تقارير
تصفية واختطاف ضباط الجيش.. الملف الأكثر غموضا وانعداما للحقيقة في اليمن
في السابق، كانت حوادث التصفية والاغتيالات تقيّد ضد مجهول، أما اليوم أصبحت حوادث قتل وتصفية ضباط الجيش تقيّد ضد مليشيا الحوثي حتى وإن لم تكن المليشيا من تقف خلفها.
تصفية واختطاف ضباط الجيش الوطني، منذ العام 2015م؛ ملف محاط بالغموض وعدم كشف الحقيقة، راح ضحيتها العشرات من القيادات الأمنية والعسكرية، تم تصفيتهم في مختلف المحافظات المحررة، سواء من قِبل جهات إقليمية أو محلية، وفي الأخير تقيّد الجريمة ضد مجهول.
أسرة الفقيد العميد أحمد الزيادي -قائد معسكر اللبنات في محافظة مأرب - أصدرت، الجمعة الماضية، بيانا تطالب فيه بالإفراج عن نتائج التحقيقات في مقتل الزيادي، إبان المعارك التي سقطت فيها محافظة الجوف في فبراير 2020م، متهما وزارة الدفاع بتجاهل مطالب الأسرة بكشف نتائج التحقيقات والطب الشرعي، خصوصا بعد تعدد روايات مقتل الزيادي، وظروف مسرح الحادثة.
فيما كررت أسرة الفقيد اللواء محمد الجرادي -مستشار وزير الدفاع - مطالبتها بالإفراج عن نتائج التحقيقات حول ظروف اغتيال العميد الجرادي، متهمة بعض القيادات العسكرية والأمنية بعرقلة استكمال التحقيقات، والتحفّظ عن المعلومات الحقيقية وراء الحادثة، الأمر الذي يثير تساؤلات عن المستفيدين من عدم كشف الجناة الحقيقيين ومحاسبتهم.
- حادثة اغتيال العميد الزيادي
يقول حسام الزيادي -نجل الفقيد العميد أحمد الزيادي-: "نحن كأسرة الشهيد، بناء على المعلومات التي حصلنا عليها من موقع الجريمة، لا نستطع اتهام طرف معين بالحادثة، وسلمنا قضيتنا إلى الجهات المعنية في قيادة الجيش الوطني، لكن إلى الآن لم نتلقَّ أي نتائج بخصوص الحادثة، وبخصوص الطب الشرعي، رغم أن لدينا توجيهات من وزير الدفاع آنذاك، اللواء المقدشي، بفتح تحقيق، وقاموا بذلك وأخذوا الجثث إلى الطب الشرعي، لكن نتائج ذلك لم تصل إلينا حتى الآن، منذ العام 2020م".
يروي حسام قصة والده قائلا: "والدي كان من أوائل دفعته، التي تخرجت قبل 30 سنة في مجال هندسة الصواريخ الباليستية، ويعد من أهم الخبراء في اليمن، وبعد انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة، عرضت عليه المليشيا سيارة ومبلغا كبيرا من المال إضافة إلى راتب يوازي أضعاف ما كان يستلمه، مقابل الذهاب إلى صعدة، للعمل على تطوير الصواريخ نفسها، كون مداها محددا".
وأضاف: "رفض والدي عرض المليشيا، وتمكن من الهروب إلى مأرب، وفيها التحق مع اللواء عبدالرب الشدادي، وشارك في معركة تحرير مأرب الأولى، وكان من كبار المدرّبين الذين درّبوا الأفراد والضباط في معسكر النصر، وبعدها انتقل إلى الجوف مع مجموعة من الضباط والقادة في الجيش للمشاركة في تحريرها، وبعد تحريرها تم تعيينه قائدا لمعسكر لبنات".
وتابع: "عدت إلى اليمن في منتصف 2018م، وانضميت إلى أفراد معسكر اللبنات، وكنت المرافق الشخصي للوالد، كان الوالد يحدثني عن وجود عمليات تصفية ستحدث، فهو كان على ارتباطات بقيادات وضباط في الجيش، ويمتلك حسا أمنيا عاليا جدا".
وأردف: "قبل حادثة اغتياله، كان الوالد يجتمع بمجموعة من الضباط وقادة الجيش، في المنطقة السادسة وبقية المناطق، وكانت تعتبر اجتماعات سرية، بعد حادثة الانسحاب من نهم، وتسليم مجموعة من الأسلحة والألوية لمليشيا الحوثي تقريبا بـ6 أشهر".
وأردف: "كان الوالد يعمل مع الضباط والقادة العسكريين على وضع خطط، لأن يظلوا مسيطرين على الأماكن التي هم فيها، حتى لا يتكرر سيناريو نهم، وكان كل قائد يحضر يجب أن يكون معه مرافق واحد فقط من أسرته، وعندما بدأت دراستي سافرت للدراسة، بعدها وصلني خبر استشهاد والدي، وتلقيت التعزيات من رئيس الجمهورية ونائبه وقيادة الجيش، على أنه استشهد في المعركة مع مليشيا الحوثي".
وأشار إلى أنه، بعد يومين من الحادثه، وصله فيديو لمكان حادثة الاغتيال، ووالده مقتول داخل سيارة، ومرافقه مقتول على الأرض، وسلاحه بجانبه، موضحا أن "السيارة كانت شغالة، وليس فيها طلقة رصاص واحدة، أو حتى قطرة دم".
وقال: "تواصلنا مع قيادة الجيش، وقلنا لهم إن الوالد لم يقتل في معركة مع المليشيا، وإنما في منطقة نبه، هو ومرافقه، قالوا أيوه، لكن ما حبينا نقول لكم خوفا من الصدمة، سألناهم عن القضية كيف حصلت، قالوا إنها عملية تقطع من قِبل قطاع طرق، قلنا لهم، السيارة موجودة، والفلوس التي كانت مخصصة للمعسكر موجودة، والأسلحة موجودة في السيارة، فكيف قطاع الطرق قتلوا وتركوا كل هذا؟".
وأضاف: "لم نذكر لهم أننا نمتلك الفيديو لمكان الحادثة، ولم نقم بإرساله لأحد، ومنتظرين أن تشكّل لجنة تحقيق نثق فيها، ونعطها كل الأدلة التي معنا، وبعد 4 أيام من الحادثة أخبرني ابن عمي، وهو شقيق المرافق الذي استشهد مع والدي، بأن والدي كان يومها ذاهب إلى الاجتماع السري".
وأفاد أن "نحو 4 من القادة العسكريين، الذين كانوا يجتمعون مع والده في الاجتماعات السرية، استشهدوا حتى الآن في ظروف غامضة"، متمنيا من أسرهم أن تتكلم.
وأشار إلى أن "الاجتماعات كانت بسبب أن هناك أوامر من المنطقة العسكرية السادسة بسحب جميع الأسلحة المتوسطة المتواجدة داخل المعسكر، وتسليمها للمنطقة، حينها كان هناك تقدم للمليشيا من جهة نهم ومن جهة الحزم"، مؤكدا أنه في اليوم نفسه ذهب والده للاجتماع بشأن مناقشة عدم تسليم المعسكر، وعدم الانسحاب هو وبقية الألوية.
وتابع: "وصلتني صورة أيضا من المستشفى عندما ذهب أخي لاستلام الجثة، الرصاصة في الصدر، وفيه جروح في اليد، وهو ما يثبت أنه تم تقييده، واختطافه، واغتياله من مسافة صفر".
ولفت إلى أن "بعد ما أخذوا جثة والده ومرافقه من الصحراء إلى مستشفى الحزم، تمكّنت مليشيا الحوثي من دخول الحزم في الليلة نفسها، حينها موظفو المستشفى لم يقيّدوا اسميهما. وقيدت جثتيهما باسم مجهول داخل ثلاجة مستشفى الحزم، وهي تحت سيطرة مليشيا الحوثي".
وقال: "تواصلنا بالقيادة بشأن إخراج جثثهما، وكانوا يوعدونا بأنهم سيقومون بإطلاقهما بعملية تبادل، وخلال أكثر من شهرين حدثت أكثر من عملية تبادل، وتم استثناء جثة الوالد ومرافقه، وحاولنا نحن نتدخل عبر وسطاء ودفعنا مبالغ مالية، مقابل إخراج الجثتين، لأن في تلك الفترة تم قطع الكهرباء عن الحزم، والثلاجات انطفأت لمدة شهرين، مما اضطرينا إلى دفع مبالغ هائلة لاستخراج الجثث".
- ظروف مؤسفة
من جهته، يقول الخبير العسكري والإستراتيجي، العميد محمد الكميم: "إنه من الطبيعي أن يكون العسكري في ثلاثة احتمالات، إما أن يكون شهيدا، أو جريحا، أو أسيرا، أو منتصرا في معركته، لكن المؤسف أن يسقط من هؤلاء الشهداء والقادة في ظروف غامضة، ومع الحرب قد تحصل إما قتل عن طريق الخطأ أو بنيران صديقة، أو من قِبل العدو، أي هناك احتمالات كثيرة".
وأضاف: "مؤسف أن نفقد بعض القادة في ظروف لا تظهر نتائج تحقيقها، فـ عند حدوث عملية اغتيال لضابط في الجيش، تحت أي ظرف من الظروف، يفترض أن يكون هناك تأمين لتحركات القادة العسكريين والقوات من الخط الأمامي للمواجهة إلى المؤخرة وإلى منازلهم، وفي حال حدوث الجريمة لا بُد أن تكون الاستخبارات العسكرية والوحدات الأمنية نشطة".
وتابع: "عمليات اغتيال أو اختطاف بعض القادة العسكريين ،سواء في مأرب أو في الجوف أو في أي مكان، يفترض أن تظهر نتائجها".
وأردف: "ما قاله حسام نجل الشهيد الزيادي كلام خطير وكلام كبير وهام، ومعطيات يجب أن تكون أمام الإخوة في النيابة العسكرية في المنطقة السادسة، وأمام البحث العسكري، والشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية، وعلى قيادة وزارة الدفاع، وأنا اعتبره هذا بلاغ".
وزاد: "يجب على النيابة العسكرية والمحكمة العسكرية التحرك والتحقيق في هذه القضايا من جديد، وأن يأخذوا المعطيات، التي ذكرها نجل الشهيد الزيادي بعين الاعتبار، لأنها خطيرة، وقد نخسر قادة جدد في حال حدث تهاون في هذا الأمر".
وقال: "أعرف الكثير من الزملاء العسكريين، كانوا على اتفاق أنهم يزوروا جبهات مأرب، وفي الأخير ترددوا كثيرا بعدما استشهد اللواء الجرادي، واستشهاد بعض الضباط والنقباء، وحدوث عمليات الاختطاف".
- الشهيد الجرادي.. إهمال وتجاهل
من جهته، يقول الشيخ سعد الجرادي -شقيق الفقيد (مستشار وزير الدفاع) اللواء محمد الجرادي-: "إنه منذ أكثر من 40 يوما على اغتيال الشهيد الجرادي وحتى اليوم، وأجهزة الأمن تتحفظ بكل وثائق التحقيقات، ولم تطلعنا على نتائجها".
وحمّل الشيخ الجرادي السلطات المحلية والأمنية والعسكرية في مأرب ما وصفه بالعمل غير القانوني، مطالبا رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة ووزير الدفاع، بتوجيه الأجهزة الأمنية بتمكين أسرة الشهيد من الحصول على ملف التحقيقات إلى جانب إشراكها في معالجة إجراءات التحقيق، كون رئيس الوزراء أصدر قرارا بتشكيل لجنة تحقيق مع إشراك واحد من أسرة الشهيد فيها.
وأشار إلى أن "الاغتيال كان في 8 نوفمبر الماضي، وفي تاريخ 10 رفعت اللجنة تقريرها، دون تسليم نسخة منه ولا من التحقيقات للأسرة، ولم يطلعوها على الكاميرات التي صوّرت الشهيد الجرادي أثناء خروجه من البيت، وأثناء عودته إلى البيت، وأثناء خروجه إلى الندوة، التي كان سيحضرها، وهو المتحدث الثاني حول إصلاح القوات المسلحة والاختلالات التي رافقت الجيش، خلال السنوات الماضية".
وقال: "كونه لا يوجد طب شرعي في محافظة مأرب، ونتيجة للتأخر، اضطرينا إجراء الطب الشرعي على حسابنا الخاص، وحتى الآن لم نحصل على تقرير الطب الشرعي، حتى إن هناك شهداء مازالوا في الثلاجة حتى هذه اللحظة وفي ثلاجة غير مجمّدة".



