تقارير
شجاع عمر .. شاعر وباحث يتضور جوعاً مع أسرته!!

قناة بلقيس - هشام سرحان
"أنا وأسرتي على وشك الموت جوعاً".. بهذه المقولة المكتظة بالألم والحزن والدّموع والعجز عن توفير لقمة العيش، وتأمين القوت الضروري، يلخص الشاعر والكاتب والروائي والباحث في التراث والقصص الشعبي وصاحب أكثر من 20 مؤلَفاً، شجاع عمر (47 عاماً)، لموقع 'بلقيس' مأساته ومعاناته مع أسرة طالها الفقر والجوع وضيق الحال، وأحدقت بها الحسرة وقسوة الظروف ومرارة الحياة وشدة الحاجة وسوء الوضع، والحرمان اللا متناهي من الغذاء والدواء والفراش والملابس والتعليم وكافة متطلبات الحياة، نتيجة انقطاع راتبه منذ اندلاع الحرب في العام 2015.
يصحو عمر مع ثلاثة من أفراد أسرته في صباحات هذه الأيام، فلا يجدون وجبة إفطار، ولو متواضعة، ناهيك عن غيرها من الوجبات في مدينة تعز، المعروفة بعاصمة البلاد الثقافية، التي يعيشون فيها عذابات لا متناهية، يئِن فيها هذا الشاعر من جوعه، وهول مصابه، وثقل المسؤولية المُلقاة على عاتقه، وتراكم الدّيون عليه، والهموم التي تحدق به، في ظل غلاء المعيشة والأسعار، وارتفاع الإيجارات، وجفاف مصادر الدخل، وندرة الأعمال والمساعدات.
يخاف من المجهول، فالموت جوعاً أقل ثمنا قد يدفعه المثقف في بلد مثل اليمن، التي أفنى فيها قرابة 16 عاماً من عمره في العمل كموظف حكومي لدى مركز 'التراث والتنمية الثقافية'، منذ التحاقه به في العام 2005، وذلك عقب لقاء جمعه في صنعاء بوزير الثقافة الأسبق، الدكتور خالد الرويشان، الذي كان من أشد المعجبين بأعمال عمر، الذي عمل فور التحاقه بالوظيفة العامة موظفاً عادياً في إدارة الحسابات، واستمر في ذلك إلى أن نُشرت له ستة دواوين شعرية، تفرّغ -على إثرها- للعمل الثقافي، ثم البحثي، وقيادة مشروع 'جمع التراث وتدوينه' بشكل أدبي جديد.
يقف اليوم عشرات الموظفين في مركز التراث مع أسرهم على حافة العوز، والفاقة، والتشرد، والحرمان، وسوء الأوضاع المادية، والمعيشية، والإنسانية، والصحية، نتيجة توقف مرتباتهم، جراء الحرب التي دفعت بالكثيرين من المثقفين اليمنيين إلى سحيق الشقاء والعجز عن إطعام أطفالهم وتعليمهم وتوفير الكساء والدّواء لهم.
* مفترق الفقر والإبداع
الشاعر المتصوّف في قصائده، وغزير الإنتاج والإبداع، والمفعم بالتنوّع (عمر)، وُلد في صنعاء العام 1974، ولازمته المعانات والحرمان في طفولته وفتوّته، حيث التحق بالجامعة، لكن قسوة الظروف حالت دون تحقيق حلمه ومواصلة التعليم الجامعي، لشدة فقره، وانحداره من أسرة فقيرة، لم تستطع مساندته والتخفيف من معاناته، التي أيقظت في نفسه شجناً كبيراً للشعر، ومقارعة الحروف، آملاً في أن ينقذه ذلك من واقعه المأساوي.
طرقت مؤلفاته الكثيرة أبواب الشعر والرواية والتاريخ والتراث والقصص الشعبي والبحوث، ولم تنل حظها من الرعاية والاهتمام، إذ لم يرَ معظمها النور، وظلت طيلة سنوات حبيسة مسودات وأوراق بالية، تنتظر التفاتة رسمية أو مجتمعية، لطبعها وإخراجها إلى حيّز الوجود، لكن دون جدوى.
حلّق بقصيده في فضاءات الحبّ والحكمة والحماسة والوطن، ومرّ بدهاليز العمل الروائي، ولم تتوقفْ إبداعاته عند هذا الحد، إذ كتب الكثير في التراث، وأولاه جلّ وقته واهتمامه منذ إطلاق وزارة الثقافة مشروع 'إحياء التراث'، الذي لم يدمْ طويلاً.
صدر للكاتب كلٌ من ديوان "حنين الفراشة" و"صديق لشطر سماء" و"على مقهى النساء" و"للبحر قصة وحيدة"، و"هكذا غنى العصفور"، إلى جانب كتاب "رباعيات الحب"، الذي يتضمّن نصوصا نثرية ورسائل في الحبّ، فيما لم تطبعْ له منذ ثماني سنوات مؤلفات أخرى، بينها ثلاث روايات، هي: "الجرجوف" و"وريقة الحنا" و"عدنان ذو الزبر"، إلى جانب "حديث الجدات"، وهو كتاب في الأساطير الشعبية، وعدة دواوين شعرية، أهمها "نونيات إلياس" و"ميميات الحمد" و"ليلى النونية".
في الرّمق الأخير
صيحته التي أطلقها اليوم عبر موقع "بلقيس"، لإنقاذه من الموت جوعاً مع أسرته، ليست الأولى، إذ سبق له أن أطلق مناشدات كثيرة، ونفذ وقفات احتجاجية إنفرادية في "ساحة الحقوق والحُريات" بشارع جمال وسط المدينة، كما شارك في عدّة فعاليات احتجاجية، نظّمها موظفون للمطالبة برواتبهم، ورفع فيها لافتات، وردد شعارات لم تلقَ أي صدًى أو تجاوبا من الحكومة الشرعية، أو السلطات المحلية، ومكتب الثقافة في المحافظة.
يقول شجاع عمر: "راتبي منقطع منذ خمس سنوات، وأنا وحيد، وعيشي شديد في زمن عنيد، يقتات فيه الحرمان من أيامنا، ويذيقنا مُر الحياة، وضنكها، وضيمها، وجوعها".
ويضيف: "أعيش مع أسرتي مأساة حقيقية، وتشتد معاناتنا يوماً بعد آخر، وأقسم بالله أننا على وشك الموت جوعاً، فقد أوصدت أمامي جميع الأبواب، وغرقت بديون كثيرة، لا أستطيع سدادها في ظل عجزي عن إيجاد عمل يمكنني من سد رمقي مع أسرتي".
استيقظ مع أطفاله، الخميس الماضي، في منزل متواضع وخالٍ من الطعام وأبسط مقوّمات العيش، فتملكته الحسْرة، وهو يتطلّع في وجوه أفراد عائلته التي تتضوّر جوعاً، ولم تجد ما تأكله في صباحها المشؤوم ذاك، لتغرق في وحل تفكيرها وعجزها عن تدبير وجبتي الغداء والعشاء أيضاً، كما يؤكد عمر.
يتلفت هذا المؤلف الضليع يمْنة ويسْرة، فيجد نفسه حائراً ومحبطاً ومجرداً من كل شيء، حتى الأمل أضحى -بالنسبة له- حلماً بعيد المنال.
ويذكر "كان لديّ أمل أن ينقل وزير الثقافة السابق مروان دماج راتبي ومستحقاتي إلى الصندوق في عدن، لكنه لم يفعلْ ذلك، وتجاهل الأمر برمَّته".
لقد مرّ بسنوات عجاف، باع فيها ممتلكاته وذهب زوجته، ومكتبته التي حوت أمهات الكتب والمراجع والمجلدات القيّمة، كما رهن مخطوطاته بمبالغ زهيدة، وهو اليوم يبحث عن مشترٍ لآخر شيء يملكه، وهو مجموعة "لسان العرب" المكونة من 15 مجلداً، وتحمل رائحة وذكرى والدته المتوفية في السعودية، التي أرسلت له منها هذه الكُتب قُبيل 33 عاماً.
إنه مُجبر على بيع هدية والدته الثمينة، بعد أن ألقت الأيام عليه بثقل كلكلها، وأناخت على صدره بجبال من الهموم، وتركت في نفسه حسرة وغصة تخنقه، كلما رأى حال أطفاله الجوعى والحفاة والعراة والمتعبين، ليتأرجح بين وجعين وخيارين، أحلاهما مُر، ويوضح: "صرت مضطراً لبيع آخر ما لديّ من مجلدات، أهدتها لي أمي قبل ثلاثة عقود، وذلك من أجل إطعام أولادي".
* قبل فوات الأوان
منهك ومغبر وبائس وحزين وكالح الملامح، يتلوى بالأفكار، وكثرة التساءولات، حول مصيره مع أسرته التي تتضور جوعاً، وتكتوي بنار الاحتياج لأبسط متطلبات البقاء على قيد التعاسة والحاجة لكسرة خبز، تشبع بها جوعها، وتلطف من إحساس "عمر" بالهزيمة، وكمده الذي يكوي أعماقه بصمت، لا تعبّر عنه سوى بقع سوداء، ترتسم على وجنتيه ومحياه، الذي بارحته الابتسامة منذ سنين.
ضاقت به دنياه مؤخراً، ونفد صبره، وفقد القدرة على الاحتمال، في الوقت الذي استنفد فيه كل الوسائل للتعبير عن معاناته، ولكن دون جدوى، ما دفعه أخيراً إلى إحراق النسخ التي يحتفظ بها لمطبوعاته، وبعض المسودات التي لم تجد طريقها للنشر، وذلك تعبيرا عن خطورة الوضع الذي وصل إليه مع عائلته الصغيرة، وتنديدا بالتخاذل والتجاهل الرسمي والمجتمعي لمأساتهم.
يوضح وبمضض: "أحرقت نسخا من كتبي الستة المطبوعة، وأبحاثا ومقالات ومسودات لكتب لم تنشر بعد"، مضيفاً: "أحرقت جزءاً منها في إحدى الفعاليات الاحتجاجية، ثم قام البعض بإطفائها، فجمعتها من جديد، وأحرقتها، احتجاجاً على سوء أحوالي مع أسرتي".
يطلق اليوم نداءً قد يكون الأخير، ويناشد الجميع باسم الإنسانية والأخوّة والضمير، للالتفات إليه، ومساعدته في إيجاد عمل يمنحه البقاء مع أسرته، ويمكّنه من تجاوز معظلة راتبه المنقطع، كما ينقذهم من الموت جوعاً.



