تقارير
صنعاء.. موجة صقيع غير مسبوقة ومتسولون يفترشون الأرصفة

حتى ساعات متأخرة من الليل، وبلوغ موجات الصقيع ذروتها في شتاء صنعاء ذي البرد القارس، خلال موسمه الحالي، تلازم مجاميع من المتسولين -نساءً ورجالا- البقاء في أماكن انتشارها بشوارع العاصمة الرئيسية، وعند تقاطعاتها المختلفة، كذلك أمام بوابات المطاعم والمولات التجارية، وغيرها؛ لطلب المساعدة من السائقين والميسورين، وبحثاً عن وجبة غذاء لأطفالهم وأسرهم، يسدون بها رمق جوعهم الذي يكاد أن يفتك بهم، في ظل صعوبة الأوضاع المعيشية السائدة، واتساع رقعة الفقر بين سكان مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
دون مراعاة مخاطر برودة الطقس؛ كون الحاجة وقسوة الظروف أجبرتهم على امتهان التسول كملاذ أخير للنجاة من الموت جوعاً، إذ تبدو حياتهم صوراً مختلفة من المآسي والألم.
- ظاهرة متكررة
لم يسبق لشوارع صنعاء أن عرفت الانتشار اللافت لأعداد المتسولين في لياليها الشتوية، إلا في زمن المليشيا التي فاقمت الظاهرة، تحديداً في أوساط النساء اللواتي يحضنّ أطفالهن الرٌّضع على الأرصفة بين موجات البرد الشديدة.
تقول عدد من المتسولات لموقع بلقيس: "نخرج للشارع في الليل نطلب صدقة، لا نملك القوت الضروري في بيوتنا، ولا قيمة الحليب لأطفالنا، سنموت من الجوع لو ما سألنا المعونة، نحن معدمين وأسرنا فقيرة، ليس لدينا مصدر للدخل اليومي".
وأضافت: "كانت ظروفنا تمام من سابق، تدهورت حالتنا المادية مع الحرب، الجو بارد في الليل لكنها فرصة نتسول فيه؛ لأنه ما أحد يعرفنا ولا يدري بنا".
ترتص مئات المتسولات بعفةٍ وتعفف على جوانب أهم شوارع صنعاء؛ طلباً للعون، وتخفي كل واحدة خلفها مأساة معينة، دفعت بها لتسول لقمة العيش كضرورة مُلحة.
"أم بثينة" فقدت زوجها في الحرب، وتحمّلت مسؤولية إعالة صغارها، تقول لموقع "بلقيس": "أجلس هنا مع ابنتي من وقت المغرب إلى منتصف الليل، نطلب المساعدة من الناس؛ معي أيتام، أبوهم مات في الجبهة، وما أحد يصرف عليهم، أسأل حاجتنا الضرورية في هذا الشارع بين البرد، لا نملك قُوت يومنا أنا وأطفالي".
لولا الحاجة وخطر الموت جوعاً لن تبقى متسولة في الشارع بين موجات الصقيع ليلاً، لكن مساءلة بقائهن اضطرارية، برغم ما يواجهن من مضايقات وتحرّش.
- وضع كارثي
بعد أن كانت ظاهرة التسول سابقاً مشكلة يعاني منها المجتمع اليمني، اصبحت في زمن الحوثي مهنة تمارسها أغلب الشرائح -ذكوراً وإناثا- من كل الفئات العُمرية.
تقول الباحثة الاجتماعية "نور الصامت" لموقع "بلقيس": "حالة الناس المادية كل فترة أسوأ من السابقة، بسبب الحرب وانهيار الوضع الاقتصادي، صار فئات كثيرة في المجتمع تمتهن التسول؛ لأنها خسرت مصدر دخلها الأساسي، وفقدت كل فرص العمل البديلة، التسول تحول من مشكلة اجتماعية، الى مهنة لشرائح مختلفة، كالموظفين وعناصر من الجيش والأمن السابقين".
وأضافت: "انقطاع صرف مرتبات الحكومة أهم سبب في زيادة أعداد المتسولين، كذلك فقدت الأسر معيليها أثناء النزاع، أطفال ونساء ومسنون ينتشرون في الشارع، يتسولون ثمن الوجبات اليومية، كل ليلة حتى وقت متأخر في البرد القارس".
يعيش أكثر من ثلثي سكان البلاد تحت خط الفقر؛ تحديداً في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، ووفقاً لأحدث تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة، فإن "23.4 مليون من سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، أي 73% من إجمالي عدد السكان، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء، وتسببت الحرب بنزوح 4.5 مليون شخص داخلياً".
وتعد ظاهرة التسول من أبرز التدابير القاسية، التي لجأت إليها بعض الأسر اليمنية، بسبب انعدام الأمن الغذائي، واستنفاد شبكات الأمان التقليدية، وتحمل النساء مسؤولية إعالة أطفالهن، حيث يتهدد الجوع حياة ملايين اليمنيين في مناطق المليشيا، وفقاً للناشط في المجال الحقوقي والإنساني "محمد الوشلي"، من حديثٍ لموقع "بلقيس".
- حلول غائبة
بينما تستمر مليشيا الحوثي بنهب موارد الدولة، تتسع رقعة الفقر وتتنامى أعداد الجائعين، كوسيلة لسحق المجتمع معيشياً، وتحويلهم إلى متسولين، في ظل غياب المعالجات الشاملة للظواهر الاجتماعية ذات الطابع السلبي، التي أفرزتها الحرب، ونزاعات الأطراف المحلية.
يقول الخبير الاقتصادي "محمد الصراري" لموقع "بلقيس": "التدهور الاقتصادي ألقى بتبعاته السيئة على النساء والأطفال، الذين نراهم في الشوارع كمتسولين في كل وقت، وتحت أي طقس، مسؤولية سلطة الأمر الواقع معالجة الظاهرة، وتوفير حلول اقتصادية عاجلة".
تغض السلطة -الطارئة على الحكم- بصرها عن توسع هذه الظاهرة السلبية، وعن معاناة المتسولين من برودة الطقس، بل تسعى بكل أدواتها التسلطية إلى تجاهلها دون رأفة.



