تقارير
سوق البليلي.. رمزية المكان والشهرة في مواجهة طواحين الكساد
منذ أشعة الفجر الأولى، تدب الحياة في سوق الأسماك الأكثر شهرة، والأكبر في أمانة العاصمة، ويبدأ كبار التجار، وأصحاب المحلات والبسطات، باستقبال يومهم الجديد بعرض منتجات الأسماك، التي تصل بالشاحنات، الليلة الماضية، من سواحل محافظة الحديدة والمحافظات الجنوبية.
كل صباح يتوافد العشرات من أصحاب محلات بيع السمك، المنتشرين في أرجاء العاصمة صنعاء، وحتى بعض التجار من محافظتي ذمار وعمران بمركباتهم إلى سوق البليلي، جنوب غرب مدينة صنعاء القديمة، للشراء بالجملة؛ قبل أن تنفد الأسماك الطازجة، التي تعد مصدر رزق للكثير من الأسر.
وما أن تنتهي فترة البيع بالجملة، التي قد تمتد إلى الساعة التاسعة صباحا، حتى تبدأ حركة ونشاط تجار التجزئة، التي ترتفع وتيرتها تدريجيا، حتى تصل إلى ذروتها قبيل الظهر.
سوق البليلي للتجزئة يتكون من قسمين، الأول عبارة عن محلات تجارية، تعرض عشرات من أنواع السمك والجمبري، تتوسطه ساحة صغيرة فارغة تكتظ عادة بزبائن السوق القادمين والمغادرين، والثاني (الداخلي) هو عبارة عن بسطات، تعرض فيه الأسماك الأقل جودة والأقل سعرا، يسميه البعض بـ"الحراج"، كما تحيط به العديد من المطاعم الخاصة بشواء وطبخ السمك.
- ملتقى الأصدقاء
منذ عقود من الزمن، اكتسب سوق البليلي للأسماك رمزيته، وشهرته الكبيرة، وصار مزارا، ومقصدا لعدد كبير من الناس الذين يترددون عليه يوميا، وملتقى لإقامة عزومات الأصدقاء الراغبين في تناول السمك.
ما يزال عصام السوائي يتردد على السوق في فترات متباعدة، لشراء السمك للعائلة، بعد أن كان، في سنوات سبقت الحرب، يتردد على السوق برفقة زملائه مرارا بعد الخروج من العمل، أو خلال العطلات، وأيام الفراغ.

يؤكد السوائي - في حديثه لـ"بلقيس"- أن الظروف المعيشية، التي نتجت عن الحرب، جعلت وتيرة إقبال الناس على السوق تقل، ويتقلص الطلب على شراء السمك، حيث يهتم الناس بشراء الاحتياجات الأساسية، ولم يعد بمقدور الكثير شراء السمك واللحوم.
يتفق معه بائع السمك، عبده سليمان، حيث يوضح أن مستوى الإقبال يتناقص سنويا، وكذلك حجم المبالغ التي ينفقها الناس على شراء السمك، بسبب ضعف القدرة الشرائية لديهم.
- "الباغة" تتصدر القائمة
تصل إلى سوق البليلي كل ليلة عشرات الأطنان من السمك، وأصناف كثيرة ومتنوعة، وعلى الرغم من مستوى الإقبال ما يزال في المستوى المقبول، إذا ما قورن بالوضع المادي للناس، إلا أن باعة الأسماك في السوق يشكون من ركود اقتصادي كبير، وكساد تضاعف هذا العام.
العرض الكبير نسبيا للأسماك، الذي يقابله ضعف في الطلب، جعل أسعار الأسماك تنخفض إلى مستويات قياسية في صنعاء، على الرغم من بُعدها على المناطق الساحلية، وارتفاع أسعار النقل، مما أغرى حمدي المشولي في التردد لشراء بعض الأسماك الرخيصة، بشكل شبه يومي.
يقول المشولي لـ"بلقيس": "بحكم قرب مسكني من السوق، أتردد على السوق بشكل متقطع، لشراء أسماك الباغة (السردين) التي يباع الأربعة الكيلو منها بألف ريال فقط، أما الأنواع الأخرى فلا استطيع شراءها على الرغم من أن أسعارها مناسبة".
وبحسب عبده سليمان، فإن انخفاض أسعار السمك يرجع، بعد تدهور أوضاع الناس المعيشية، إلى أن لكل نوع من السمك موسم يتكاثر فيه، ويكون الإنتاج فيه وفيرا، فيما يشح في شهور أخرى.
ويرى سليمان أنه من الملاحظ أن إقبال الناس، خلال سنوات، زاد على أسماك "الباغة"، بسبب رخص ثمنها، الذي جعلها في متناول الجميع، إلا أنه يؤكد أنه على الرغم من أن سعر الكيلو في السوق المركزي يتراوح بين 250 ريالا و300 ريال، لكنه يباع في محلات ومطاعم السمك بـ1000 ريال على الأقل.
- رغبة ممنوعة
على بُعد مسافة ليست بالقصيرة من السوق، تواجه رائحة السمك زوّار السوق، لتوصله إلى المكان، الذي لا تخطئه الأنف، الذي لا يمكن لشخص زار سوق البليلي، وتذوق الغداء من سمكه، ألا يحن إليه مرة أخرى، لكنها الظروف، التي حبست الكثيرين، وجعلت الوصول إليه رغبة ممنوعة، وحلما بعيدا المنال، بحسب المشولي.
ويعتقد المشولي أنه "لا مجال للشك بأن سوق البليلي سوف يستطيع الصمود في وجه الكساد والركود، الذي يعاني منه في الوقت الحالي، وسيستعيد مكانته وألقه كما كان في السابق، عندما تستعيد البلاد عافيتها".