تقارير
"تخلّينا عن الكماليات لتوفير القوت الضروري"!!

'في كل شهرين على الأقل أجدني مضطرة لمراجعة قائمة السلع الغذائية التي نحتاج شراءها، وفي كل مرة اضطّر للتخلي عن شراء إحداها للتماشي مع دخل الأسرة'، تلخّص أم محمود (51 عاماً) الوضع الاقتصادي لآلاف الأسر اليمنية، ومدى تراجع القدرة الشرائية لملايين اليمنيين، في ظل وضعٍ اقتصادي يزدادُ تدهوراً بوَتيرةٍ متسارعة.
خلال السنوات الثماني الماضية، ارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية، مثل القمح والأرز والسكر وزيت الطبخ أربعة أضعاف عمَّا كانت عليه قبل الحرب، في وقتٍ فقدت فيه آلاف الأسر اليمنية مصادر دخلها كلياً أو جزئياً، وباتَ أكثرُ من نصف السكان (16.2 مليون) يُعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
-مفاضلة
يبلغُ الراتب الفعلي لزوجها 150 ألف ريال، لكنّ حكومة المليشيات لا تسلّم إلا نصفه، وهو الأمر الذي دفع بأم محمود إلى اتخاذ إجراءاتٍ تقشفية كما تسميها.
تقول: 'في وضعٍ كهذا، الذي نعيشه، لا بُد من التخطيط وعمل حساب لكل ريال، وكيف وعلى ماذا سينفق!؟".
وتضيف لـ"بلقيس": "بينما ترتفع الأسعار، يبقى الدخل على حالهِ، وهذا يضطرني للاستغناء عن الأشياء التي كانت يوماً أساسية، وأصبحت في حكم الكماليات، فمثلاً كان البُن آخر سلعة تخلّيتُ عن شرائها، وقبله القشطة والجبن، ولم يتبقَ حالياً إلا المواد الغذائية الأساسية من أرز وقمح ودقيق وسكر وزيت والبهارات اللازمة فقط".
تعكسُ حال أم محمود حال آلافِ الأسر اليمنية التي وجدت نفسها فجأة ضحيةً لحربٍ جعلت أكثر سكان البلاد في مهبِّ الجوع.
-حكم السوق
التدنِّي الكبير في القدرة الشرائية انعكس على الحركة التجارية بقدر كبير، وهو الأمر الذي استشعرته الشركات التجارية المنتجة للمواد الغذائية، وحاولت احتواءه، خصوصاً في ظل ظهور بدائل رخيصة غير معروفة، وانتشار بيع المواد الغذائية التي تقدّمها المنظّمات الدولية كمساعداتٍ، لكنّها تجِدُ طريقها إلى السوق، ويلجأ إليها كثيرٌ من المواطنين في مفاضلةٍ ترْجحُ فيها كفّة الكم على حساب الكيف.
"أغلب الشركات الكبيرة والمعروفة وجدت تكدساً ملحوظاً في بضائعها، نتيجة انصراف الناس عنها، وتخليهم عن المقارنة تحت ضغط الوضع المادي"، يقول عزيز القباطي، وهو مندوب تسويق في إحدى الشركات المتخصصة في استيراد وإنتاج المواد الغذائية.
ويضيف: "كان لا بُدّ لهذه الشركات من الخضوع لحكم السوق، وحجم الطلب، وبالتالي توفير البدائل التي تُوائمُ قدرة المواطنين ووضعهم الاقتصادي، أو تفقِدُ عُملاءها وحضورها القوي في سوق الغذاء".
وانتشرت -خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة- المنتجات الغذائية الصغيرة والأصغر حجما، مثل أكياس الأرز والسكر بحجم 1 كيلو، وزيوت الطبخ في عُلب لا تزيد سعتها عن 350 مل جرام، وحليب الشاي الأصغر حجماً بسعَةٍ تكفي لتحضير 3-4 أكوابٍ فقط.
-ضالّة الفقراء
وجدت سارة محمد ضالّتَها في المنتجات الصغيرة، التي تُناسبُ طبيعة الدخل اليوم لزوجها، وصغر عائلتها المكوّنة من زوجها وطفليهما، تقول: "كُنّا سابقاً نتكلّف لتوفير قيمة أكياس الأرز والسكر، لكنّنا الآن نشتري حاجتنا لأيام معدودة، ويمكننا توفير الفارق في شراء حاجيات أخرى للمنزل والأطفال".
الحرب الدائرة والنتائج التي آلتْ إليها أحوال المواطنين والأسر الفقيرة، التي فقدَت قُدرتها على توفير احتياجاتها الكافية من الغذاء، انعكست في واقعٍ مضنٍ يكافحُ فيه اليمنيون من أجل البقاء، واستوجب عليهم المُضي بتخطيطٍ مبنيٍ على القدرات البسيطة الممكنة أو "يسيروا بالمسطرة"، كما تقول سارة.
وتضيف: "الآن لم يعد أمامنا من خيارٍ سوى التكيّف مع وضعنا حتى يفرج الله، مؤخراً أضع التوفير المادي في قائمة الأولويات، وهو المعيار الذي أحكم من خلاله على السلع التي يمكن أن أقدم على شرائها، وبالنسبة لهذه السلع الصغيرة، وخصوصاً ذات الاستخدام المحدود زمنياً، مثل الحليب والأجبان، أنا أُفضّلها لأنّها تسد حاجتي اليومية فقط، ولا تتطلّب مني وسائل حفظ مثل الثلاجة، في ظل استغناء اليمنيين عن الثلاجات بسبب انقطاع الكهرباء".



