تقارير
حضرموت في مرمى فوضى التحالف والانتقالي

اشتدت وتيرة التصعيد ضد محافظة حضرموت، خلال الأيام القليلة الماضية، من قبل كلٍّ من المجلس الانتقالي ومليشيات الحوثيين، في حين تشهد المحافظة حراكا مجتمعيا رفضا لما يُحاك ضدها من تصعيد ودسائس، لا سيما أن ناشطين موالين للتحالف السعودي الإماراتي بدؤوا بإطلاق تحذيرات من أن حضرموت قد تتعرض لعمليات إرهابية خلال الأيام المقبلة، بينما يلمح آخرون إلى أن المحافظة ستشهد آخر معركة لما يسمونها "القوات الجنوبية" ضد حزب الإصلاح، في إشارة إلى القوات الحكومية المتواجدة في المحافظة. وكالعادة يتخذ التحالف والموالون له من شماعة حزب الإصلاح مبررا للحرب على القوات الحكومية، وتسليم المحافظات الجنوبية والشرقية لمليشيات انفصالية مناطقية.
إذن تبدو محافظة حضرموت على موعد مع تمدد الفوضى إليها، مهما كان نسيجها الاجتماعي متماسكا، ومهما كانت محدودية وصغر حجم الفئات الحضرمية الموالية للتحالف السعودي الإماراتي وللمجلس الانتقالي، وسبب ذلك أن هناك مشروعا سياسيا للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن يمضي بوقاحة دون الاعتبار لأي أخلاقيات أو مقتضيات التماسك المجتمعي والسياسي لبعض المحافظات اليمنية، خصوصا البعيدة منها عن مسرح العمليات العسكرية، أو تلك التي لها خصوصيات اجتماعية وسياسية وجغرافية معينة.
- تصعيد حوثي وانتقالي متزامن
في الوقت الذي اتخذت فيه مليشيات الحوثيين من المنشآت النفطية بمحافظة حضرموت مسرحا لتصعيدها ضد الحكومة الشرعية والمجلس الرئاسي لوقف إعادة تصدير النفط إلا بعد الاستجابة لمطالبها، فإن المجلس الانتقالي هو الآخر صعّد من خطابه العدائي ضد محافظة حضرموت، إذ هدد بطرد القوات الحكومية من وادي حضرموت ومن محافظة المهرة أيضا، وطالب باستكمال تعيين محافظين ومديرين لأمن المحافظات، وإعادة تشكيل وتفعيل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد والمجلس الاقتصادي الأعلى.
أيضا، دفع المجلس الانتقالي بلجنة موالية له في حضرموت للتصعيد ضد القوات الحكومية في المحافظة، تُدعى "لجنة مخرجات لقاء حضرموت العام"، والتي هددت هي الأخرى بما سمته "تحرير وادي وصحراء حضرموت"، أي التصعيد العسكري ضد القوات الحكومية المرابطة في المحافظة.
كما طالبت اللجنة، في بيان لها، الحكومة بدفع حصة حضرموت للدفعات السابقة من النفط، وعدم السماح بتصدير أي شحنات حتى سداد المخصصات الكاملة. وفي السياق ذاته، هددت ما تسمى الهيئة المحلية للمجلس الانتقالي في حضرموت بأن تحضيرات كبيرة تقوم بها مع بعض القوى بهدف التحرك ومباغتة قوات المنطقة العسكرية الأولى وطردها من وادي وصحراء حضرموت.
وفي 11 نوفمبر الجاري، هاجم المجلس الانتقالي الحكومة والمجلس الرئاسي، وهدد بالعودة لـ"الإدارة الذاتية" التي أعلنها في أبريل 2020، أي الحكم الذاتي في المناطق التي يسيطر عليها، والتي تراجع عنها بعد ضغوط من التحالف السعودي الإماراتي. وكان "الانتقالي" قد طالب، في أكتوبر الماضي، بإخراج القوات الحكومية من محافظة حضرموت والذهاب بها للقتال ضد الحوثيين، وهي مطالب سبق تكرارها كثيرا، لكن ازدادت وتيرتها خلال الأيام الأخيرة.
وعلى الجانب الآخر، لم يقف أبناء محافظة حضرموت موقف المتفرج من الخطاب التصعيدي ضدهم، فقد تعهد أكبر تكتل قبلي في المحافظة، وهو "حلف قبائل حضرموت"، بالدفاع عن المحافظة إزاء الأخطار المحدقة بها، داعيا إلى الكف عن أي تدخل تخريبي للنيل من تماسك النسيج الاجتماعي وزرع الفتن في محافظة حضرموت، وأكد رفضه تمثيل حضرموت من خارجها أو محاولة إقصائها وتهميشها.
وجدد الحلف مطالبه بإخراج جميع القوات العسكرية غير الحضرمية واستبدالها بقوات من أبناء المحافظة وإضافة تجنيد 40 ألف شخص، كما طالب بضرورة إصدار قرار رئاسي بتعيين قائد وأركان حرب وعمليات من أبناء حضرموت لكل من المنطقة العسكرية الأولى الحكومية ولواء بارشيد الموالي للمجلس الانتقالي.
- تمهيد للفوضى والاقتتال
يتضح من سياق الأحداث أن التحالف السعودي الإماراتي والمجلس الانتقالي يرون أن بقاء محافظة حضرموت على وضعها الحالي يمثل أمرا شاذا قياسا بما هو عليه الحال في بقية المحافظات الجنوبية والشرقية، وأن هذا الوضع بقدر ما يعزز وضع حضرموت الخاص في معادلة الصراع، ووضع ما بقي من هياكل للسلطة الشرعية، فإنه في نفس الوقت ينتقص من دور المجلس الانتقالي ومن شرعية سلطات الأمر الواقع (التابعة للانتقالي) في المحافظات الجنوبية والشرقية، أي أن محافظة حضرموت بوضعها الحالي تمثل حجر عثرة أمام مشروع الانفصال.
ولذلك فلا شك أن جميع الأطراف المعادية لمحافظة حضرموت ستعمل على كسرها بمختلف الوسائل، وما يغريهم بذلك هو سلمية أبناء المحافظة وعدم نزوعهم للعنف، ومحدودية انتشار السلاح في أوساط قبائل المحافظة، لكن هذا ليس عاملا حاسما، فحالة الغليان كفيلة بدفع الناس للخروج والمواجهة، وحالة السلم في بعض المحافظات لا تعني الاستسلام لغزو مليشيات من خارجها، وإنما هي حالة مؤقتة تزول بزوال ظروفها.
فحضرموت بسلميتها تشبه محافظة تعز، لكن عندما اندلعت الحرب كانت تعز من أوائل المحافظات التي انتفضت عسكريا ضد الحوثيين وطردتهم من معظم مناطق المحافظة، وكذلك محافظة حضرموت فإنها إذا انتفضت عسكريا ستقلب معادلة الصراع في المحافظات الجنوبية والشرقية بشكل عام، وستدفع كثيرا من الفئات في المحافظات الأخرى إلى كسر حاجز الخوف وخوض المواجهة الشاملة مع المليشيات المناطقية.
وبما أن الحضارم يرون في القوات الحكومية الموجودة في محافظتهم سندا لهم في حال اندلاع مواجهات عسكرية بين قبائل المحافظة ومليشيات انفصالية قادمة من خارجها، فإن المطالب تتركز الآن على إخراج تلك القوات من المحافظة لتسهل عملية السيطرة عليها.
بيد أن حلف قبائل حضرموت يطالب بتعيين قيادات لتلك القوات من أبناء المحافظة، وهي مطالب بقدر ما تعكس نزعة عنصرية، لكنها تعد عقلانية إذ تقتضيها الظروف الراهنة، غير أنه من المستحيل أن يستجيب المجلس الرئاسي لمثل تلك المطالب، فما هو حاصل الآن أن التحالف السعودي الإماراتي والمجلس الانتقالي يريدون إضعاف المجتمع الحضرمي وتجريده من وسائل القوة وليس تعزيز موقفه وتقويته بأن تصير قوات عسكرية تحت إمرته مباشرة.
ومن المتوقع أن التحالف السعودي الإماراتي يوجه المجلس الرئاسي بتعيين قيادات للقوات العسكرية في محافظة حضرموت تنتمي للمحافظة وبنفس الوقت موالية المجلس الانتقالي، وإذا رفضت تلك القوات مثل هكذا قرارات سيتم التعامل معها بأنها قوات متمردة على "السلطة الشرعية"، وسيهاجمها التحالف بالطيران الحربي أو بالطائرات المسيرة، وسيمهد بالتالي الطريق لمليشيات المجلس الانتقالي للسيطرة على المحافظة، وقد تدخل إليها قوات عسكرية إماراتية وسعودية بذرائع شتى، من بينها التصدي للتهديدات الحوثية التي تطال المنشآت النفطية، والتصدي لتنظيم القاعدة، وغير ذلك من المبررات.
- حضرموت أكبر من الانتقالي
لن تكون عملية سيطرة المجلس الانتقالي على محافظة حضرموت سهلة ويسيرة كما حصل من قبل في محافظات أخرى، حتى وإن أُجريت تغييرات في السلطة المحلية بعد تغيير محافظ المحافظة، أو تم تعيين قيادات جديدة من الانفصاليين للقوات الحكومية هناك، فمحافظة حضرموت أكبر من المجلس الانتقالي، وثقلها السياسي لا يمكن للمجلس الانتقالي (الفئوي المناطقي) تجاوزه بسهولة، ورمزيتها الاجتماعية والجغرافية من الصعب القفز عليها.
كما أن حالة الغليان ورفض الوضع القائم تسري في مختلف المحافظات الجنوبية والشرقية، وقد يحدث الانفجار الكبير بعد محاولات استكمال السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، لأنه حينها لن تكون هناك مساحة للأمل والتعويل على حدوث متغيرات إيجابية لدى المكونات الرافضة للمجلس الانتقالي ومشاريع التفتيت والتمزيق.
وإذا تأجلت الحرب الشاملة في المحافظات الجنوبية والشرقية حاليا، فإنها ستندلع حتما فور لحظة الإعلان عن الانفصال في حال حصل ذلك، وستشترك حينها قوى وطنية وحدوية من شمال البلاد وجنوبها ضد الانفصاليين، أو قد تعلن محافظتا حضرموت والمهرة الانفصال بمفردهما، وستندلع على إثر ذلك مواجهات دامية ستمتد شرارتها إلى جميع المحافظات الجنوبية والشرقية، وسيحدث كل ذلك نتيجة لمشاريع التفتيت والتخريب التي يغذيها التحالف في اليمن.



