تقارير
دعم التحالف لانفصال جنوب اليمن.. خطوات مرحلية متكاملة

مع اقتراب الحرب في اليمن من دخول عامها الثامن، يكون مشروع انفصال جنوب اليمن قد تقدّم خطوات كثيرة، نتيجة للدعم غير المحدود الذي تقدّمه الإمارات والسعودية، بصرف النظر عن العقبات الكثيرة التي تواجه ذلك المشروع، لعلّ أهمها الممانعة الشعبية التي تحول دون ذلك، والعقبات القانونية، وما قد يثيره مشروع الانفصال في حال تحقيقه من تداعيات محلية وإقليمية كبيرة، وربما يدفع بتشكل تحالفات جديدة تعيد صياغة الخريطة السياسية للبلاد، وبالتالي تأسيس قواعد جديدة للصراع قد تكون إدارتها صعبة بالنسبة للسعودية والإمارات.
- حال مطالب الانفصال قبل الحرب
ظهر ما يسمى "الحراك الجنوبي السلمي"، في الربع الأول من العام 2007، بدعوة من جمعيات المتقاعدين الجنوبيين من مدنيين وعسكريين الذين تم إقصاؤهم على خلفية حرب صيف 1994 الأهلية، وكانت مطالب الحراك في بدايتها حقوقية بحتة، تنحصر في إعادة المتقاعدين أو المقاعدين المدنيين والعسكريين الجنوبيين إلى وظائفهم، وصرف تعويضات مقابل سنوات التقاعد، غير أن عدم تجاوب نظام علي عبد الله صالح مع تلك المطالب دفع بجمعيات المتقاعدين إلى حرف المطالب الحقوقية إلى مطالب سياسية، تتمثل بالدعوة إلى الانفصال.
وعندما واجه نظام علي صالح تلك المطالب بتشكيل ما سماها "جمعيات الدفاع عن الوحدة" لقمع متظاهري الحراك الجنوبي، بدأ المال السياسي يتدفق من أطراف خارجية إلى قيادات الحراك، وتشكّلت فصائل عدّة متنازعة فيما بينها على أحقية تمثيل الحراك الجنوبي، وتشكّل معظمها وفقا لهويات مناطقية أو قبلية، واستمر حضور الحراك الجنوبي يكتسب زخما شعبيا لمدة محدودة، قبل أن بدأ نشاطه يتلاشى تدريجيا بالتزامن مع ثورات الربيع العربي، وتشكّلت ساحات للاعتصام -ضمن ثورة 11 فبراير 2011- في مدينة عدن ومدن جنوبية أخرى بشكل دائم ومغاير لنشاط الحراك الجنوبي الذي كان مجرد تظاهرات شبه يومية ثم صارت شبه موسمية، مثل المهرجان السنوي لما يسمى "التصالح والتسامح" في ذكرى أحداث 13 يناير 1986، والاحتفال بثورة 14 أكتوبر 1963.
وبعد التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وانتقال رئاسة البلاد من علي عبد الله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، المنحدر من محافظة أبين الجنوبية، وتعيين عدد من قيادات الحراك الجنوبي في مناصب حكومية مهمّة خلال الفترة الانتقالية وحكومة الوفاق الوطني، ثم النقاش المستفيض حول القضية الجنوبية، وسُبل حلّها في مؤتمر الحوار الوطني، استمر الحراك الجنوبي (الانفصالي) في التلاشي تدريجيا، ولم يعد له من نشاط احتجاجي في الشارع سوى مظاهرات محدودة العدد، ربّما لانتفاء الحاجة، لذلك بعد أن بدا أن البلاد على أعتاب مرحلة جديدة ستطوي عهد نظام حكم علي صالح المتهم بالوقوف وراء مظالم الجنوبيين، وتهميش المحافظات الجنوبية من التنمية، وتغييب أبناء الجنوب من المشاركة الواسعة في السلطة.
وفي أعقاب الأزمة السياسية، التي اشتدت وتيرتها خلال المرحلة الانتقالية، وانقلاب الحوثيين وحلفائهم على السلطة الشرعية، واندلاع عملية "عاصفة الحزم"، كانت مطالب انفصال جنوب اليمن قد تراجعت وتلاشت بشكل شبه تام، غير أن تدخل السعودية والإمارات عسكريا في اليمن، في مارس 2015، كان بمنزلة مرحلة جديدة لمشروع انفصال جنوب اليمن بدعم مكشوف لا تخفيه مزاعم مسؤولين سعوديين وإماراتيين حرص دولتيهما على الوحدة اليمنية، فالأفعال على الأرض تؤكد أن الدولتين تدعمان مشروع الانفصال بشكل مرحلي ومدروس، ومحاولة ترسيخه تدريجيا من خلال حرق المراحل في صراعات وحروب أهلية طويلة الأمد.
- خطوات التحالف لتحقيق الانفصال
أنعشت الإمارات والسعودية مشروع انفصال جنوب اليمن، وتمكنتا من إعادته إلى واجهة الأحداث من خلال العديد من الخطوات المرحلية والمدروسة، بدءا بتشكيل مليشيا انفصالية ودعمها بالمال والسلاح الحديث والنوعي، وانتهاءً بما يسمى "الدبلوماسية الموازية" أو "الدبلوماسية التأسيسية"، لأجل التمكين لمشروع الانفصال من كل الجوانب، ويمكن إيجاز ذلك في ما يلي:
• تشكيل مليشيا انفصالية: لم يكن لما يسمى الحراك الجنوبي الانفصالي أي تشكيلات مسلحة أو مليشيا قبل التدخل العسكري السعودي والإماراتي في اليمن، وبدأ تشكيل تلك المليشيا (المسماة أحزمة أمنية ونخب بهويات مناطقية ضيقة) بعد طرد الحوثيين من العاصمة المؤقتة عدن، وغيرها من المدن الجنوبية التي كانوا يتواجدون فيها، وتنامى دور المليشيا الانفصالية منذ ذلك الحين وحتى اليوم، بغطاء من الإمارات والسعودية، وصارت تهيمن على المشهد العسكري والأمني (والسياسي بالتبعية) في مدينة عدن ومدن جنوبية أخرى، مقابل تفكيك وتهميش قوات الأمن والجيش السابقة.
• اغتيال معارضي الانفصال: شكّلت الاغتيالات السياسية واحدة من أسوأ الظواهر الطارئة على هامش الأزمة اليمنية، وبرزت كرديف للنفوذ الإماراتي والسعودي المتنامي في بعض محافظات أو مدن جنوبي وشرقي البلاد، وطالت تلك الاغتيالات أبرز القيادات السياسية والحزبية وعلماء الدين والأكاديميين، وغيرهم ممن يشكّل حضورهم في الفضاء العام حصانة للوحدة الوطنية أو عرفوا بمواقفهم الرافضة لمشروع الانفصال وللدور الإماراتي والسعودي التخريبي في جنوبي البلاد والمتعدي على السيادة الوطنية.
• إبعاد السلطة الشرعية: كان لإبعاد السلطة الشرعية من العاصمة المؤقتة عدن، ومن المحافظات المحررة بشكل عام، دور كبير وفعّال في خلق فجوة بينها وبين المجتمع، وصناعة فراغ سياسي وأمني وعسكري لتملؤه المليشيا الانفصالية، كما أن الانهيار الاقتصادي والأزمة المعيشية وتغييب السلطة الشرعية عن أداء وظائفها الخدمية من شأنه تأليب الرأي العام ضدها، وإظهارها بمظهر العاجز والفاشل، لكي يوجّه المواطنون آمالهم نحو مشروع الانفصال والتعويل عليه لإحداث انتعاش اقتصادي ونهضة تنموية، بعد أن يترسّخ اليأس من إمكانية تحقيق السلطة الشرعية لذلك.
• الدعم المادي والإعلامي: يتلقّى مشروع الانفصال دعما ماديا وإعلاميا كبيرا من السعودية والإمارات، فهناك ثراء مفاجئ ظهر به قادة مشروع الانفصال الذين نصّبتهم الإمارات، وانتظام رواتب أفراد المليشيا الانفصالية، وإنشاء قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وصحف خاصة بالانفصاليين ومتحدثة باسمهم، وتمارس الدعاية السوداء ضد السلطة الشرعية وحلفائها والقوى والكيانات والشخصيات الوحدوية وشيطنتها، وإفراد مساحات كبيرة في وسائل إعلام سعودية وإماراتية للمتحدثين باسم ما يسمى "المجلس الانتقالي" لممارسة الدعاية السوداء نفسها، وتسويق الاتهامات الكاذبة ضد الأطراف الوحدوية، ولفت أنظار الخارج إلى مشروع الانفصال لأجل دعمه والاعتراف به.
• اتفاق الرياض وشرعنة الانفصال: لم يكن اتفاق الرياض، وما تحقق منه حتى الآن، سوى محطة كبيرة أعدتها الإمارات والسعودية بإتقان لنقل مشروع الانفصال إلى مرحلة متقدّمة، من خلال مشاركة المجلس الانتقالي في السلطة الشرعية لمنحه صفة "الشرعية"، وبالتالي شرعنة كل خطواته اللاحقه للمضي في مشروع الانفصال، وترسيخ سيطرته العسكرية والأمنية، وتمددها تدريجيا إلى محافظات أخرى، واختلاق أحداث وألاعيب يتخللها ضغوط على رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي لإبعاد الشخصيات الوحدوية من المناصب الكبيرة، ومنحها لشخصيات موالية للإمارات وتخدم مشروع الانفصال، مثل تغيير محافظ محافظة شبوة، محمد صالح بن عديو، وقبل ذلك إبعاد محافظ محافظة أرخبيل سقطرى بعد سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي على الأرخبيل برعاية إماراتية وتواطؤ سعودي.
• الدبلوماسية الموازية أو التأسيسية: بعد استكمال دعم مشروع الانفصال سياسيا وعسكريا وماديا وإعلاميا، وبدء الانفصاليين في قضم الأرض تدريجيا، فإن الدبلوماسية الموازية أو التأسيسية تعد الخطوة الأخيرة التي مهّدت لها السعودية والإمارات لدعم ذلك المشروع، من خلال الترتيب للقاءات بين قيادات في المجلس الانتقالي ودبلوماسيين ومسؤولين أجانب في الرياض وأبو ظبي، وتعيين متحدثين باسم الانفصال في دول غربية، ليتمكّن من يقودون مشروع الانفصال من عرض مشروعهم والانخراط في السياسة الدولية، بحثا عن الدعم والاعتراف بهم، والغريب أن السلطة الشرعية لم يصدر منها أي اعتراض قوي وملموس على دعم التحالف لمشاريع تمزيق البلاد، وجرها إلى حروب وصراعات أهلية جديدة، مما ينذر بسيناريوهات كارثية سيطال خطرها الجميع.



