تقارير
عَلاء .. قصة طفل يمني أعاقته الحرب لكنها لم تمنعه من تحقيق مستقبله

بنصف قَدَم، وابتسامة طفل بريء، يخرج عَلاء يوسف (13 عاماً) من بين ركام الحرب وكل ما هدم أحلامه وبيته ومدرسته نحو مستقبله، متحدياً إعاقته ونزوحه وتهجيره الأخير من مخيّمه السابق إلى صحراء، سُميت "مخيّم" للمهجرين من مناطق جنوب مأرب، يفتقر كل مقوِّمات الحياة، إلا ما وفّرته الطبيعة من أشجار ورمال.
تنقّل الطفل عَلاء بين أكثر من مخيم منذ أن نزح من محافظة إب، بسبب الحرب الدائرة في البلد منذ سبع سنوات، ليستقر به الحال في مخيّم 'الروضة' بمنطقة 'ذنة' شرق مديرية 'صرواح'.
ومع كل نزوح يحمل عَلاء حقيبته ليتحق في 'ذنة' بمدرسته خلال ثلاث سنوات، لكن الحرب الأخيرة التي وصلت إلى مناطق جنوب مأرب هجّرت عَلاء، ومئات الأسر الأخرى من مخيم 'ذنة' نحو صحراء 'النقيعاء' شرق مدينة مأرب، ليقطن منطقة صحراوية نبتت فيها خيام النازحين بين عشيّة وضحاها، وازدحمت بالبشر المشرّدين الفارين من لهيب الحرب، وفزع القصف.
يعيش النازحون في صحراء 'النقيعاء' دون مقوّمات حياة، ولا خدمات أساسية للعيش للكبار أو الصغار (نساء وأطفال)، كلهم تحت رحمة الطبيعة، والإهمال وحده يحتفي بهم، ويتمتّع بإذلالهم، وتلقينهم دروس المعاناة والموت برداً وجوعاً ومرضاً، دون تعليم ولا صحة ولا ماء ولا كهرباء.
الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمأرب تقول، في تقرير لها، إن عدد النازحين الجدد -خلال الأشهر الماضية- وصل إلى 128244، وبذلك وصل عدد النازحين في مأرب إلى 2246237.
كما افتتحت وحدة النازحين في مأرب 40 مخيما جديدا للنازحين الجدد من مناطق جنوب مأرب، ليرتفع عدد المخيمات في المحافظة إلى 181 مخيما، بحسب وحدة النازحين.
لكن عَلاء يوسف التفت إلى نفسه، التي وجدها ملقيّة بين ركام الرمل وتحت خيمة في خلاء المنطقة وعلى قارعة الطريق، دون أن يكمل تعليمه المدرسي، الذي بات الوقت يشارف على المرور دون لحاقه العام الدراسي الجاري، متذكراً صديقاً سابقاً له يسكن منطقة قريبة من مخيم 'النقيعاء' في مديرية 'الوادي'، ليبقى الأمل الأخير معلقاً بصديق أوحد.
يقول عَلاء إنه كان يدرس في مخيم 'ذنة' بمدرسة 'خالد بن الوليد'، لكن بعد تعرّض المخيم للقصف بالقذائف والصواريخ نزح مع أسرته الصغيرة إلى مخيم 'النقيعاء'.
يضيف: "تذكرت صديقي القديم الذي عشت معه أشهرا قليلة في مدينة مأرب، ذهبت إلى منزلهم، ورحّبو بي، وعشت معهم، وسجّلت في المدرسة التي يدرس فيها صديقي، ودرست معه حتى اكتمل النصف الأول من العام الدراسي، وعدت إلى أسرتي خلال عطلة النصف الأولى، وسأعود إلى منزل صديقي، وأعود إلى المدرسة حتى نهاية العام".
ويشير عَلاء إلى أنه يعيش في بيت صديقه كواحد من الأسرة "كأنّي ولدهم"، وأن أسرة صديقه هي أسرته الثانية أيضا "صديقي عمل معي معروف كبير، وسأعمل على أن أرد له المعروف بحياتي".. مضيفا أن العيش في المخيم يعرّضه للبرد الشديد داخل الخيمة في ظل شح البطانيات والفرش، وأن الكهرباء منعدمة، والمياه قليلة ومُتعِب نقلها من مناطق بعيدة.
من جهته، يقول النازح علي عمر الحالمي (45 عام): "وصلنا إلى مخيم النقيعاء، ووضعنا مزري جدا، دون خيام، ولا دفاء، ولا فراش، خاصة مع دخول فصل الشتاء البارد بشدة، خاصة في الصحراء، بالإضافة إلى غياب الخدمات الأساسية، مثل الماء والخيام والكهرباء ومراكز الصحة، مما يزيد معاناة النازحين، حيث إنه من مرِض أو لديه مريض من الأطفال أو النساء، عليه أن يذهب إلى مأرب، نتيجة غياب الوحدة الصحية في المخيم، وهذا يضاعف معاناة النازحين المشرّدين من بيوتهم، ومن مخيماتهم السابقة، نتيجة القصف والحرب التي تعرّضت لها المناطق الجنوبية لمأرب، إضافة إلى أن الأطفال دون دراسة، وهذه مشكلة مستقبلية للأطفال، نتيجة غياب المدرسة في المخيم.
كان عَلاء يسير إلى مدرسته بقدميه قبل أن يصاب بلغم أرضي فردي، انفجر به بالقرب من مخيم 'ذنة' قبل عامين، أدى إلى بتر نصف قدمه، التي باتت مغطاة بقطعة قماش، وقدم صناعية كي يخفي إعاقته أمام زملائه، لكن مشيته المتعرّجة لا تخفيها بالشكل المطلوب، رغم تصنّعه إخفاءها، تلك الإعاقة لم تأثّر كثيراً على حياته، مِثل بقية الأطفال المعاقين والمبتورة أجزاء كبيرة من أطرافهم، بسبب الألغام المنتشرة في المناطق التي شهدت المواجهات، أو وصلت إليها أيادي الحوثيين على أطراف مأرب.
يوسف أحمد (40 عاما) -والد علاء- يقول إنه لم يتسلّم أي مساعدات، وأن المخيمات تفتقر إلى أساسيات الحياة، حيث لا مدارس، ولا مراكز صحية، ولا مياه للشرب.
وأضاف: "وصلنا هذا المخيم، ولم توجد مدرسة فيه، لأنه في منطقة صحراوية بعيدة عن المناطق السكنية، وكنت أخاف أن تذهب عنه السَّنة، دون أن يلتحق بالعام الجاري، اضطرينا أن نسمح له بالذهاب إلى منزل أحد أصدقائه السابقين في منطقة 'بن معيلي' لكي يلتحق بالمدرسة مع صديقه، ويسكن في منزله مع أسرته".
الطفل علاء وجد حلاً نسبياً لمشكلة انقطاعه عن التعليم، وأكمل تعليمه بمساعدة صديقه، لكن مئات الأطفال ظلوا في المخيّم ضائعين ومشرّدين دون تعليم، وضاعت من أعمارهم سنة في شتات وحرمان خارج أسوار المدرسة، سنة ذهبت دون اهتمام الجهات الرسمية والمنظمات المهتمة بالأطفال وإلحاقهم في المدرسة، عام لم ينتهِ الحد عنده فقط، بل ربّما أعواما أخرى سيعيش فيها أطفال مخيم 'النقيعاء' دون تعليم، وإن توفّرت مدرسة لن يتوفّر الاهتمام بإلزامية كل الأطفال باللحاق بها، فمنهم من ذهب بعيداً للعمل، أو التسرّب النهائي.



