تقارير
على باب الله.. المهن البسيطة ملاذ من أنهكهم الفقر والحرب

خلال سنواتها الخمس، التي خلّفت أسوأ أزمة إنسانية في العالم، خلقت الحرب الدائرة في البلاد عددا من المهن البسيطة التي لجأت إليها كثير من الأسر اليمنية، التي فقدت أكثر من 40% منها مصادر دخلها لتجد في هذه المهن ملاذاً يقيها خطر الجوع، ويفي بالحد الأدنى من احتياجاتها، كما لجأت أسر أخرى إلى مهن أوشكت على الاندثار قبل أن يعاد إحياؤها بسبب الحرب، والبطالة، والفقر، الذي تفاقمت مستوياته من بداية الحرب لتجتاز نسبته 75% مقارنة بـ47% قبل الحرب، وهو ما ينذر بمصير قاتم تتّجه إليه البلاد، التي تقدّر تقارير الأمم المتحدة أنها ستكون الأفقر في العالم، إذا استمرت الحرب حتى عام 2022.
إعادة تدوير
في حين تُصدر الدول المتقدمة المخلفات الاستهلاكية، التي يمكن إعادة استخدامها على شكل بضائع مخصصة للبيع، أو تبرّعات لمساعدة سكان البلدان الفقيرة والأشد فقرا، تنتشر في هذه البلدان الفقيرة مهن تعتمد في أساسها على فكرة إعادة تدوير المواد المستخدمة، مثل: الملابس، وقصاصات الأقمشة، وقطع الأخشاب، وعُلب البلاستيك، والعُلب المعدنية.
مهن على بساطتها وضآلة مردودها المادي تشكل درب النجاة الوحيد أمام كثير من الأسر الفقيرة، وما أكثرها في بلد كاليمن، الذي يعاني 15.9 مليون من تعداد سكانه، الذي تجاوز 29 مليونا، من انعدام الأمن الغذائي- بحسب تقارير دولية.
وبينما شكلت هذه المهن لكثير من الأسر اليمنية مصدر الرزق الدائم والوحيد رغم قلة مردودها المادي، باتت تستقطب كثيرا من الشباب الذين وجدوا فيها باب النجاة من البطالة، التي تزداد رقعتها اتساعا مع اقتراب دخول الحرب عامها السادس.
-عُلب فارغة.. بطون أشد فراغا
بعد يوم طويل من العمل الشاق في تنظيف شوارع مديرية "التحرير" في العاصمة صنعاء، يبدأ فيصل الزبيدي رحلة أخرى من التعب في شوارع المدينة وليلها البارد، تدفعه الحاجة إلى الطواف بالمحلات والمعامل التي تسمح له بأخذ ما تجمّع من عُلب الماء الفارغة، مقابل تنظيفها وإخراج القمامة إلى أماكنها المخصصة، يقول ل "بلقيس": "تفاهمت مع بعض أصحاب المحلات على أن أخصص لكل محل يوما في الأسبوع، لتنظيف محلاتهم ورفع المخلفات، مقابل أن يتركوا لي العُلب الفارغة في مكان مخصص، ولا يرمونها في القمامة".
ويضيف: "لولا الحاجة لما اضطررت إلى العمل في هذا البرد القارس، وبعد يوم كامل من العمل في الشوارع، لكن رواتبنا في البلدية 27 ألف ريال لا تكفي لشيء، هذه الأيام".
-أجيال
بينما كانت نظيراتها في المدارس يخطون خطواتهن الأولى نحو المستقبل، كان همُّ سمية محمد (15عاما) الوحيد هو أن تتمكن من جمع أكبر عدد ممكن من العُلب البلاستيكية الفارغة في المدارس القريبة من منزلها، لتساهم في مدخول الأسرة المكوّنة من والديها وأربعة أشقاء، حُرموا جميعا من التعليم، ويعملون في هذه المهنة- كما تقول.
وفيما تبدد حلم سمية في التعليم، تمسكت بحلم الزواج لعلّها تنجو من حياة صعبة تعيشها أسرتها، لكن قدرها كان الزواج من شاب يعمل في المهنة نفسها، ولا يكاد دخله يفي بمتطلبات الأسرة الصغيرة، حسب سمية.
ويجمع العاملون في المهنة العُلب الفارغة من المحال التجارية وأبواب البيوت والطرقات ومن أماكن تجميع القمامة أحيانا، ليتم تعبئتها في "شوالات" ثم بيعها لأحد سماسرة الخردوات بسعر 60 ريالا للكيلو، التي يبيعها بدوره لأحد مصانع البلاستيك بسعر 90 ريالا ليعاد تدويرها وصناعتها من جديد، بحسب الزبيدي.
(قصاقص) القماش.. تدوير آخر
ألقت الحرب بظلال مأساتها على الفندم علي، كما يعرّف نفسه (57 عاما)، وهو جندي في وزارة الدفاع، اختار النأي بنفسه عن الاستمرار في العمل تحت قيادة المليشيات، ليجد نفسه بدون راتب أو مصدر للتموين، خصوصا بعد أن فقد التموين الذي كان يأتيه بشكل شهري، مثل كثير من الجنود في الوزارة، لكنه وجد في معامل الخياطة القريبة من منزله فسحة الأمل الأخيرة، يقول: "بحثت عن عمل بديل يقيني وأسرتي الجوع، حتى سمعت أحد مالكي المعامل يبحث عن عامل لتنظيف معمله مقابل أخذ 'القصاقص' وبيعها، فقررت أن أقوم بذلك".
بعد معرفته في الوسط، اتخذها "المحويتي" مهنة يقوم من خلالها بتنظيف معامل الخياطة في الشارع المجاور لمنزله، مقابل مردود بيع 'القصاقص'، وهي مخلفات الخياطين وبقايا الأقمشة، التي يشتريها منه سماسرة بسعر يتراوح بين "80-100 ريال"، ويتم بيعها لتجار المفروشات بسعر "150-180" ريالا، حيث يتم طحنها عبر مكائن خاصة، وإعادة تدويرها، لصناعة المجالس العربية، والمساند، والوسائد.
"الإسكافي".. عمر على الرصيف
على أحد أرصفة "التحرير"، يفترش العمّ صالح (60 عاما) الأرض بفرشته وأدواته، وترتصّ حوله قطع غيار جديدة ومستخدمة، وهي في معظمها "قاعات أحذية"، يستبدلها بالتالفات لإصلاح أحذية زبائنه.
وبينما مرّت مهنة "الإسكافي" بمرحلة كادت أن تنقرض فيها -كما يقول-، يؤكد صالح أن: "الوضع الاقتصادي السيئ، الذي يمر به الناس، أعاد إلى المهنة حياتها، حيث باتوا يلجأون لإصلاح أحذيتهم من خلال خياطتها أو استبدال أجزاء منها بأسعار رمزية، بدل شراء الجديد منها بأسعار غالية".
وعلى عكس صالح، الذي يعمل "إسكافيا"، منذ أكثر من 23 عاما، يصف عبدالوهاب محمود (44 عاما) نفسه ب"القديم المستجد" في المهنة، التي اختارها طريقا للنجاة من البطالة والجوع، بعد فقدان عمله كحارس في إحدى شركات القطاع الخاص عام 2016، ليعود إلى المهنة التي كان قد تعلّم أساسياتها على يد قريب له قبل عقدين، يقول: "ليس لديّ مهارة أخرى، ولا أملك مصدرا للدخل، ولديّ خمسة أبناء، هل أقعد في البيت أندب الحظ، وانتظر وأطفالي الجوع والموت!!".
ويستطرد: "صحيح أن الدخل بالكاد يفي لشراء الغذاء والوجبات الأساسية تحديدا، لكن لقمة بالكرامة تكفي". ويتفق معه صالح، حيث يقول: "أعمل في هذه المهنة، وربيت أطفالي ودرّستهم، ولا زلت أعمل فيها، فلقمة الحلال مهما صغرت تشبع القَنوع".



