تقارير

تشاثام هاوس: حرب اليمن ليست مشكلة السعودية وحدها بل مشكلة الخليج أيضاً

16/10/2026, 07:44:00
المصدر : معهد تشاثام هاوس

بقلم: سانام فاكيل وفارع المسلمي

تصاعد النزاع في اليمن بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة؛ حيث أدت الضربات الحوثية التي استهدفت مطارات في الرياض وأبها والدمام إلى مقتل 20 شخصاً على الأقل وإصابة المئات، فضلاً عن استهداف البنية التحتية النفطية السعودية. وداخل اليمن، أدى تجدد القتال عقب هجوم حوثي واسع في محيط مضيق باب المندب الاستراتيجي إلى العودة إلى حرب شاملة.

ويُعد هذا التصعيد تذكيراً مقلقاً بالتدخل العسكري الذي قادته السعودية عام 2015، والذي جاء عقب سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014 والإطاحة بالحكومة المعترف بها دولياً. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، لا يزال الحوثيون متحصنين ومتمكنين بشكل واضح، في حين تعاني الحكومة اليمنية من الانقسام، وتبدو آفاق التسوية السياسية بعيدة المنال في الوقت الراهن.

ومنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022، سعت السعودية إلى فك الارتباط العسكري في اليمن والمضي قدماً نحو تسوية تفاوضية مع الحوثيين. واكتسبت المحادثات زخماً خلال عام 2023، غير أن انخراط الحوثيين في حرب غزة، بما في ذلك الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر واستهداف إسرائيل، أدى إلى تعطيل العملية السياسية. ورغم أن حملة القصف المكثفة التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الحوثيين أفضت إلى اتفاق منفصل لوقف إطلاق النار بين واشنطن والحوثيين في مايو 2025، إلا أنها لم تسهم في دفع حلول للنزاع في الداخل اليمني.

خيارات صعبة أمام الرياض
تواجه السعودية الآن خيارات أحلاها مر بين خيارات تشوبها العيوب.

يمثل الخيار الأول في التصعيد العسكري عبر تجديد الغارات الجوية وشن هجوم واسع بواسطة القوات الموالية للحكومة اليمنية، غير أن هذا الخيار يحمل في طياته خطر إعادة الرياض إلى أتون حرب مكلفة وغير جيدة التخطيط أو الإدارة، وهي الحرب التي أمضت سنوات تحاول الخروج منها.

لقد أدرك الحوثيون أن الضربات المحدودة قادرة على إلحاق تكاليف اقتصادية وسياسية غير متناسبة، ما يمنح الجماعة أوراق ضغط كافحت التفوق العسكري التقليدي للسعودية للتغلب عليها.

كما أثبتت استراتيجية احتواء الحوثيين عدم جدواها؛ فرغم أن الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022 أدى إلى تقليل الهجمات العابرة للحدود، إلا أنه أتاح للحوثيين تعزيز سيطرتهم الإقليمية وتطوير قدراتهم العسكرية، ليعاودوا استهداف السعودية مجدداً.

وتبقى المفاوضات المسار الأكثر تفضيلاً نحو تحقيق تسوية دائمة، لكنها تصطدم بعقبة رئيسية: اقتناع الحوثيين بأنهم في موقع المنتصر، مما يقلل من حوافزهم للتقديم تنازلات.

كما لا يمكن للرياض ببساطة الاستعانة بمصادر خارجية للتعامل مع النزاع؛ فالولايات المتحدة تواجه احتمال تجدد المواجهة مع إيران، ولذا من غير المرجح أن تكون لديها الرغبة في فتح جبهة أخرى أو دعم حملة عسكرية طويلة الأمد في اليمن. ورغم أن الاتفاق الدفاعي للسعودية مع تركيا وباكستان قد يعزز قدرات الردع والدفاع، إلا أنه لا يقدم حلاً للتهديد الحوثي أو للانقسام السياسي الجذري في اليمن.

إن السعودية لا تستطيع خوض هذه الحرب بمفردها وحسمها، ولا يمكنها إسناد حلها إلى أطراف خارجية. والعبرة المستفادة من العقد الماضي هي أن الضغط العسكري دون استراتيجية سياسية متماسكة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظروف التي مكنت الحوثيين من تعزيز مواقعهم.

قضية خليجية عامة
بدلاً من ذلك، ثمة حاجة إلى استجابة جماعية من مجلس التعاون الخليجي؛ فقد أصبح اليمن والحوثيون تحداياً أمنياً يمس أمن الخليج برمته. وبناءً عليه، سيكون من الخطأ الاستمرار في التعاطي مع الملف اليمني باعتباره نزاعاً داخلياً أو مجرد مشكلة أمنية سعودية.

لقد أظهرت الهجمات على المطارات السعودية مجدداً مدى هشاشة البنية التحتية الحيوية في دول مجلس التعاون الخليجي أمام الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات غير المماثلة الأخرى. ولا يقتصر هذا التهديد على السعودية وحدها؛ ففي يناير 2022، شن الحوثيون هجمات على المنشآت النفطية ومطار أبوظبي، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين. ويشكل هذا التهديد مبعث قلق خاص لدول الخليج، نظراً لأن معظم خطط التنوع الاقتصادي لديها تعتمد على أمن الطيران، والخدمات اللوجستية، والسياحة، الاستثمار، والاستقرار الإقليمي.

كما أن استهداف البنية التحتية للنقل في السعودية يهدد المنطقة الخليجية بأسرها عبر تعطيل طرق الإمداد الحيوية؛ إذ اكتسبت شبكات الربط البري الواسعة في المملكة أهمية متزايدة كطرق بديلة للإمداد للدول المجاورة في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

علاوة على ذلك، فإن الانهيار الاقتصادي في اليمن، وشحة المياه، والضغوط الديموغرافية، تجعل من استقراره مصلحة استراتيجية طويلة الأمد للخليج.

ومن هذا المنطلق، يتعين على مجلس التعاون الخليجي تجاوز مرحلة الاكتفاء بإعلان الدعم للسعودية، وتبني استراتيجية منسقة تصيغ أجندة خليجية موحدة تهدف إلى تقوية الحكومة اليمنية وإيجاد مسار سياسي موثوق لإنهائه النزاع.

وحدة الخليج يجب أن تتعدى بيانات الإدانة
يجب أن تبدأ الاستجابة الخليجية الجماعية بمعالجة الانقسامات التي أجهضت الجهود السابقة في اليمن. والأهم من ذلك، يتوجب على السعودية والإمارات تجاوز المواجهة المضرة حول جنوب اليمن التي شهدها أوائل عام 2026. ورغم دخولهما التحالف عام 2015 كحليفين، إلا أن الرياض وأبوظبي اتبعتا بشكل متزايد أولويات متضاربة ودعمتا أطرافاً يمنية متنافسة.

إن المصالحة تتطلب ما هو أكثر من مجرد إبداء التضامن عقب الهجمات الحوثية؛ إذ ينبغي للإمارات إعادة النظر في دعمها للنزعات الانفصالية الجنوبية، والعمل نحو يمن موحد ولكن لا مركزي يستوعب المظالم الجنوبية والمصالح السياسية المتنافسة.

وفي المقابل، يجب على السعودية إعادة تقييم اعتمادها على شركاء يمنيين تقليديين، لا سيما حزب الإصلاح، الذي طالما أثارت علاقاته المفترضة بجماعة الإخوان المسلمين تحفظات إماراتية. لقد أدّى اعتماد الرياض على شبكات مرتبطة بالإصلاح إلى تضييق خياراتها السياسية وتغذية الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

ويجب على كلا البلدين إدراك أن علاقاتهما المتنافسة مع الفصائل اليمنية أضعفت القوى ذاتها التي يسعيان لدعمها. وبدون التوصل إلى اتفاق حول المستقبل السياسي لليمن، لن تحقق التنسيقات العسكرية المتجددة سوى نتائج ضئيلة.

كما يجب أن يقترن التنسيق الخليجي بإعادة تقييم جادة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

لقد كان الهدف من تأسيس مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، بديلاً للرئيس السابق عبدربه منصور هادي، هو توحيد الفصائل المناهضة للحوثيين. غير أن سنوات من التنافس الداخلي، وضعف الحوكمة، ومحدودية المساءلة المؤسسية، إلى جانب اتهامات الفساد الواسعة، أدت جميعها إلى تقويض فاعليته.

وينبغي للسعودية مواصلة تقديم الدعم المالي لتأمين الخدمات الأساسية ومنع الانهيار الاقتصادي في المناطق المحررة، ولكن يجب أن يوجه هذا الدعم للحكومة ومجلس الوزراء، وليس لمجلس القيادة الرئاسي.

وتعد تجربة رئاسة هادي بمثابة تحذير صريح من أن عقداً من الدعم لقيادة غير فعالة لم يسهم في تقوية الدولة اليمنية أو كبح المكاسب الحوثية. واليوم، لا تملك الرياض ترف تكرار ذلك الخطأ.

إن إيجاد هيكل حوكمة أكثر فاعلية يعد أمراً حيوياً ليس فقط لتعزيز موقف القوى المناهضة للحوثيين، بل أيضاً لتوفير طرف يمني موثوق في أي تسوية سياسية مستقبلية.

نحو تسوية خليجية-يمنية أوسع
رغم أن المصالحة السعودية الإماراتيّة أمر لا غنى عنه، إلا أن أي استراتيجية خليجية مستدامة يجب أن تشمل قطر وعُمان أيضاً.

إذ ينبغي لقطر المساهمة في تشكيل مقاربة سياسية خليجية أكثر اتساقاً في اليمن، بما في ذلك استغلال نفوذها الإعلامي وعلاقاتها مع الفاعلين اليمنيين. وفي الوقت نفسه، ينبغي لسلطنة عُمان الاحتفاظ بدورها كواسطة دبلوماسي؛ فقنوات مسقط المفتوحة مع الحوثيين وتفضيلها للوساطة يجلعانها في موقع ممتاز لتسهيل المفاوضات المستقبلية دون الانخراط في العمليات العسكرية.

ويجب أن يكون الهدف النهائي هو الوصول إلى تسوية سياسية مدعومة خليجياً تحفظ وحدة اليمن في إطار نظام لا مركزي، وتستوعب القوى السياسية المتنافسة. ويجب أن تتاح الفرصة لجميع الفصائل، بما فيها الحوثيون، للمشاركة شريطة الالتزام القابل للتحقق بالتخلي عن الأسلحة الثقيلة القاطعة والقبول بإطار سياسي مشترك، وهو ما يتطلب دعماً دبلوماسياً ومالياً خليجياً مستداماً.

وبعد أكثر من عقد من الحرب، لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء، وتظل الحكومة اليمنية ضعيفة، فيما تواصل الانقسامات الخليجية تقويض جهود إنهاء الصراع. إن تجنب حرب طويلة أخرى يتطلب رؤية خليجية مشتركة، والاستثمار في حكومة يمنية فاعلة، والتوصل إلى تسوية سياسية تعالج أسباب النزاع الجذرية بدلاً من الاقتصار على محاولة احتواء تداعياته.

تقارير

بلومبيرغ: ترسانة الحوثيين المتطورة تضع المليارات السعودية و"لعنة الحماية الأمريكية" أمام اختبار صعب

تطرقت "بلومبيرغ" إلى الاستراتيجية الحوثية القائمة على التكيف وحرب الاستنزاف منخفضة التكلفة، حيث نجحت المليشيا في تصنيع وتجميع صواريخ باليستية ومسيرات بدقة نسبية باستخدام مكونات تجارية متوافرة بالأسواق عبر شركات صينية وغيرها. وتبلغ تكلفة المسيرة أو الصاروخ الحوثي ما بين بضعة آلاف إلى مئات آلاف الدولارات، في مقابل صواريخ اعتراضية أمريكية تكلف ملايين الدولارات للصاروخ الواحد، مما يفرض معادلة استنزاف مالي ودفاعي حاد على الجانب السعودي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.