تقارير
صناعة الفراغ.. إلى أين تقود السعودية اليمن؟

في السياسة، يتمثل الفراغ في انهيار نظام، أو تراجع دور، أو انسحاب كبير، والأخطر في الأمر يكمن في من سيملأ هذا الفراغ. والمتأمل في حالة السيولة السياسية، التي تشهدها منطقة المشرق العربي تحديدا، سيجد أن السعودية تكاد أن تكون الدولة الوحيدة التي تعمل على صناعة الفراغ في محيطها الإقليمي، ثم تنسحب تاركة المجال لقوى إقليمية أخرى منافسة لها تتولى ملء ذلك الفراغ، مما يضر بأمنها وأمن حلفائها، دون قدرة على استعادة زمام المبادرة وتوجيه مسار الأحداث لتلافي الأخطاء وتجنّب المزيد من الخسائر وملء الفراغ في مناطق الصراعات.
وتمثل الحالة اليمنية محطة جديدة في مسار صناعة الفراغ الذي تنتهجه السعودية، وقد يتبع ذلك صناعة الفراغ في دول أخرى مستقبلا، كانعكاس لفشل السعودية السياسي والعسكري، فمنذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم"، ظلت السعودية وحليفتها (دولة الإمارات) تعملان على صناعة الفراغ في اليمن، من خلال إضعاف السلطة اليمنية الشرعية، وعدم دعم الجيش الوطني بما يمكّنه من حسم المعركة، وإنهاك السلطة الشرعية من خلال تشكيل ودعم وتدريب وتسليح مليشيات مناطقية بدائية مناهضة لها وليس لها عداوة أو احتكاك مباشر بمليشيات الحوثيين.
وبعد سنوات من صناعة الفراغ في اليمن، ها هي السعودية تسعى إلى مصالحة هشّة مع إيران ومليشياتها، تاركة الفراغ الذي صنعته في اليمن لتملأه إيران ومليشيات الحوثي، مما سيؤدي إلى بروز تفاعلات معقّدة على إثر ذلك، ودخول البلاد مرحلة جديدة من الحرب ضد الحوثيين والنفوذ الإيراني في اليمن حتى الحسم العسكري.
- فراغ الحديقة الخلفية
رغم أن السعودية تعد أكثر دولة أجنبية على اطلاع ومعرفة بأزمات اليمن وتعقيداتها وانعكاساتها عليها خلال مراحل تاريخية مختلفة، إلا أنها ظلت تتعامل مع اليمن بأسلوب تآمري بهدف إنهاكه وجعله في حالة من الضعف والفقر، غير آبهة بتداعيات ذلك على أمنها القومي، خصوصا أن اليمن يعد "حديقة خلفية" للمملكة، وحالة "فراغ القوة" التي تسعى المملكة لترسيخها في جارتها الجنوبية ستؤثر على كلا البلدين، خصوصا أن الصراعات الطائفية في المنطقة لن تُحسم في القريب العاجل، وهي مفتوحة على كافة الاحتمالات، وتمدد النفوذ الإيراني في بعض البلدان العربية لا يعكس قوّة إيران وضعف العرب، وإنما يعكس تمزّق العرب مقابل إدارة إيران المركزية للمعارك والتفاف الطوائف الشيعية حول طهران ومشروعها التوسعي والتخريبي في المنطقة.
وإذا كانت مشكلة أي دولة تبدأ من الداخل، فإن حالة الفراغ في اليمن لم تكن في جوهرها من الداخل، وما حدث أن البلاد تعرّضت لضغط عنيف بعد تحالف الرئيس السابق علي صالح مع الحوثيين الذين سلّمهم كل إمكانيات الدولة، فحصل ما يمكن وصفه بـ"الفراغ المرتبك"، والمؤسف أن التدخل العسكري السعودي- الإماراتي بذريعة دعم السلطة اليمنية الشرعية، عمل على النّفخ في ذلك الفراغ من خلال الحيلولة دون الحسم العسكري للمعركة في بدايتها، وفي الوقت نفسه إنهاك السلطة الشرعية وخلق المتاعب أمامها وإبعادها من البلاد وإعادة هيكلتها بشخصيات فاسدة، وشيطنة الأحزاب السياسية وتهميشها ومحاصرة شعبيتها لتحل مكانها المليشيات المختلفة.
وبعد سنوات من صناعة الفراغ في اليمن، ها هي السعودية تبدأ التخلّي التدريجي عن جارتها الجنوبية، وتسعى لمصالحة هشّة مع إيران، قد تفضي -في حال تمت- إلى ترك اليمن في حالة فراغ والتسليم لإيران ومليشياتها بإملائه، وهو ما سيواجهه اليمنيون بأسلوب مختلف ومعركة تختلف عن المعركة الحالية التي تديرها السعودية.
ويتمثل الفراغ، الذي صنعته السعودية في اليمن، في وصول الدولة إلى مرحلة "الدولة الفاشلة"، التي لا تستطيع السيطرة على كافة أراضيها، ولا السيطرة على كافة قطاعات شعبها، ولا تستطيع مؤسساتها القيام بوظائفها، مثل: صرف رواتب الموظفين، وتقديم الخدمات العامة للمواطنين كالكهرباء والتعليم والصحة وغيرها، كما أنها لا تستطيع حماية سيادة البلاد، وكل شيء يتّجه للخروج عن نطاق السيطرة، في حال استمرت السعودية في صناعة الفراغ في اليمن على هذا المنوال.
- سنوات صناعة الفراغ
لم تكن سياسة صناعة الفراغ، التي تنتهجها السعودية في اليمن، وليدة اللحظة، وإنما لها امتداداتها التاريخية، التي كانت السعودية أيضا سببا رئيسيا فيها، مثل حرصها على إضعاف النظام السياسي في اليمن، وتدخلها في محطات مفصلية سابقة ضد الإرادة الشعبية، مثل وقوفها ضد ثورة 1948 الدستورية، ودعمها للأئمة المستبدين بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، وعرقلتها إعادة الوحدة اليمنية، ثم مساندتها لمشروع انفصال جنوب اليمن خلال أزمة وحرب صيف 1994، وأخيرا مساعيها لوأد ثورة 11 فبراير 2011 الشعبية السلمية، ونجاح مخطط عسكرتها.
ويمثل كل ما سبق تراكمات تاريخية بدعم ورعاية سعودية كان لها الأثر المباشر في انفجار الأوضاع ووصول البلاد إلى ما هي عليه، ويعد الخطر الأكبر في ذلك المساندة السعودية القويّة للأئمة بعد الحرب التي تلت ثورة 26 سبتمبر 1962، ثم فرض ما سمتها "مصالحة وطنية" أفضت إلى تفخيخ العهد الجمهوري بالكيان الإمامي البغيض الذي ارتدى ثوب الجمهورية، التي ظل يعمل على نخرها من الداخل حتى حانت لحظة خلعه والانقلاب على الجمهورية والعملية السياسية، والتسبب في أسوأ حرب أهلية لم تشهدها البلاد طوال تاريخها الضارب في القدم.
كما أن سياسة السعودية في صناعة الفراغ في اليمن شملت مراكز القوة والنفوذ في العالم العربي خلال العقود الأخيرة، مثل تآمرها مع دول غربية لإضعاف مصر (عبدالناصر) وعراق (صدام حسين)، وقبل ذلك تحريض السوريين على إنهاء وحدتهم مع مصر (عبدالناصر)، وترسيخ الطائفية في لبنان من خلال "اتفاقية الطائف" والتخلي عن تقديم الدعم الكافي لحلفائها هناك، فملأت إيران الفراغ الذي تسببت به السعودية في لبنان والعراق، كما أن تخلي السعودية عن دعم المعارضة السورية المسلحة أفضى إلى إحداث فراغ كبير تمددت فيه إيران، ويبدو أن الأمر سيتكرر في اليمن، فالسعودية لم تكتفِ بالإدارة الفاشلة للمعركة وإضعاف الجيش الوطني وعرقلة الحسم العسكري، وإنما أصبحت تبحث عن مصالحة هشّة مع إيران بدون أي ضمانات لمصالحها ومصالح حلفائها، وترك الفراغ الذي تسببت به في البلاد لتملأه إيران ومليشياتها.
- من سيملأ الفراغ؟
يحدث الفراغ في أي بلد بسبب انسحاب قوة أجنبية كانت تقوم بدور "القائد" فيه، مثل الانسحاب الأمريكي من العراق الذي أحدث فراغا ملأته إيران، أو بسبب انهيار النظام، كما هو الحال في بعض بلدان ثورات "الربيع العربي"، مثل انهيار النظام الليبي الذي أحدث فراغا جعل البلاد مسرحا لتدخل أجنبي متعدد المشارب ومتناقض الأهداف، أو بسبب تراجع دور، مثل تخلي السعودية عن دعم المعارضة السورية المسلحة، لكن الفراغ في اليمن يختلف، كونه فراغا مصطنعا، تسببت به السعودية وحليفتها الإمارات، من خلال إنهاك السلطة الشرعية، ودفع الجميع إلى حرب استنزاف مفتوحة، ذلك أن "الفراغ" في البلاد سيُسهل على الدولتين السيطرة على الجُزر والموانئ والمطارات، وبعض المحافظات مثل: المهرة وسقطرى، أي أن الدولتين صنعتا فراغا لتملآنه هما.
غير أن التقارب الإيراني- الإماراتي، في وقت سابق، ثم سعي السعودية مؤخرا لإجراء مصالحة هشّة مع إيران، فكل ذلك سيفضي إلى تخلي السعودية عن السلطة اليمنية الشرعية بعد أن أنهكتها وصنعت الفراغ في الداخل، وبالتالي، فإن حالة الفراغ هذه ستفرض تحدّيات جديدة بخصوص مطامع قوى محلية وإقليمية في ملء الفراغ، قد تصل لمرحلة التزاحم والاشتباك، بينما السلطة اليمنية الشرعية لا يمكنها ملء الفراغ إلا بمساندة إقليمية وبناء جيوش وتسليحها والحصول على موارد كبيرة لاستعادة مؤسساتها والقيام بوظائفها، وهو ما لن تستطيع الحكومة توفيره في وضعها الحالي، خصوصا إذا تخلّى عنها الأشقاء العرب، وإذا لم تحصل على الدعم والمساندة فإن حالة الفراغ ستتعمق وستكون مغرية لتملأها المليشيات الانقلابية بتوجهاتها المختلفة، والقوى الإقليمية الصاعدة المتنافسة على دور "القائد" للإقليم.



