تقارير
عندما يكون الحرمان قاتلاً.. بقايا امرأة محطمة

قناة بلقيس - حسان محمد
"الله يغضب على الزوجة إذا أغضبت زوجها، فطاعته من طاعة الله".. تحت هذه الثقافة بقيت أميرة تتلقى العنف والاعتداء بالشتم والضرب تسع سنوات بصمت، وتصبر على حياة تتجرع فيها طعم العلقم كل يوم.
وعلى الرغم أنها حاولت الانسحاب من هذه الحياة بهدوء، وترك زوجها يسعد بحياته الجديدة مع امرأة أخرى، إلا أنه ظل يستخدم كل الوسائل للامعان في القهر والظلم، حتى انتهى به المطاف لانتزاع أطفالها الثلاثة، والذين لم يتجاوز عمر أصغرهم سنة وتسعة أشهر، بطريقة غير إنسانية، لتدخل في أزمة نفسية حرجة، نتيجة لقسوة الفراق والفقد.
تنهار أميرة كلما تذكرت المشهد، وتضطرب حالتها النفسية، وبكلمات حزينة وغصة تعتصر قلبها، تقول: "في صباح عيد الأضحى، وأنا ألبس أطفالي الملابس الجديدة، جاء أبوهم، وانتزعهم من حضني، وأخذ مني آخر ما يربطني بالحياة".
فقدان الثقة
عاشت أميرة حياة بسيطة في محافظة مأرب، وحرمت من حنان ورعاية الأب الذي توفي وهي وإخوتها ما يزالون أطفالا، فاضطرت الأم إلى أن تتحمل عبء الأسرة، وتكون لهم الأم والأب.
وتوقعت أميرة أن تدخل عالم السعادة من بوابة الزواج، إلا أن أحلامها تلاشت حين اصطدمت بالواقع المُر، فلم تجد سوى العنف الأسري من الزوج، والنصائح بالصبر والحفاظ على الأسرة وطاعة الزوج، كلما ذهبت شاكية إلى منزل أهلها.
صبرت أميرة على التعنيف، والحرمان من حقوق الزوجة، وحتى من الاختلاط وزيارة قريباتها وصديقاتها طاعة لزوجها، لكن هذا لم يشفع لها في استدرار مشاعر الحب والرحمة.
وقبلت بالعيش مع أسرة الزوج، لتصير حياتها مفتوحة للجميع، ويتدخل فيها كل أفراد عائلته، وغالبا ما يُلقى عليها اللؤم في كل شيء، ويتم تحريض الزوج والحماة ضدها، لتنتهي الأمور بالعنف الجسدي واللفظي، بحسب وصفها لـ"بلقيس".
ولم تجد من يتفهمها، أو يحس بمعاناتها، وحتى أسرتها تتغاضى عن أخطاء وتصرفات الزوج، ويتحول أهله إلى شهود، يقلبون الحقائق، ويحمّلوها مسئولية ما حدث، ففقدت الثقة بكل من حولها.
التمادي في العنف والإساءة
تعتقد أميرة أن أسرتها تعاملت مع مشاكلها بتلك الطريقة، بدافع الحرص على استمرار الزواج، والخوف من الطلاق، والوصمة التي تلحق بالمطلقة، وتضع حولها الكثير من علامات الاستفهام، لكن الزوج استغل مخاوفهم، وتمادى في العنف والإساءة.
ومع ارتباطه بامرأة أخرى، ازدادت المعاملة سوءا، ووصلت أميرة إلى قرار نهائي بطلب "الطلاق"، واكتفت من حياة لا ترحم، ولا مفر فيها من الانفصال.
تقول أميرة: "دائما ما كان يهددني بالحرمان من الأطفال، لأنه يعرف أنهم نقطة ضعفي، ولا استطيع الحياة بدونهم، ومع إصراري على الطلاق، نفذ تهديده، وحرمني حتى من رؤيتهم".
ورفعت الأسرة قضية في المحكمة ضد الزوج، لاسترداد الأطفال الذين ما يزالون يحتاجون لرعاية الأم، لكن طريق المحاكم طويلة، ومنذ عامين تتردد على الجلسات دون جدوى.
ومنذ أكثر من عام، وأميرة تحترق شوقا لأطفالها الذين لم تستطع إلقاء نظرة عليهم، أو احتضانهم لدقائق قليلة، إلا أنها تخشى من النظر إلى صورهم، لأنها ترى التعاسة والألم في عيونهم، وتدخل في نوبات بكاء.
علاج ونوافذ أمل
وسط دوّامة الألم، فقدت أميرة الحضن الدافئ، والملاذ الأمن الذي احتواها طوال حياتها، بموت والدتها فدخلت في حالة نفسية مرضية، وعزلة تامة، ولم يعد هناك فرق بين الحياة والموت لامرأة محطمة القلب، تعيش بلا أمل، بعد أن فقدت كل ما تحب، واستسلمت لليأس، ولأيام تسير بها دون هدف ولا هدى.
صارت الجلسات العلاجية الطريقة الوحيدة لاستعادة حياتها الطبيعية، وشرعت بالعلاج النفسي في المساحة الآمنة بمأرب، التي يموّل أنشطتها صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبعد أشهر من الدعم النفسي، بدأت تستعيد عافيتها.
وتحاول أميرة أن تفتح نوافذ جديدة للأمل، وتتسلح بالتحدي، وبمساعدة "المساحة الآمنة" انخرطت في دورات تدريبية في مجال الخياطة، وحصلت على الدعم المتمثل بماكينة خياطة ومجموعة من الأقمشة، لتبدأ مشروعها الخاص.
وبخطوات حثيثة تسعى لإثبات نفسها، حتى يعود صغارها وهي قادرة على تحمل نفقاتهم ومتطلباتهم، ولا تجعلهم يحتاجون إلى أحد.
وترى أميرة أنه يجب على المرأة أن تحارب لتكسب ثقتها بنفسها، وبعدها تكسب ثقة الآخرين، وعلى الأهل أن يتفهموا ظروف بناتهم، ولا يجعلوهن ضحايا للعادات والتقاليد.



