تقارير
ترويج طائفي وضعف تأهيل.."المعلم البديل" في زمن مليشيا الحوثي

مع بداية العام الدراسي الجديد، وجد عمر الحيدري نفسه في حيرة حول اختيار مدرسة مناسبة يتوفّر فيها كادر تربوي مؤهّل يلحق بها أبناءه، ويطمئن أنهم في أيدي أمينة، ويتلقون تعليمهم بالشكل الصحيح والمطلوب.
فما بين المدارس الحكومية، التي صار أغلبها فارغاً من كوادرها التربوية منذ انقطاع الرواتب، والمدارس الأهلية، التي رفعت الرسوم بشكل مضاعف هذا العام وتستقطب كوادر غير مؤهلة لتقلّص المرتبات، ضاعت العملية التعليمية، وبرزت معاناة الحيدري وأولياء الأمور في اختيار المدرسة المناسبة.
مشكلة إضافية
لطالما كانت المدارس الحكومية الملاذ الآمن للطلاب في سنوات ما قبل الحرب التي اندلعت بانقلاب جماعة الحوثي، واقتحامها العاصمة صنعاء نهاية عام 2014، إلا أن تبعات الحرب تسببت في هجرة جماعية للكوادر التربوية الرسمية المؤهلة، نتيجة انقطاع المرتبات، خاصة في المناطق التابعة لسيطرة جماعة الحوثي.
عام خامس بدأ منذ انقطاع المرتبات على ثلثي المعلّمين، وترك آثارا تدميرية على العملية التربوية.
فبحسب منظمة "اليونيسف"، فإن أكثر من 170 ألف معلم لم يتقاضوا رواتبهم بصفة منتظمة منذ أكثر من أربع سنوات، بسبب النزاع والانقسامات الجغرافية والسياسية في البلاد، وجعل ما يقارب أربعة ملايين طفل عرضة لخطر تعطّل العملية التعليمية أو الانقطاع عن الدراسة.
النقص في أعداد المعلّمين جعل وزارة التربية والتعليم في صنعاء تلجأ إلى إحلال متطوّعين بدلاء في كثير من المدارس من حديثي التخرّج وخريجي الثانوية العامة الذين لا يمتلكون أي مؤهلات أو خبرات في مجال التدريس.
ومع تسرّب المعلمين الرسميين من المدارس، وسعيهم للبحث عن أعمال أخرى لإعالة أسرهم، برزت ظاهرة "المعلّم البديل" بقوة في المدارس الحكومية، إلا أن هذه الظاهرة صارت جزءا من مشكلة التعليم، بدل أن تكون وسيلة للحل من خلال تغطية العجز في أعداد الكادر التربوي.
غياب المؤهل والخبرة
"سلوى" واحدة من المتطوعات اللاتي التحقن بالتدريس كمعلمة بديلة في ظل غياب المدرسين الأساسيين، وتسعى للحصول على شهادة خبرة، ربما تفتح لها المجال للعمل في المدارس الخاصة مستقبلاً.
وعلى الرغم من أنها خريجة ثانوية عامة فقط، ولا تمتلك أي خبرة، إلا أنها تدرّس أكثر من ثلاث مواد في مدرسة للتعليم الأساسي، لكن الطلاب يشكون عدم قدرتها على إيصال المعلومة، وأسلوبها في التدريس.
ويظهر الدور البارز للمعلمين البدلاء في المناسبات الطائفية التي تحتفل بها الجماعة طوال العام، حيث يقومون بتنظيم الفعاليات التي تتواكب مع المناسبات، والسعي إلى غرس أفكار وقِيم التطرّف والمعتقدات المنحرفة في عقول الطلاب، والعمل على استقطابهم للمشاركة في القتال.
ومع تزامن بداية العام الدراسي الجاري مع ذكرى استشهاد الحسين في موقعة "كربلاء"، طلبت المعلمة البديلة "وفاء" –اسم مستعار- المسؤولة على الأنشطة المدرسية في إحدى المدارس، غرب أمانة العاصمة، من الطالبات أن تكثف مفردات إذاعة المدرسة والأنشطة الثقافية حول استشهاد الحسين وحادثة كربلاء.
الحشد للجبهات
مدرسة "الشهيد الكبسي" في صنعاء تعد الخيار المُر للطلاب القاطنين في الأحياء القريبة. فمع غياب المدرّسين الأساسين، صارت مسرحاً للمتطوعين الذين لا يبالون بتدريس المناهج الدراسية، ويكثفون تركيزهم في عمليات استقطاب الطلاب للانضمام إلى جماعة الحوثي، والجبهات العسكرية، ويفاخرون بعدد الشهداء المنتسبين للمدرسة.
وليست مدرسة "الكبسي" إلا واحدة من المدارس التي أُفرغت من كوادرها، والتحق بها متطوعون حولوها إلى مركز للتحشيد والتعبئة العامة.
الحيدري عمل بجد في العام الماضي ليلحق أبناءه الثلاثة في مدرسة أهلية، لكن تحصيلهم العلمي لم يكن أفضل حالاً من المدارس الحكومية، بيد أن المدرسة الأهلية ركَّزت على غرس معتقدات جماعة الحوثي في عقول الطلاب بشكل أكبر، كما يقول لـ"بلقيس".
ويرجع الحيدري أسباب الشحن الطائفي في المدارس الخاصة، كون أغلبها مملوكة لشخصيات تنتمي لجماعة الحوثي، تستثمر في مجال التعليم.
يقول محمد العبادي –مدير مدرسة-: "المعلم البديل غير قادر على القيام بالتدريس بالشكل الصحيح، لكنه صار واقعا أملته الضرورة، وبحكم سيطرة الحوثيين على السلطة فلا تستطيع الإدارات المدرسية الاعتراض أو منعه من استقطاب الطلاب، والتحشيد للقتال".
ويضيف لـ"بلقيس": "تسليم مرتبات المعلّمين يعد صمّام أمان لتحييد العملية التعليمية من الاستغلال، وضرورة لبناء الأجيال الذين هم مستقبل وعماد البلد".



