تقارير
تراجع تحويلات المغتربين.. تبعات كارثية على الحالة الإنسانية والوضع الاقتصادي

تراجعت أخيرا تحويلات المغتربين اليمنيين إلى داخل البلاد بشكل كبير، ما خلف تبعات كارثية على الاقتصاد والنشاط التجاري وأسعار السلع وبيئة الأعمال والوضع المصرفي و الإنساني والمعيشي وغيره.
ويتوزع ملايين اليمنيين على عدد من البلدان بينها السعودية والتي يتواجد فيها 60% من إجمالي عدد المغتربين في الخارج، إلى جانب تواجد 25% منهم في باقي دول الخليج، و 15% في عدد من الأقطار الأخرى.
وسجلت الحوالات الخارجية تراجعاً بمعدل 70% وذلك بعيد أن وصلت أواخر العام الماضي إلى 4 مليار دولار أمريكي وفقاً لتقديرات البنك الدولي.
ووضع ذلك اليمن أمام تحدٍ حقيقي لفقدانها مصدر دخلها الوحيد من النقد الأجنبي خصوصاً في سنوات الحرب الست والتي توقفت فيها صادرات النفط والغاز وتعطلت الكثير من القطاعات الحيوية بما فيها الموانئ والمطارات.
ويهدد بتوقف عملية استيراد البضائع من الخارج، كما يضاعف أسعارها بشكل كبير في الأسواق المحلية، ما يفاقم من معاناة المواطنين ويدفعهم نحو المزيد من التردي المعيشي فضلاً عن تدني قدراتهم الشرائية.
ويدفع بالعملة الوطنية نحو المزيد من الانهيار مقابل ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية الأخرى والتي تشح في السوق ولدى أسر المغتربين في الداخل، وفقاً لمهتمين بالشأن الاقتصادي والذين توقعوا وصول قيمة الدولار الواحد إلى ألف ريال يمني وذلك خلال الأيام القليلة المقبلة.
تفاقم المعاناة
ووصل مؤخراً الريال السعودي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية إلى 216 ريالا، كما بلغ الدولار الأمريكي 825 ريالا يمنيا، فيما استقر الريال السعودي عند 161 ريالا و الدولار عند 609 ريالات وذلك في المناطق الخارجة عن سيطرتها.
وفيما تعتبر مصادر رسمية الأزمة المالية والمصرفية الحاصلة وانعكاساتها السلبية اقتصادياً واجتماعياً نتاجاً طبيعياً للحرب، يذكر مراقبون أنها من معالم الانهيار الاقتصادي والذي تقف البلاد على أعتابه.
ويوسع تراجع حوالات المغتربين من الخارج من دائرة الفقراء والمعوزين والجوعى والمحتاجين للمساعدات في بلد يعد الأفقر عالمياً ويعيش أسواء وأخطر أزمة إنسانية على مستوى العالم، وذلك جراء الحرب التي عصفت به وبمقدراته .
وتتهدد المجاعة أكثر من عشرة ملايين نسمة، وهو رقم مرشح للزيادة مع تراجع تحويلات المغتربين وتقليص حجم المساعدات الإغاثية لعدم إيفاء المانحين الدوليين بتعهداتهم نحو بلد يحتاج أكثر من ثلثي سكانه البالغين 30 مليون نسمة للمساعدات الإنسانية العاجلة.
وتتحدث تقديرات الأمم المتحدة عن حوالي 24 مليون نسمة هم في أمس الحاجة لتوفير الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية وخدمات الصرف الصحي، وسط مخاوف من تزايد تلك الأعداد لتراجع حوالات المغتربين.
وتعتمد البلاد منذ العام 2015 على تلك الحوالات في توفير احتياجاتها من العملة الصعبة طبقاً للصحفي والخبير الاقتصادي نجيب العدوفي، والذي قال لموقع "بلقيس": تحظى الحوالات الخارجية بأهمية اقتصادية كبيرة كونها تشكل المصدر الرئيس لتمويل الاقتصاد ورفده بالنقد الأجنبي، كما تسهم في إحلال الاستقرار على السوق المصرفي والحد من تدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية.
أسباب
وترجع مصادر متطابقة تراجع الحوالات الخارجية إلى تفشي فيروس كورونا وسياسات السلطات السعودية التضييقية ضد الرعايا اليمنيين في المملكة والتي يتواجد فيها حوالي ثلثا المغتربين، في حين يتوزع 40% منهم على باقي بلدان الإقليم والمنطقة والعالم.
ويذكر العدوفي: بعد أن اجتاح الفيروس التاجي دول العالم تراجعت التحويلات بفعل الحجر الصحي الذي اتخذته بلدان الاغتراب بما فيها دول الخليج والتي يتواجد فيها 85% من إجمالي المغتربين اليمنيين والذين سجلت حوالاتهم نسبة 85% من إجمالي التحويلات الخارجية إلى داخل البلاد.
ورغم أن حوالات اليمنيين من السعودية شكَّلت نصيب الأسد وتصدرت دول الخليج وغيرها وبنسبة 60%، إلا أنها شهدت تراجعاً ملحوظاً وذلك قبيل ظهور كورونا بعدة أعوام.
ويلفت العدوفي إلى أن اليمن أمام تحد اقتصادي حقيقي جراء تراجع الحوالات والذي جعل النشاط التجاري يمر بأسواء حالاته، كما أضر بعملية الاستيراد في بلد يستورد 90% من احتياجاته المختلفة من الخارج.
وارتفعت أسعار المواد الغذائية والأدوية وغيرها في المحلات والأسواق بشكل جنوني، حيث تجاوز سعر كيس الأرز 52 ألف ريال كما فاقت قيمة كيس القمح 16 ألف ريال.
وتزداد الضغوط على القطاع المصرفي جراء تراجع تحويلات المغتربين المتزامن مع إخفاق حكومي وعجز ملحوظ عن ضبط الوضع المالي في البلاد والذي يتطلب ضخ سيولة نقدية من العملات الأجنبية لمواجهة الطلب المتزايد عليها خصوصاً في المناطق التابعة لمركزي عدن لاسيما أنه المعني باتخاذ التدابير اللازمة للحد من تدهور العملة الوطنية.
وتتجه الأوضاع نحو المزيد من التعقيد مع قرب نفاد الاحتياطي النقدي لمركزي عدن و المتمثل في الوديعة السعودية البالغة ملياري دولار والتي بدأت الحكومة السحب منها منذ يوليو 2018 وذلك لتغطية عملية الاستيراد.
في سياق متصل، أثر تراجع الحوالات على الوضع الإنساني لمئات الآلاف من الأسر اليمنية والتي فقدت مصدر دخلها، ما دفعها إلى دائرة الفقر والعوز وشدة الحاجة وأغرقها في وحل المعاناة كما زاد من وطأة الكارثة الإنسانية و مستوى خطورتها.
ممارسات السعودية
ويشير الباحث في الاقتصاد عبد الواحد العوبلي، إلى أثر تراجعها على مجمل مفاصل الحياة وتسببها في خلق واقع مأساوي في أوساط معظم المستفيدين منها، في حين أضرت بالاقتصاد المحلي بعد أن شكلت على مدى عقود صمام أمان و رافدا حيوياً بالنسبة له، وأضاف: يضخ المغتربون سيولة نقدية لأهلهم وأقاربهم في مختلف أنحاء البلاد وبالتالي يخففون من حالة العوز والفقر الموجود بها.
ويرجع العوبلي انخفاضها إلى تفشي الفيروس العالمي المستجد وفرض السعودية على المغتربين اليمنيين المتواجدين فيها رسوماً باهظة ما قلل من قدرتهم على تحويل الأموال إلى بلادهم وجعلهم يدعمون الخزينة السعودية وليس العكس.
وأوضح: يدفع كل مغترب يمني في السعودية قبيل ظهور كورونا مبلغاً يتراوح بين 10 آلاف و15 ألف ريال سعودي وبالتالي يدفع حوالي اثنين مليون مغترب يمني قرابة ثلاثة مليار دولار للخزينة السعودية بدل أن يحولوها إلى اليمن.
ويواجه البنك المركزي في عدن صعوبة في تمويل عملية استيراد البضائع المختلفة من الخارج لقرب نفاد الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة ما دفع التجار إلى شرائها من الصرافين والذين يتحكمون في قيمتها كونه لا يوجد بديل لهم، حد تعبيره.
وأدى تراجع الحوالات الخارجية إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع معدل النمو الاقتصادي، كما أثر على بيئة الأعمال وأحدث فجوة كبيرة في حياة ملايين الأشخاص والذين ساء وضعهم الاقتصادي والمعيشي والإنساني بشكل كبير.
وكانت الحوالات قد أسهمت سابقاً في تنشيط عملية البناء والإعمار وتأسيس مشاريع صغيرة ومتوسطة، كما وفرت فرص عمل للكثير من العاطلين.
ويتوقع العوبلي استمرار الانخفاض في حوالات المغتربين خلال الستة الأشهر القادمة خصوصاً مع استمرار جائحة الفيروس التاجي والتي أوقفت الأعمال والحياة برمتها.



