تقارير
عصام.. قصة جندي يمني ترك الجيش واتجه إلى تربية العصافير

بدلاً من العيش على الحرب، يقضي الثلاثيني عصام ساعة كاملة من صباحاته بصورة يومية وسط "قفص عصافير الزينة" الواسع والمصنوع بيديه، متفقداً احتياجاتها من الغذاء والماء، وكذلك تنظيف القفص من مخلّفاتها، بشكل دائم ومستمر.
منذ بدأ، استحسن العمل في مشروعه الصغير قبل نحو 4 أعوام، يقول عصام لبلقيس: "تربية العصافير أشرف لي من الانخراط في قتال إخواني اليمنيين، أصلاً كنت عسكري".
بدا مشروعه الصغير في "تربية وبيع عصافير الزينة" مُرهقا وعائداته المالية ليست مُجدية لرجل يعيل أسرة مكونة من 3 أفراد، لكن تحليه بالقناعة والرضا النفسي عمّا يفعل جعلاه يقرأ حقيقة الوضع الراهن بصورة أعمق وأدق، كونه كان جندياً في أحد معسكرات صنعاء، قبل أن تسيطر عليه مليشيات الحوثي الانقلابية. يقول لبلقيس: "أنا مقتنع وراضٍ بالرزق المقسوم من بيع العصافير، ولا أسير بالباطل معهم للجبهات، ويردوني صورة لعيالي".
ورغم قسوة ظروفه المعيشية، كملايين اليمنيين الذين طحنتهم الحرب فقراً وجوعاً، يستمتع عصام بهذه المهنة البسيطة التي تضفي جمالاً وسحراً على النفس، مهتماً بأدق التفاصيل في تربية العصافير، وتوفير كل السُّبل لنموها وتكاثرها. إذ وضع أقفاصا صغيرة معلّقة على أحد جوانب القفص الكبير، مخصصة ل"بيض العصافير"، التي تسهّل عليه عملية التكاثر. وفي أماكن أخرى من القفص الكبير، جهّزها لغذاء العصافير، وكذلك أحواض صغيرة تشرب منها.
بذاك يكون 'العصافيري' عصام أدرك توزيع المهام داخل قفصه الكبير المليء بعصافير الزينة المنزلية المعروفة بـ"عُشاق" أو عصافير "الحب"، ذات الريش الملوّنة والجميلة والأنيقة. لذا تمنحك أصواتها الجميلة إحساسا روحيا بتواجدك داخل محميّة تملأها العصافير والحيوانات، لكنك ما زلت وسط حوش صغير مفتوح وضيّق لمنزل عصام، الذي يتشارك فيه السكن مع بقية أفراد عائلته، حيث تعود ملكيته لوالده.
وهناك صادفت سيّدة أربعينية ترغب بشراء عصافير زينة لمنزلها من عصام، قالت لبلقيس: "العصافير داخل المنزل تشعرك بالحياة وجمالها، من حيث شكلها الجميل وأصواتها اللطيفة والعذبة، اشتريها للبيت للاستمتاع بها وطرد ملل الحياة".
إذ أبدت حرصاً على شراء عصافير عند عُمر معيّن (أقل من عام)، وهي ذات معرفة سابقة بتفاصيل خاصة تظهر في كل عصفور وفقاً لعمره، موضحة سبب انتقائها لبلقيس: "تعيش معنا وقت أطول، لأنها مازالت صغيرة وممتعة حتى فنائها بعد 3 ـ 4 سنوات". وتمكّنت من شراء زوج واحد فقط من قفص عصام، بالمبلغ المتفق عليه.
قال عصام لبلقيس: "بعت لها الزوج الواحد مع القفص بمبلغ 12000ريال".. ما يعادل 20 دولارا سعر الصرف في مناطق مليشيات الحوثي الانقلابية.
صدمة الخيانات رسمت طريقه إلى القفص
لحظة تداعي الأحداث وتوالي انهيار معسكرات الجيش، نتيجة المؤامرات، التي سهلت لمليشيات الحوثي الانقلابية عملية السيطرة الكاملة على معظم الألوية العسكرية في صنعاء، كان عصام فرداً في القوات المسلحة، ورقماً عسكرياً في أحد الألوية العسكرية الساقطة بأيدي المليشيات.
يقول عصام لبلقيس: "بعد انهيار الجيش، قررت أترك العسكرة نهائياً، وأبحث لي عن مصدر للعيش بعيداً عن كل الأطراف، واشتغلت فترة في محل لبيع عصافير وحيوانات أليفة، ومنها تعلّمت طريقة تربية العصافير، لأنها سهلة وبسيطة".
ليبدأ الرجل في مشروعه الصغير، لغرض بسيط فقط كما قال لبلقيس: "مواجهة مصروف عيالي بس".
ولأن تربية عصافير الزينة لا تحتاج إلى تكاليف كثيرة، بل تبدو أسهل عليه، كونه يُربيها في منزلهم الخاص، متبعاً الطريقة التقليدية في تسويقها وبيعها لمن يرغب بالشراء.
قال عصام لبلقيس: "بعض الأصحاب عارفين بمشروعي، ويعطوا رقم تلفوني لمن يرغب بالشراء، وهكذا يتناقل الرقم من شخص لآخر، ويتصلوا بي".
تبقى خيانة القائد أفراده في لواء عسكري ما عنوانا للعار التاريخي في شرف العسكرية اليمنية، حيث شكّلت تلك اللحظات صدمة مريعة للجندي الشاب الذي كان يتقد حينها حماسة ونشاطا، في سبيل حماية وطنه وشعبه من مليشيات الغدر، وجمع من القادة الخونة والمتآمرين، ليتخلّى بعد ذاك عن شيء من طموحاته في الدّفاع عن الوطن بصورة نهائية. اكتسب بعد ذلك مهارة تربية عصافير الزينة، والاعتماد على بيعها كمصدر للرزق، إذ مثلت خيانات القائد لوطنه وأفراده وشعبه أشياء مرهقة في الضمير الوطني لعصام، فاقداً الثقة بالجميع.. يقول لبلقيس: "كلهم خونة ومتآمرين، وليسوا مهتمين بظروف الناس وما يتعرضون له". وشكلت الخيانات -التي حدثت لجيشٍ بأسره- نقطة تحول في حياة الجندي سابقاً، وبائع عصافير الزينة حالياً.
عصام ليس وحده
يظل عصام نموذجاً فقط، لعشرات الآلاف من المُجنّدين السابقين، الذين تخلوا عن عسكريتهم نتيجة ما حدث، ليمضوا باحثين عن مصادر جديدة للدخل، حيث نأوا بأنفسهم بعيداً عن كافة أطراف الصراع، معتمدين على وسائل مختلفة طلباً للرزق.



