تقارير
تدخل إقليمي ودولي.. هل أصبح اليمن لعبة شطرنج كبرى؟

بعد الاتهامات الأمريكية لروسيا والصين بدعم الحوثيين بالسلاح والمعدات التقنية، ثم بدء واشنطن بتنفيذ هجمات جوية عنيفة على مواقع لمليشيا الحوثيين، يكون الصراع في اليمن قد تجاوز البعد المحلي والإقليمي ليدخل في أبعاد دولية جديدة ونقطة تجاذب للمصالح الدولية الكبرى، مما يهدد بتحويل اليمن إلى مسرح صراع عالمي على المصالح والنفوذ ما لم يتم إنهاء الانقلاب الحوثي وإعادة الدولة إلى وضعها الطبيعي.
في بداية الأزمة والصراع الأهلي، تحول اليمن إلى صراع بين القوى الإقليمية وساحة حرب بالوكالة بين إيران التي تدعم الحوثيين بكثافة والسعودية التي كانت تدعم السلطة اليمنية الشرعية، غير أن دعم روسيا والصين للحوثيين بالسلاح والتقنيات الحديثة بعد استهدافهم للسفن الأمريكية في البحر الأحمر، وما تبع ذلك من ردود فعل عسكرية أمريكية ضد الحوثيين لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، يبدو وكأن اليمن تحول إلى ساحة صراع دولي في وقت حساس تشهد فيه العلاقات بين القوى الكبرى توترا غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، مما يزيد من تعقيد الأزمة اليمنية، ويطرح تساؤلات حول مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.
ورغم أن الولايات المتحدة كانت في بداية الصراع تشارك بشكل غير مباشر في الصراع عبر دعمها للسعودية ضد الحوثيين، فإن دخول الصين وروسيا على خط الدعم للحوثيين تغيرت معه الحسابات الدولية، وباتت الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة للانخراط بشكل مباشر أكثر في الصراع، لحماية مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، ولإظهار قدرتها على التصدي للنفوذ الروسي والصيني المتزايد، ولنفوذ إيران أيضا، والحيلولة دون تحول الحوثيين إلى أداة بيد التحالف الآخذ في التشكل بين موسكو وبكين وطهران ضد واشنطن.
- روسيا ومناطق النفوذ الأمريكي
لم يكن الموقف الأمريكي من مليشيا الحوثيين حادا إلا بعد الهجمات التي شنتها المليشيا على سفن أمريكية وأخرى مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، وسط اتهامات لروسيا والصين بدعم الحوثيين بالسلاح وتزويدهم ببيانات أقمار صناعية عبر الحرس الثوري الإيراني، لاستهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما أثار قلق الولايات المتحدة وحلفاءها من أن تصبح مليشيا الحوثيين أداة بيد قوى إقليمية ودولية جميعها معادية للولايات المتحدة، وبالتالي استخدام تلك المليشيا في تهديد مصالح الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة بشكل دائم.
ففي سبتمبر 2024، كشفت تقارير عن وساطة إيرانية في محادثات سرية بين روسيا والحوثيين لنقل صواريخ "ياخونت" الروسية المتطورة المضادة للسفن إلى المليشيا الحوثية، وهي صواريخ تتميز بقدرتها على ضرب السفن التجارية وغيرها بدقة في البحر الأحمر، مما يشكل تهديدا كبيرا للسفن التجارية والحربية الأمريكية والأوروبية في المنطقة.
ومع أن روسيا لم تتخذ قرارا نهائيا بتسليم هذه الصواريخ لمليشيا الحوثيين، إلا أن هذه الخطوة المحتملة مستقبلا قد تؤدي إلى تصعيد قدرات الحوثيين العسكرية، وبالتالي زعزعة أمن المنطقة وإلحاق أضرار كبيرة بالتجارة الدولية.
وفي أكتوبر 2024، أفادت تقارير بأن روسيا قدمت دعما للحوثيين لاستهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، من خلال تزويدهم ببيانات أقمار صناعية عبر الحرس الثوري الإيراني، وهذا الدعم ساعد الحوثيين في توسيع نطاق هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، مما أدى إلى تعطيل حركة الشحن وزيادة التوترات مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وفي مارس الجاري، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثمانية قياديين في المليشيا الحوثية، متهمين باستيراد أسلحة بشكل غير قانوني والتعاون مع روسيا، من بينهم المتحدث باسم المليشيا محمد عبد السلام، المتهم بأداء دور رئيسي في إدارة شبكة التمويل والتنسيق مع المسؤولين الروس لدعم الحوثيين وتعزيز مصالحهم.
وكررت الولايات المتحدة اتهاماتها لروسيا بتقديم دعم عسكري للحوثيين، بما في ذلك تزويدهم ببيانات استخباراتية ومعدات عسكرية متطورة، وتأتي هذه الاتهامات في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وموسكو، إذ ترى الولايات المتحدة أن هذه الخطوات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وتعزيز نفوذ روسيا على حساب المصالح الأمريكية.
- الصين ومساعي النفوذ
كما تتهم الولايات المتحدة الصين بدعم الحوثيين وتزويدهم بمكونات ومعدات توجيه متقدمة، مما يعزز قدراتهم العسكرية ويشكل تهديدا لأمن الملاحة في البحر الأحمر، وأفادت تقارير استخباراتية أمريكية بأن الحوثيين استخدموا المكونات الصينية في تصنيع صواريخ بالستية وصواريخ كروز.
وفي يوليو 2024، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شخصين وأربع شركات مقرها اليمن والصين، بتهمة تسهيل شراء الحوثيين لمعدات ذات استخدام مزدوج تستخدم في أنظمة أسلحتهم المتطورة.
وفي يناير الماضي، نشرت قناة "أي 24 نيوز" الإسرائيلية تقريرا يزعم وجود تعاون سري بين الصين والحوثيين، مشيرا إلى أن الصين زودت الحوثيين بأسلحة حديثة، بما في ذلك طائرات من دون طيار وصواريخ مضادة للسفن وذخائر دقيقة التوجيه، مقابل ضمان مرور آمن لسفنها في البحر الأحمر، لكن الصين تنفي الاتهامات الموجهة لها بدعم الحوثيين.
- صراع المصالح والنفوذ
تثير أي تحركات صينية في منطقة الشرق الأوسط حفيظة الولايات المتحدة، نتيجة لتصاعد التوتر بينهما وسط صراع اقتصادي وسياسي متزايد يهدد استقرار النظام العالمي، ولذلك فالصين قد ترى في دعم مليشيا الحوثيين في اليمن وسيلة لاختراق المنطقة أمنيا لتهديد المصالح الأمريكية فيها ردا على تعزيز واشنطن لوجودها العسكري في منطقة المحيط الهادئ لتطويق نفوذ الصين المتنامي في محيطها الإقليمي، حيث تضم المنطقة عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ الذي يراقب بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان.
هذا الوجود العسكري الأمريكي الذي يطوق الصين يأتي في ظل سعي الصين لتوسيع نفوذها الإقليمي أولا عبر تعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية، لإدراكها بأن تأمين نفوذها في محيطها الإقليمي شرط أساسي لتحقيق الهيمنة العالمية، وبالتالي فأي تحرك صيني لدعم أطراف معينة بالسلاح بشكل يهدد المصالح الأمريكية فإنه يثير حفيظة الولايات المتحدة ويدفعها للعمل على إجهاض الطموحات الصينية بكل الوسائل الممكنة، وهو ما يتجلى في المليشيا الحوثية التي تحاول أن تقدم نفسها كوكيل لأكثر من طرف (إيران، روسيا، الصين)، أملا في أن يمكنها ذلك من مراكمة المزيد من القوة العسكرية والنفوذ السياسي حتى تحقق أهدافها كاملة.
وبما أن تلك القوى الثلاث، الصين وروسيا وإيران، تمثل المحور الرئيسي المعادي للولايات المتحدة حاليا، فإن واشنطن ترى في القضاء على الحوثيين أو إضعافهم ضرورة ملحة لضرب أحد أذرع النفوذ الإقليمي لتلك القوى في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، والحيلولة دون تمكينها من تعزيز حضورها العسكري والسياسي على مقربة من أهم منابع الطاقة العالمية، مما يضمن الحفاظ على التفوق الأمريكي في المنطقة ويحول دون إعادة تشكيل موازين القوى بما يهدد المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.
- هكذا جلب الحوثيون الدمار لليمن
عندما بدأ الحوثيون تحركاتهم للانقلاب على السلطة اليمنية الشرعية، لم يكتفوا بتحالفهم مع علي عبد الله صالح والإبقاء على الطابع المحلي للصراع، بل تحالفوا مع إيران، وصعّدوا خطابهم ضد السعودية، وأجروا مناورة عسكرية بالقرب من حدودها مع اليمن، مع أن السعودية والإمارات كانتا في صفهم من وراء ستار لإجهاض ثورة 11 فبراير 2011 في اليمن.
غير أن ذهاب الحوثيين بعيدا بالتحالف مع إيران، واستعداء الجوار الإقليمي، جلب لليمن تدخلا عسكريا ما زالت البلاد تعاني من تبعاته حتى اليوم من انقسامات وتفتيت لوحدة البلاد وانتهاك سيادتها من خلال التمركز العسكري السعودي والإماراتي في بعض المحافظات، وإنشاء قواعد عسكرية في بعض الجزر اليمنية.
وفي الوقت الذي ما زالت تعاني فيه البلاد جراء عشر سنوات من الحرب الأهلية، وما ترتب عليها من تدمير للاقتصاد والبنية التحتية وتفشي الفقر والبطالة والمرض وانهيار الوضع المعيشي، وإذا بالحوثيين يجلبون دمارا آخر للبلاد سيراكم من معاناة المواطنين، وذلك بفعل هجماتهم المتهورة في البحر الأحمر خدمة لإيران التي أرادت استعراض أذرعها في المنطقة تحت مظلة نصرة قطاع غزة.
ومع أن هجمات الحوثيين كانت بلا جدوى، ولم تتضرر منها إسرائيل، ولم يكن لها أي أثر إيجابي ملموس لدى سكان قطاع غزة، لكن ذلك استهوى مليشيا الحوثيين، تحت نشوة اكتساب حظوة لدى إيران لتزيد من دعمها لهم، واستغلال مأساة غزة لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل وتلميع وجهها القبيح ومحاولة طمس سجلها الإجرامي بحق المواطنين اليمنيين في مناطق سيطرتها.
لم تكتفِ المليشيا الحوثية بما جلبته للبلاد من دمار جراء تحالفها مع إيران، بل فقد ذهبت بعيدا للتنسيق مع روسيا والصين للحصول على أسلحة وتقنيات حديثة تمكنها من الاستمرار في تهديداتها للسفن في البحر الأحمر، مما أثار حفيظة الولايات المتحدة، التي بدأت مؤخرا بتنفيذ غارات عنيفة على مواقع للحوثيين في معظم المحافظات التي يسيطرون عليها، والتوعد باستمرار الهجمات والتهديد بالقضاء التام عليهم.
وفي حال استمرار تلك الهجمات لمدة زمنية طويلة، فلا شك أنها ستدمر ما بقي من بنية تحتية، وستكون سببا في قتل عدد كبير من المواطنين الأبرياء، فضلا عن زيادة تدهور الوضع الإنساني، لا سيما أنه سيتزامن مع ذلك عقوبات واشنطن على الحوثيين بعد تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية، والتي ستكون لها أيضا تداعيات إنسانية كارثية.
لقد أصبح اليمن أشبه بلعبة شطرنج كبرى نتيجة لتهور مليشيا الحوثيين ومغامراتها التي جلبت لليمن تدخلا عسكريا وإمدادات بالمال والسلاح لمختلف الأطراف من جانب أبرز القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على المصالح والنفوذ، مما زاد من تعقيد الأوضاع في البلاد، حتى أصبح الحل السياسي غير ممكن، بينما الحسم العسكري يمكن وصفه بأنه حل دموي بامتياز، لأن معركة الحسم كلفتها البشرية عالية جدا، كما أن جلب القوى الإقليمية والدولية إلى الساحة اليمنية يخلق مأزقا دبلوماسيا يعيق التوصل إلى اتفاقات حقيقية.
وإذا استبعدنا الخيار العسكري للحسم لكلفته الدموية الباهظة، فإن أي اتفاق للسلام سيكون مشروطا بتحقيق مصالح القوى الإقليمية والدولية على حساب مصلحة الشعب اليمني، وهذا أيضا غير ممكن، وإن تم فسيكون مجرد ترحيل مؤقت لأزمة البلاد الحقيقية لتنفجر الأوضاع لاحقا، وسيبقى الشعب اليمني هو الضحية، حيث يتفاقم الوضع الإنساني وتزداد معاناته في ظل عدم وجود أفق سياسي أو عسكري حقيقي ينهي هذه الحرب.



