإماراتي في اليمن بذريعة القضاء على الانقلاب الحوثي وإعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء ممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وبعد مضي أكثر من سبع سنوات على ذلك التدخل، حدث العكس تماما، فبدلا من القضاء على الانقلاب الحوثي، تم القضاء على السلطة الشرعية وإزاحة الرئيس هادي المنتخب شعبيا من منصبه، وبدلا من عودة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، فقد تم طردها أيضا من العاصمة المؤقتة عدن، وعرقلة عودتها إلى البلاد، مقابل ترك المجال للحوثيين لتثبيت سيطرتهم على العاصمة صنعاء وغيرها من المحافظات التي يسيطرون عليها.
إذن، لم تكن إطاحة السعودية والإمارات بالرئيس هادي ونائبه علي محسن الأحمر من منصبيهما استجابة لمتطلبات المرحلة، أو إصلاح السلطة اليمنية الشرعية كما يُشاع، أو تغليف ذلك بأنه أحد نتائج مشاورات الرياض اليمنية - اليمنية، وإنما كان ذلك محاولة من التحالف لطي صفحة إخفاقاته وفشله في اليمن على مدى سبع سنوات، وكان الرئيس هادي ونائبه -لأسباب كثيرة- الشماعة التي علق عليها التحالف إخفاقاته وفشله، باعتباره المتحكم الرئيسي بالقرار السياسي والعسكري للسلطة اليمنية الشرعية بعد تجريدها من عوامل قوتها وهيكلتها المستمرة وفقا لرغبته وليس وفقا لرغبة اليمنيين.
- جردة حساب
بعد أن دمر التحالف السعودي الإماراتي كيان الدولة اليمنية وفخخ البلاد بالمليشيات والأسلحة وتجذير الانقسامات، واستهلك كل ما أراده من الرئيس عبد ربه هادي، عمد إلى إعادة هندسة السلطة الشرعية لتثبيت الواقع المُر الذي أوصل إليه البلاد، وليستكمل بذلك ما بقي من مشاريع هدم وتمزيق والحصول على تنازلات من الحكومة اليمنية لم تتحقق خلال السنوات الماضية، وأيضا لإعادة صياغة موازين قوة جديدة في بيئة أمنية مضطربة ومعقدة تمثل حصيلة سنوات الاستقطاب والفرز السياسي الذي أداره التحالف تحت سطوة المال والسلاح والمليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية.
وإذا كانت عملية إعادة هيكلة السلطة اليمنية الشرعية بذريعة فشل الرئيس هادي ونائبه خلال السنوات الماضية في إدارة البلاد والمعركة ضد الحوثيين، فإن ذلك -في المقابل- يتطلب تسليط الضوء على أداء التحالف السعودي الإماراتي في اليمن وعمل جردة حساب لذلك التدخل الفاشل وما هي النتائج التي أوصل إليها البلاد بعد أكثر من سبع سنوات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مزاعم إزاحة هادي ونائبه من منصبيهما وتشكيل مجلس قيادة رئاسي بديل ليس بسبب فشلهما وعجزهما، لأن هذه المزاعم يفندها ضغط التحالف قبل أشهر قليلة على الرئيس هادي لتغيير محافظ شبوة السابق محمد بن عديو، ليس بسبب فشله وعجزه، ولكن بسبب نجاحه في إدارة المحافظة وتنميتها وازدياد شعبيته والنظر له كنموذج يجب تكراره في كل المحافظات.
وفيما يلي جردة حساب -باختصار- لما حققه التدخل العسكري السعودي والإماراتي في اليمن خلال أكثر من سبع سنوات:
• تقويض كيان الدولة، وتقليص نفوذ السلطة الشرعية في المحافظات المحررة، والاعتداء على سيادة البلاد.
• منع الرئيس هادي من العودة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدءا من منع طائرته من الهبوط في مطار عدن في يناير 2017، والطرد التام للحكومة من عدن في أغسطس 2019.
• تشكيل مليشيات مناطقية خارج سلطة الدولة، وإنشاء سجون ومعتقلات سرية يُمارس فيها التعذيب بحق الرافضين للمجلس الانتقالي والتدخل الإماراتي المنتهك لسيادة البلاد.
• دعم مشروع انفصال جنوب اليمن وتشكيل ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان انفصالي وانقلابي على السلطة الشرعية، وتحريضه على العنف وعلى رفض قرارات الرئيس هادي والتمدد في المحافظات الجنوبية والشرقية بقوة السلاح.
• اغتيال عدد كبير من قيادات المقاومة الشعبية ضد الحوثيين والضباط والمسؤولين وعدد من القيادات السياسية والحزبية والدعاة، خصوصا من المنتمين لحزب الإصلاح والتيار السلفي المعتدل.
• قتل وجرح عدد كبير من أفراد الجيش الوطني بذريعة أن الغارات كانت خاطئة، وبعضها مكشوفة مثل قتل أكثر من 300 جندي من الجيش الوطني وجرح عدد كبير في أحد مداخل مدينة عدن (نقطة العلم) إثر محاولة الجيش الحكومي استعادة السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن بعد سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي عليها.
• السيطرة على الجزر والموانئ اليمنية وتعطيل موارد البلاد، من خلال منع تصدير النفط والغاز إلا بكميات قليلة جدا لا تساعد الحكومة على الإيفاء بأدنى التزاماتها، وكان ذلك أحد أسباب انهيار الاقتصاد الوطني وتدهور العملة المحلية، وأثر كل ذلك على الوضع المعيشي للمواطنين، حتى صارت الأزمة الإنسانية في اليمن توصف بأنها الأسوأ في العالم.
• وصول أسلحة أمريكية إلى تنظيم القاعدة في اليمن عن طريق الإمارات والسعودية، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في نوفمبر 2019، اعتزامها إرسال محققين إلى كل من السعودية والإمارات للتحقيق في وصول أسلحة أمريكية إلى تنظيم القاعدة وجماعات مرتبطة بإيران والانفصاليين.
• انتهاك سيادة البلاد من خلال التواجد العسكري المكثف في محافظتي المهرة وسقطرى، والضغط على الرئيس هادي لإقالة محافظي محافظات وأعضاء في الحكومة، وانتهاء بالإطاحة بالرئيس هادي ونائبه من منصبيهما بشكل مخالف لدستور البلاد.
• ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من خلال استهداف المدنيين الأبرياء، وشن غارات على أماكن اتخذتها مليشيا الحوثيين سجونا ودروعا بشرية بنفس الوقت، واختطاف وإخفاء وتعذيب عدد كبير من المواطنين المشتبه بمناهضتهم للدور الإماراتي التخريبي في عدن وحضرموت وغيرهما، وهو ما دفع الشبكة العالمية لملاحقة مجرمي الحرب إلى إدراج العميد أركان حرب عبد السلام الشحي، قائد القوات الإماراتية وقائد التحالف السعودي الإماراتي في الساحل الغربي لليمن، على قائمة المطلوبين للمحاكمة، في فبراير 2018، بسبب ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اليمن.
وقدمت الشبكة إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب معلومات تفصيلية "موثقة ومدعومة بشهادات" بالجرائم التي ارتكبها الشحي أو أمر بها أو ارتكبتها قوات الإمارات والتحالف تحت قيادته.
- أين فشل الرئيس هادي؟
لا خلاف أن الرئيس عبد ربه منصور هادي فشل في أداء مهامه في أحلك مرحلة من تاريخ اليمن المعاصر، لكن فشله كان يمثل امتدادا لفشل السعودية والإمارات في المعركة ضد الحوثيين ويعكس مكائدهما ضد السلطة الشرعية وحلفائها.
أما المآخذ الشعبية على الرئيس هادي ونائبه علي محسن الأحمر، فتتمثل في عجزهما عن مواجهة الأجندة التخريبية للتحالف في اليمن وهدمه كيان الدولة اليمنية، وانتهاك سيادة البلاد، والسيطرة على المطارات والموانئ، وتعطيل موارد البلاد، وتفخيخ المحافظات المحررة بالعراقيل الأمنية والمليشيات الانقلابية.
وفيما يتعلق بمزاعم عجز الرئيس هادي عن مواجهة مليشيا الحوثيين، فقد كان ذلك واضحا منذ البداية عندما طلب من السعودية التدخل عسكريا لمساندة السلطة الشرعية ضد انقلاب الحوثيين وحليفهم السابق علي صالح على الدولة وتمدد النفوذ الإيراني في اليمن، وبالتالي فإن فشل الحرب على المليشيا الحوثية يتحمل وزره السعودية والإمارات باعتبارهما الأقوى تسليحا في الطرف المناوئ للحوثيين، وليس السلطة الشرعية التي كانت ضعيفة وطلبت التدخل العسكري نتيجة لولاء معظم وحدات الجيش اليمني لطرفي الانقلاب على الشرعية لدواع تتعلق بتركيبتها وخلفيتها المناطقية والطائفية والقبلية.
لكن الانتصارات العسكرية على الانقلابيين، منذ بدء عملية "عاصفة الحزم" وحتى المعارك الأخيرة في شبوة ومأرب، لم تتحول إلى معطيات إستراتيجية، وإنما تحولت إلى انتكاسات في ملفات كثيرة بسبب غلبة المكائد والمؤامرات في سلوك التحالف وتوقف المعارك في خطوط تماس محددة، ولم تتغير خريطة السيطرة منذ سبع سنوات إلا في نطاقات ضيقة ومحدودة.
وظل التحالف يمارس التضليل بشأن نتائج تدخله عسكريا في اليمن، من خلال ترديده أكذوبة أنه تم تحرير 80% من الأراضي اليمنية، والحقيقة هي أن نسبة الأرض التي أزيحت منها المليشيا الحوثية لا تتجاوز 20% من الأراضي التي كانت تسيطر عليها فعليا عشية بدء عملية "عاصفة الحزم"، لأن معظم الأراضي اليمنية التي توصف بالمحررة لم يكن يتواجد فيها الحوثيون ولم تشهد أي معارك، مثل محافظتي حضرموت والمهرة اللتين تعادل مساحتهما ثلث مساحة اليمن تقريبا.



