تقارير
حرب مليشيا الحوثي الممنهجة على المزارعين

يزداد قلق المزارع الستيني، فرج الفقيه، من تلف محصوله الزراعي عطشاً، نظراً للنّقص الحاد في مياه البئر الارتوازية الخاصة بمزرعته في أحد أرياف محافظة صنعاء. يقول الفقيه لبلقيس: "البئر حقي جفت، وأريد تعميقها لأجل أحصل على مياه كثيرة، أستطيع سقي حقي المزرعة إلا أن الحوثيين منعوني وشلوني الحبس".
لم تمنع مليشيا الحوثي الانقلابية المزارعين من زيادة حفر وتعميق آبار المياه بدافع مكافحة الحفر العشوائي والحفاظ على المخزون المائي الجوفي لحوض صنعاء، بل بهدف سلب وابتزاز المزارعين وإتلاف المحاصيل الزراعية في مواسمها المختلفة، خصوصاً في ظل استمرار شحة مياه الأمطار في الموسم الحالي، وهو ما يجعل المحاصيل الزراعية عُرضةً للتلف في تلك المناطق.
تأتي حرب المليشيا الانقلابية بمنع المزارعين من عملية البحث عن وسائل تساعدهم في توفير كميات كافية من المياه لريّ محاصيلهم الزراعية ضمن أدواتها القمعية، لنهب وإذلال المزارعين في المناطق التي يسيطرون عليها. "محمد محسن"، مزارع أربعيني من مديرية همدان (شمال صنعاء)، يقول لبلقيس: "أدينا حفار من شأن نعمِّق البئر، لاحقونا الحوثة، ومنعونا، وسجنوا أخي، رجعنا دفعنا لهم مليون ريال، قالوا حق رخصة"، ما يعادل 1650 دولاراً سعر الصرف في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الانقلابية.
لم تكن دوافع المنع والإيقاف وطنية أو ذات جدوى خدمية لحياة السكان، بل مصدراً جديداً لجباية الأموال من المزارعين تحت مسمّى "رخصة"، الأمر الذي أجبر بعضهم على بيع قطعة أرض للنّجاة من اضطهاد مليشيا الحوثي ووسائلها الابتزازية. ويشهد القطاع الزراعي أزمة وقود دائمة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي استمرارها إلى ضرر وتكاليف عالية يدفع ثمنها المواطنون الذين يعيشون أوضاعاً معيشية سيّئة، نتيجة للأزمات التي خلفتها المليشيا، واعتمدتها مصدر تمويل لحربها ضد اليمنيين مُذ نحو 7 أعوام.
الابتزاز بتهمة "دواعش"
حين تعمد مليشيا الحوثي الانقلابية إلى استخدام أساليب البطش والتنكيل بحق شريحة ما من أبناء المجتمع اليمني، تذهب كعادتها إلى تصنيف تلك الفِئة دِينياً أو عنصرياً، كحال المزارعين في مديرية 'همدان' بمحافظة صنعاء، الذين كانت محاصيلهم الزراعية عُرضة للتلف عندما منعتهم المليشيا من تعميق آبار الري، بحُجة مُبطّنة تدّعي فيها أنهم "دواعش".
شاب ثلاثيني من منطقة 'جربان' في مديرية 'همدان'، تحاشى ذِكر اسمه لأسباب أمنية، يقول لبلقيس: "الحوثيون يخلقوا لك أي مشكلة من شأن ينتقموا، لأنه إحنا نشقى في مزارعنا ولا أحد رضى يسير يقاتل معهم في الجبهات".
حيث تتكِئ الجماعة في ذاك التصنيف على عدم مشاركة غالبية المزارعين وأبنائهم في القتال مع مليشيا الحوثي ذات البُعد العنصري والدِّيني.
فرار جماعي لأصحاب الحفَّارات
ضمن وسائل التضييق، التي تستخدمها المليشيا على المزارعين، سعيها الحثيث إلى توقيف أي حفَّار مياه يذهب للحفر في مديرية 'همدان'، حيث يتم حبس العُمال أو المهندسين القائمين على الحفار.
عبداللطيف أحمد، مالك حفار آبار المياه، يقول لبلقيس: "لما سرنا همدان وقفوا الحفّار، وحبسوا العُمال، رجعت خارجْتهم، ودفعت مبلغ والتزمت".
وهو ما أكده بعض مزارعي المنطقة، خلال حديثهم لبلقيس: "الحفارات كلهم يهربوا لما تقولهم يجي يحفر في همدان، محظورين من العمل عندنا".
حيث يخشى مُلاك الحفارات من الغرامات، التي تُفرض عليهم، إضافة إلى المخالفات الجسيمة التي تفرضها المليشيا عليهم.
إذ يبدو الحصار مطبقاً على المزارعين، ما يعتبرونه نوعاً من التنكيل والبطش، إضافة اثإلى إلحاق الضرر بالمحاصيل الزراعية، المصدر الوحيد لدخلهم المعيشي، في ظل استمرار الحرب التي خلقت ظروفاً اقتصادية بالغة التعقيد، سهّلت عملية إذلال المزارعين، وابتزازهم بطرق مختلفة، دون مراعاة لأدنى المسؤوليات.
مصلحة السكان خارج نطاق اهتمامهم
بدت العملية انتقاماً من المزارعين فقط لا الحفاظ على المياه الجوفية لحوض صنعاء، رغم اعتبار مديرية 'همدان' ضمن نطاق 'حوض صنعاء' المائي، الذي تنتشر حوله الآبار المحفورة عشوائياً، وهي الخطر الحقيقي على الحوض. وبحسب أحد مهندسي وزارة المياه والبيئة في صنعاء - فضّل عدم ذِكر اسمه لدواعٍ أمنية- فإن "الحوثيين حوّلوا المزارعين الذين يملكون آبار مياه إلى مصدر للجباية فقط، متساهلين بخطورة الوضع المائي على حوض صنعاء، وكأنّه لا يعنيهم".
حيث تبلغ مساحة حوض صنعاء 1200 كم إلى 3200 كم. بينما تبلغ عدد الآبار في هذا الحوض 5500 ـ 6000 بئر، وفقاً لتقرير صادر عن وزارة المياه والبيئة. ويبذل الحوثيون جهودا جبارة لابتزاز المزارعين، ونهبهم على مستويات مختلفة ومتعددة.
هايل علي، مهندس زراعي يبلغ من العمر 55 عاماً، يقول لبلقيس: "انخفض انتاج القطاع الزراعي حالياً بشكل كبير، بسبب سياسة الحوثيين في نهب وابتزاز المزارعين، وعدم الاهتمام بهم، وكذلك انعدام مادة الديزل، وارتفاع أسعارها".
وسبّب هذا التراجع في الإنتاج خللاً اقتصادياً للدولة والمزارع على حدٍ سواء.



