تقارير
رؤى الغابري .. كفيفة انتزعت التفوق من أيادي المبصرين

قناة بلقيس - حسان محمد
"لم تتعرّف على العالم الخارجي منذ ولادتها، لكنها تستطيع أن تشق طريقها، وترسم ملامح مستقبلها بعزيمة وإصرار، وتنافس المُبصرين، ولا تستسلم لليأس والإحباط أو قيود الجسد مهما كانت الصعوبات"، تلك هي رؤى عادل الغابري، الطفلة التي فقدت بصرها في الشهور الأولى لولادتها نتيجة خطأ وإهمال طبي، دفعت ثمنه بقية حياتها.
ولدت الغابري في الشهر السابع من الحمل، مما اضطرها إلى البقاء في الحاضنة تحت الرعاية الطبية شهرا ونصف، إلا أنها خلال هذه الفترة فقدت بصرها بسبب برودة الحاضنة، التي أدت إلى انفصال شبكية العين اليمنى بنسبة 100%، و95% بشبكية العين اليسرى.
التغلب على الإعاقة
أُصيب والدا رؤى بفاجعة، عندما عرفا أنها فقدت نظرها، وأحسا بالخوف على مستقبلها، لكنها استطاعت أن تثبت لهما، منذ طفولتها الأولى، أنها قادرة على تخطي مشكلتها، ومواجهة الحياة بعزيمة لا تلين، وتجعلهما يفخران بها وبإنجازاتها وتفوقها، حتى نسيا أنها كفيفة.
بعد رحلة دراسية، برهنت فيها رؤى على تفوقها منذ الصفوف الأولى، تقف حالياً متربّعة على قائمة أوائل الجمهورية في القسم الأدبي للعام الدراسي 2019 – 2020، بحصولها على الترتيب الثالث، بمعدل 90%.
منذ مرحلة "الروضة" التحقت الغابري ب"معهد الشيخ فضل الحلالي للمكفوفين"، حتى الصف الخامس من المرحلة الأساسية، وتعلمت فيه كثيراً من المعارف والخبرات، والتأهيل النفسي والمعنوي، لتتمكن من الاندماج مع المحيط الخارجي، والانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً، وعالماً أوسع يجب أن تعتمد فيه على نفسها.
وشعرت الغابري بالخوف والقلق، عندما انتقلت من مجتمع صغير للمكفوفين إلى مدارس حكومية، فيها أعداد كبيرة من الطالبات المُبصرات، وأحست بالضّيق من تصرّفات وأسئلة بعض الطالبات، بيد أن شخصيتها صارت أقوى، وتمكّنت من فرض نفسها، وساعدتها شخصيتها الاجتماعية على تكوين الصداقات، والاندماج بشكل أسرع مع الآخرين، بحسب رؤى الغابري.
تؤكد الغابري أن الاندماج في المجتمع كان أكبر المشاكل، التي تواجهها عند الانتقال إلى المدارس الحكومية، علاوةً على الانتقال إلى المدرسة الذي تغلّبت عليه بمساعدة شقيقتها، وصعوبة دراسة مادة الرياضيات.
الدعم والمساندة
جمعية "الأمان" للرعاية الكفيفات، التي التحقت بها رؤى في عامها السادس، لها بصمات واضحة عليها، ودعمتها في كل مراحل وتفاصيل حياتها، ووفّرت لها المستلزمات الدراسية، والكُتب الدراسية بطريقة "برايل"، بالإضافة إلى المتابعة في المدرسة، وتذليل أي صعوبات تواجهها.
تقول رؤى لـ"بلقيس": "جمعية الأمان قدمت لي دعماً غير محدود، يجعلني أعجز عن شكرها، ولولا مساندتها لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن".
وليست الغابري إلا واحدة من 261 طالبة كفيفة، عملت جمعية "الأمان" لرعاية الكفيفات على إدماجهن في 96 مدرسة حكومية، تتوزّع على 11 محافظة، خلال العام الدراسي الحالي، منهن: 155 طالبة في أمانة العاصمة، و106 طالبات في بقية المحافظات، بالإضافة إلى 67 طالبة جامعية، ونحو 157 طالبة تخرجن من الجامعة في السنوات الماضية، كما قدمت الرعاية والتعليم لأكثر من ألف و800 طالبة، منذ بدء عملية الدمج في العام 1997، لأربع طالبات في مدرستين حكوميتين.
ومثلت الأسرة الدعم والسند الكبير للغابري، فلم تجعلها تشعر يوماً بالعجز أو أنها كفيفة، وتعاملت معها كفتاة طبيعية، تقول والدة رؤى: "لم أحسّ أنها كفيفة إلا عندما حازت على الترتيب الثالث من أوائل الجمهورية، وحصلت على التكريم".
ثمرة النجاح
ولم يكن من السهل على الغابري التفوق على المُبصرين، لولا اجتهادها ومثابرتها على الدراسة والمذاكرة التي أعطتها جزءاً كبيراً من وقتها خلال العام الدراسي، وتفرّغت لها طوال الوقت قبل بدء الامتحانات، وتوقّعت الحصول على معدل أكبر مما نالت.
وتسعى رؤى حالياً إلى دراسة "التوفل"، والالتحاق بدورات تأهيلية في التنمية البشرية والحاسوب، وتطمح إلى أن تحصل على منحة للدراسة في الخارج، وتصير عضوةً فاعلةً في المجتمع، وترد الجميل لكل من ساندها، وتقدّم المساعدة لكل الناس، وخاصة الكفيفات، التي تتمنّى أن يحققن أحلامهن، ويصلن إلى أهدافهن.
وتنصح الكفيفات بالتسلّح بالإرادة والعزيمة وعدم الاستسلام، وتخطّي كل العقبات التي تقف في طريقهن، وعدم السماع للآراء السلبية، ومن يسعى إلى تثبيط هممهن.



