تقارير
عزيز المعافري.. فنان ولدت موهبته بين الأغنام في تعز

لم يكن يعلم الطفل المولود في العام 1993، في أحد أرياف مدينة تعز، وهو يرعى أغنامه، أن ثمة فناناً يسكن أعماقه، حيث لم يدرك ذلك إلا في ربيعه العاشر، الذي ذهب فيه إلى السقي من عين الماء.
وعلى مقربة منها، جمعه القَدَر بأطفال قريته، الذين أخَذ يلهو معهم، ويتسلّى بالطين، وأثناء ذلك قادته الأقدار إلى رسم وجه أحد أصدقائه الصِّغار عليها، فاندهش رفاقه، وفرحوا واستبشروا، وجمعوا له المزيد من الطين ليرسم وجوه من تبقّى منهم.
الرَّسام التشكيلي الشاب عزيز عبد العليم المعافري (28 عاماً)، وُلد في قرية "مبها' بجبل حبشي، غرب تعز، حيث قضى سنوات طفولته في رعي الأغنام، لكنّ ذلك لم يمنعْه من الولوج إلى عالم الفن والإبداع، وإظهار موهبته في الرسم، التي ظلَّت كامنة في أعماقه إلى أن اكتشفها في سِن العاشرة.
حضر أصدقاء طفولته ورفاقه في الحياة والرعي اللحظة الأولى لولادة موهبته، وشاركوه ذلك الحدث، الذي دشَّن به مرحلة جديدة من حياته، وبدأ تجربته الفنيّة بالرّسم على الطين.
لقد كانت خطوة أوليّة، لكنها غيَّرت مسيرة حياته، حيث استبدل فيها العصا، التي كان يهش بها على غنمه، بفرشاة يرسم بها لوحات في غاية البهاء والإتقان.
تختزل لوحاته تلك التفاصيل التي عاشها في طفولته وفتوّته، وملامح الحياة الريفية، التي سكنته ولازمته حتى اليوم.
كان على قدر الثّقة، وأتمّ مهمته الفنية الأولى بجدارة، نال على إثرها استحسان رفاقه، الذين شجَّعوه، وأشادوا واحتفوا به على طريقتهم الخاصة في لحظات خالدة، ما يزال يتذكّر تفاصيلها، وأسماء وملامح أصدقائه الذين شاركوه إياها، وشكَّلوا حينها جمهوره الأول.
شكَّل ذلك اللقاء موعده الأول مع الشغف والرسم، الذي أطلّ من خلاله على عالم الإبداع والجمال، الذي بدأه بتشكيل الطين، والاحتفاظ بالمجسّمات -التي يصنعها- في رفٍّ خاص به بمنزله، الذي حظي به بتشجيع كبير من والده، الذي يعمل مدرساً في إحدى المدارس الحكومية.
واصل عزيز ممارسة الرسم بشغف كبير، وسط تشجيع أسري قاده والده الذي أخذ بيده، وحفّزه، ودفعه نحو تنمية موهبته، وصقلها، وتطوير قدراته، ومهاراته، إلى جانب الاهتمام بدراسته والتفوُّق فيها، وتصدّر قائمة الطلاب الأوائل في مدرسة "الصِّديق".
محطات مهمّة في حياته
ما إن أنهى تعليمه الثانوي في العام 2014 حتى أخذ يستعد لوجهته القادمة، ويشكِّل في مخيِّلته مسار حياته وأحلامه وطموحاته، وذلك انطلاقاً من إدراكه الجيّد لما هو بحاجة إليه، والكُليّة التي سيلتحق بها، والتخصص الذي سيدرسه، والمجال الذي يتوق إليه، ويرى فيه شخصيّته ومستقبله.
يقول المعافري لموقع "بلقيس": "كان لديّ هدف واضح، ورغبة شديدة في الالتحاق بقسم الفنون الجميلة في كلية الآداب بجامعة تعز، وفعلتُ ذلك في العام 2016، لإدراكي بأن الموهبة وحدها لا تكفي".
ويضيف: "الموهبة عنصر أساسي للإبداع، لكنّها تحتاج إلى الدراسة الجامعية، والالتحاق بالقِسم المناسب، وذلك لصقلها وتطويرها عبر العِلم والتعلّم والإلمام بالجانب الأكاديمي، كي أُعطي لوحاتي شكلاً وروحاً ومعنًى وقيمة".
لم تغادره في المدينة شخصية الطفل الريفي المثابر والمتفوّق، خلال سنوات دراسته الأساسية والثانوية، وهي قِيم تمسّك بها أثناء دراسته الجامعية، التي لم يتخلَّ فيها عن الجد والمثابرة، والإصرار على التفوّق.
لقد تجاوز الظروف القاسية، والصعوبات الاقتصادية، والتغلُّب على الفقر، وسُوء الأوضاع المادية والمعيشية بهمّة عالية.
كما لم تثنِه الفاقة وقلّة الدعم، وعدم توفّر السكن الملائم، والافتقار إلى مصاريف ونفقات الدراسة الجامعية، عن مواصلة مسيرته العلمية والفنية، وإبراز قدراته وإبداعه.
يضيف: "أحرزت لعامين متتاليين المركز الأول في الرسم بالقلم الرصاص، والألوان الزيتيّة، وذلك على مستوى قِسم الفنون الجميلة، وكلية الآداب، وجامعة تعز".
لم يُبقِ -خلال سنوات دراسته الجامعية- رسوماته حبيسة الغرفة الضيّقة، والمتواضعة، والمكتظة باللوحات والأدوات، التي كان يقيم فيها، ويتقاسم مساحتها الصغيرة مع عدد من زملائه، الذين لطالما أزعجهم ومنعهم من النوم لمزاولته الرّسم حتى ساعات متأخرة من الليل، كما ضايقهم بروائح أدواته وألوانه، الأمر الذي يجعله يشعر بالإحراج من رفاقه في السكن، الذين تحمّلوا ما يصدر عنه، ولم يتوانوا عن تشجيعه، والوقوف إلى جانبه، كما يقول.
خاض كفاحاً مريراً من أجل فنّه، ودراسته، وتوفير احتياجاته ومصاريفه الجامعية، ومستلزمات الرسم، وقاد جهوداً ذاتية، وزاول أشغالاً شاقة، وتجرّع مرارة الشقاء والحرمان، إذ عمل في البناء كثيراً، وذلك لتوفير لقمة العيش، وأدوات وألوان مرسَمه المتواضع، وذلك على حساب حرمان نفسه من العديد من الأشياء.
حضور
أبْرزَ أعماله الفنية، وأوجدَ لها مكاناً في المعارض المحلية والخارجية، التي شارك في العديد منها، بما فيها معرض "لون الورد" الإلكتروني، الذي أقيم في تركيا، ومعرض "تعز .. نزف بألوان الحياة"، الذي نظّمه قِسم الفنون الجميلة في كلية الآداب، مطلع العام 2018. كما شارك -في فبراير من العام 2019- في المعرض المحلي الدولي "العالم يرسم السلام في تعز"، وذلك بمشاركة أكثر من 60 فناناً من اليمن، وتركيا، وفرنسا، وبريطانيا، والسعودية، وسوريا، ولبنان، وفلسطين.
يسكن أعماقه، اليوم، الرِّيف ببساطته وملامحه وتضاريسه وأجوائه ومظاهر حياته، وأساليب العيش فيه، وأوجه معاناته، ويستثير في نفسه تلك الذكريات والمواقف واللحظات التي عاشها في طفولته وفتوتّه، والتجارب التي خاضها، ويستحضر تلك التفاصيل العالقة بذاكرته في لوحاته المتعددة.
ينظر إلى الفنّ التشكيلي من زاوية مغايرة، تبدأ بكونه رسالة وقِيمة وهدفا ولسان حال الناس، ووسيلة للتعبير عنهم، ونقل ما يدور في المجتمع الريفي، وتبنِّي مشاكله، والتعبير عن واقعه وأحواله وهمومه ومعاناته، واحتياجاته والصعوبات التي تواجهه.
تفرِد لوحاته مساحة كبيرة لحياة الريف، وتسجّل المرأة الريفية حضوراً لافتاً في لوحاته، التي تأتي لتكريمها والاحتفاء بها، وتخليد دورها. ويرى أنها من تتحمّل أعباء العمل في المنزل وخارجه، وتشارك الرجل في تحمّل المسؤولية، وتساعده في فلاحة الأرض واستصلاحها، وتزاول العديد من الأعمال الشاقّة، ما يجعلها جديرة باهتمامه، ويدفعه نحو توثيق معاناتها، ونقلها إلى الآخرين عبر لوحاته.
تشكّل قريته والتفاصيل، التي عاشها في طفولته وفتوّته، وخبرها. وعاصرها في ذلك المكان الريفي، مصدر إلهام بالنسبة له ولأعماله الفنية المتعددة.
يتفرّد بالرسم باستخدام الدبابيس الملوّنة، التي يكوّن بها لوحات بديعة، وبالغة البهاء والإتقان، وتعكس مهارته العالية وبراعته الفائقة في هذا النوع من الرسم، الذي يشكّل إضافة جديدة إلى رصيده الفني، ويعدّ تجربة فنية جديدة ونادرة على مستوى البلاد.
الرسم بالدبابيس
يعدّ الرسم بالدبابيس عملية فنية شاقة، ويتطلب وقتاً وجهدا ذهنيا كبيراً، وتركيزا شديدا، وحسابات دقيقة، والمزيد من الحذر في التعامل مع آلاف الدبابيس،
التي رسم بها هذا العام لوحة للفنان أيوب طارش، أدخل في رسمها 17 ألف دبوس. واستغرق 25 يوماً في رسم هذه اللوحة، التي عُدت تجربة فنية فريدة، والأولى من نوعها في هذا المجال، وقد نالت استحسان الكثيرين، وشهدت رواجاً كبيراً، وتداولاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي.
دفعه الحبّ لأيوب، وتأثّره وإعجابه به، إلى تكريمه برسم لوحة طولها 70 سم وعرضها 50 سم.
ويذكر لموقع "بلقيس": "أيوب فنان كبير، أطرب الكثيرين بأغانيه، ولهذا جسّدت صورته في عمل جديد ونادر وغير معتاد، لم يسبق أن نفّذه أحد من قبل".



