تقارير
جنازات في صنعاء.. هل بدأت تتآكل مليشيا الحوثي من الداخل؟

يسود التوتر والقلق أوساط قادة مليشيا الحوثي مع تفاقم الصراعات البينية والتصفيات التي تطال بعض قادة المليشيا، خصوصا منذ قدوم القائد العسكري الإيراني حسن إيرلو إلى العاصمة صنعاء كحاكم عسكري للحوثيين تحت لافتة "سفير".
ولم يقتصر الأمر على التصفيات المكشوفة، مثل حادثة اغتيال القيادي الحوثي حسن زيد، وإنما يطال أيضا حالات الوفاة الغامضة، مثل وفاة القيادي الحوثي زكريا الشامي، وسلطان زابن، وغيرهم، حيث تدور كثير من التكهنات حول تلك الوفيات الغامضة في أوساط قادة المليشيات أنفسهم، رغم أن المليشيات ذاتها تزعم بأن وفاتهم بسبب فيروس كورونا أو بسبب غارات التحالف.
ويزيد من حدة الشكوك حول أسباب حالات الوفاة الغامضة، أن مليشيا الحوثي شيعت في صنعاء، الجمعة الماضي، القيادي في الجماعة اللواء زكريا الشامي، والمطلوب رقم 4 على قائمة التحالف، بعد أكثر من شهر على وفاته في ظروف غامضة، وتثير مسألة تأجيل دفنه كل هذه المدة الأسئلة حول الخلافات داخل قيادات المليشيات وحالة الشك وعدم الثقة القائمة بينها، وسط تضارب الأنباء حول ما إذا كان قد توفي مسموما من قبل جناح صعدة في المليشيات، أم بسبب فيروس كورونا كما ذكر نشطاء حوثيون، بينما يتحدث البعض عن مقتله في إحدى الجبهات أو غارات التحالف، وكان لافتا غياب القيادات الرئيسية للمليشيات عن مراسم التشييع.
- بدء التذمر
رغم أن التصفيات البينية التي طالت بعض قادة المليشيات الحوثية والشخصيات السلالية بدأت منذ ما قبل الانقلاب، من أهمها: اغتيال أحمد شرف الدين، وعبد الكريم جدبان، ومحمد المتوكل، والمرتضى المحطوري، وحسن زيد، وغيرهم، لكن بعد تحولها إلى ظاهرة متزايدة بدأ بعض قادة المليشيات بالتعبير عن تذمرهم وشكوكهم والمطالبة بالتحقيق في أسباب الوفيات.
فبعد إعلان المليشيات وفاة سلطان زابن بساعات، طالب القيادي الحوثي والمتحدث باسم وزارة الصحة التابعة للمليشيات، يوسف الحاضري، بتشريح جثث من وصفها بـ"القيادات الرفيعة" التي أعلن وفاتها مؤخرا في صنعاء فجأة، مستبعدا أن تكون أسباب وفاة القيادات الحوثية مطابقة للروايات المذكورة من قبل "الجهات الرسمية" أو ناجمة عن انتشار كورونا، وقال إنه يجب التحقيق لمعرفة الأسباب الحقيقية للوفاة، وأضاف أن "الموضوع أكبر من مجرد فيروس تجاوزه اليمنيون"، وطالب ما سماه "جهاز الاستخبارات" بمتابعة الوضع وتتبع الخيوط المشاركة في مثل هكذا جرائم.
بينما حمّل القيادي الحوثي سلطان جحاف الحاكم العسكري الإيراني في صنعاء، حسن إيرلو، مسؤولية مقتل سلطان زابن، وقال في تغريدة على تويتر: "كورونا أصبحت عذرا فقط، قياداتنا يتعرضون للطعنات والغدر"، مضيفا: "هناك اختراق ولوبي شغال للتصفيات، ونحمل المسؤول الأول عن الوضع في صنعاء القيادات الأمنية التي تتلقى أوامرها من قيادات محور المقاومة مسؤولية ما يحدث"، حسب تعبيره. كما كشف جحاف عن سر حدث في لقاء أمني حضره إيرلو، قائلا إنه "خلال الاجتماع واللقاء الأمني الأخير مع السفير إيرلو كان مركزا على استفزاز العميد سلطان زابن".
- تآكل المليشيات من داخلها
لم يقتصر السلوك العدواني الإرهابي لمليشيات الحوثي على خصومها السياسيين فقط، وإنما يطال أيضا مشايخ القبائل الذين قدموا للمليشيات خدمات كبيرة بداية الانقلاب، وسهلوا لها السيطرة على عدة محافظات، كما أنه يطال عددا من قادة المليشيات والشخصيات السلالية ذات الحضور الكبير في أوساط العوائل السلالية المختلفة، وكل ذلك بهدف التمكين لجناح صعدة، عائلة آل الحوثي، وتطويع بقية العوائل السلالية لخدمتها، والتخلص من مشايخ القبائل ونفوذهم وجعل القبائل تابعة مباشرة للمليشيات وتجنيد أبنائها للدفاع عن المشروع السلالي العنصري.
وتؤكد آخر الإحصائيات تصفية المليشيات الحوثية أكثر من 26 شيخا قبليا، خصوصا من تعاونوا معها وسهلوا لها السيطرة على مناطقهم ومهدوا لها الطريق إلى العاصمة صنعاء مع بدء الانقلاب، فضلا عن رفدها بالمقاتلين القبليين، وفي نهاية المطاف، كانوا ذاتهم ضحية السلوك العدواني للمليشيات وتعصبها السلالي بعد أن استغنت عن خدماتهم، وبدأت خلال السنوات الأخيرة بتصفيتهم الواحد تلو الآخر، مما يؤكد أن المليشيات السلالية لا تتعايش حتى مع من قدموا لها خدمات كبيرة، ولا يمكنها أيضا التعايش مع مختلف مكونات الشعب اليمني السياسية والاجتماعية، خصوصا تلك التي تناصبها المليشيات العداء، كما أنها لا تتعايش فيما بينها، بدليل التصفيات التي تطال شخصيات سلالية وقادة في الجماعة.
وكانت مليشيات الحوثي قد بدأت بتقييم الشخصيات القبلية والاجتماعية في مناطق سيطرتها وتحديد من تشكك بولائهم، بعد أحداث ديسمبر 2017 في العاصمة صنعاء، والتي انتهت بقتل الحوثيين لحليفهم السابق علي عبد الله صالح، بعد تزايد الخلافات فيما بينهم، وبعد ذلك كثفت المليشيات من عملياتها السرية ونفذت تصفيات واعتقالات طالت المشايخ والضباط الموالين لعلي صالح وعائلته عن طريق ما يسمى "جهاز الأمن الوقائي" التابع للمليشيات.
- تعدد الأجنحة وصراع النفوذ
كما أن تعدد أجنحة المليشيا الحوثية، وتعدد العوائل السلالية الطامحة بالسلطة والنفوذ والسيطرة على الجبايات والمنهوبات، أثار مخاوف جناح صعدة الذي يعد الأقوى والأكثر نفوذا، والذي عمد بدوره إلى تصفية عدد من القيادات والشخصيات السلالية، خصوصا أن مختلف العائلات السلالية تنظر لعائلة آل الحوثي نظرة دونية باعتبارها عائلة متخلفة ولا تفقه شيئا في شؤون السياسة والحكم والاقتصاد، بينما تنظر عائلة آل الحوثي للعوائل السلالية الأخرى نظرة حقد كونها همشتها تماما في زمن حكم الأئمة قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، وتخشى عودة التهميش مجددا وحصد المكاسب التي ضحى لأجلها جناح صعدة.
ويمكن القول بأن الهدف الرئيسي من الاغتيالات والتصفيات التي تطال بعض قادة المليشيا والشخصيات السلالية، أن جناح صعدة، أو عائلة آل الحوثي، تريد تطويع بقية العوائل السلالية لخدمتها وعدم منافستها، ويتمثل ذلك في حرصها على عدم السماح ببروز أي قيادي كبير من العوائل السلالية الأخرى، واغتيالها لبعض الرموز السلالية في وقت مبكر قبل الانقلاب وبعده، خشية منافستهم لزعيم المليشيات عبد الملك الحوثي، ويشكل الصراع على السلطة والأموال المنهوبة المحور الرئيسي في الصراع بين أجنحة المليشيات الحوثية.



