تقارير
غثاء الكتل البشرية.. ما أسباب تراجع الحوثيين عسكريا؟

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
حاول الحوثيون خلال السنوات الأخيرة ترسيخ ما يسمونها "أسطورة المقاتل اليمني" في أوساط أتباعهم، ويقصدون بذلك أسطورة المقاتل الجبلي (الحوثي) القادم من المحافظات التي تعد حاضنة اجتماعية للحوثيين، والهدف من ذلك تقوية معنويات مقاتليهم، وإقناع الشخصيات الاجتماعية في مناطق سيطرتهم بأن نجاح مشروعهم الانقلابي السلالي مسألة حتمية وما على الآخرين إلا التسليم بذلك، غير أن المعارك الأخيرة في جبهات تعز ومأرب وحجة حطمت هذه الأسطورة قبل أن تبدأ، وكشفت مدى هشاشة المليشيات الحوثية، وما اكتسبته من قدرة على التمدد والانتشار فلم يكن بفضل قوتها، وإنما بسبب أخطاء الأطراف الأخرى المناهضة للانقلاب.
• أخطاء منحت الحوثيين قوة
في البداية، كان الحوثيون جماعة صغيرة متمترسة في كهوف وجبال محافظة صعدة، وما تحقق لهم خلال السنوات الأخيرة من نفوذ وسطوة اجتماعية في مناطق سيطرتهم لم يكونوا يحلمون به مجرد حلم حتى لحظة تفكيرهم بالسيطرة على العاصمة صنعاء ثم الانقلاب على الدولة، وهو انقلاب ليس ككل الانقلابات العسكرية في العالم، لأن الحقيقة هي أن العاصمة صنعاء سُلّمت للحوثيين بدون قتال، وسُلّمت لهم السلطة وإمكانيات الدولة بدون قتال أيضا، وبتعبير أدق، فإن من انقلب على السلطة الشرعية والتوافق السياسي هو الرئيس السابق علي عبد الله صالح، لكنه انقلب على السلطة وسلمها للحوثيين.
ويمكن القول بأن الأخطاء التي سادت العهد الجمهوري، خصوصا مرحلة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، هي التي منحت الحوثيين ما لم يكونوا يحلمون به، ثم إن أخطاء التحالف السعودي الإماراتي بزعم دعم السلطة الشرعية، منحت الحوثيين ما عجزت إيران عن منحهم إياه، ذلك أن التحالف منحهم الفرصة الزمنية الكافية لترسيخ نفوذهم وسيطرتهم وتطوير قدراتهم العسكرية ونشر فكرهم الطائفي وحشد المقاتلين ونشر الخوف والرعب في مناطق سيطرتهم حتى لا تظهر أي انتفاضة شعبية ضدهم، أما إيران فلم تقدم لهم سوى الدعم الإعلامي والخبراء العسكريين وتهريب بعض الأسلحة، وهي عملية شاقة ومكلفة، والأسلحة المهربة محدودة ولا تشكل توازنا يذكر نظير ما تمتلكه السعودية من أسلحة حديثة ونوعية.
• أسباب التراجع عسكريا
لم ينجح الحوثيون في تحقيق أي مكاسب بعد تصعيدهم العسكري في محافظة مأرب بهدف السيطرة عليها، رغم استعدادهم الكبير لذلك، بل فقد انعكس ذلك التصعيد وبالا عليهم، حيث تكبدت مليشياتهم خسائر فادحة على أسوار محافظة مأرب، كما أنها تراجعت كثيرا في محافظة تعز، بعد اندلاع المعارك لاستكمال تحرير المحافظة، وتراجعت أيضا في محافظة حجة وخسرت عددا من المواقع بعد تحرك المنطقة العسكرية الخامسة هناك.
وتتمثل أهم أسباب تراجع الحوثيين عسكريا في التالي:
- تغيُّر طريقة إدارة الحرب وفتح أكثر من جبهة في وقت واحد من قِبَل الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ذلك أن المليشيات الحوثية انتهجت منذ بداية الحرب سياسة الاستفراد بالخصوم، فهي لا تخوض أكثر من معركة بالتزامن، ومنذ طردها في بداية الانقلاب من عدة مدن، وأيضا طرد الجيش الموالي للرئيس السابق الذي كان متحالفا معها، فإن المليشيات لم تحقق أي انتصار إلا في الجبهات الضعيفة والمهمشة.
- تعتمد مليشيات الحوثيين غالبا على الكثافة البشرية في معاركها، وهي كثافة غير مدربة ولا مؤهلة وليست ذات عقيدة عسكرية ويتم تجنيدها قسريا تحت الترغيب والترهيب، وتعتقد المليشيات أن الكثافة البشرية ستكمنها من تعويض النقص الحاصل في قدراتها التسليحية والجيش الاحترافي، فالمليشيات لا تمتلك أسلحة حديثة ومتطورة بعد تدمير التحالف لمعظم مخازن السلاح الذي كان سيؤول لصالحها، والجيش الذي كان مواليا لعلي صالح وأصبح مواليا لها جزء منه انهار وتشتت مع بدء الحرب، والجزء الآخر ذاب في التشكيلات المليشاوية وقتل عدد كبير من أفراده في المعارك الأولى من الحرب في عدن وتعز والضالع ولحج وشبوة ومأرب ونهم والجوف والمخا.
- رغم أن المليشيات الحوثية تعتمد كثيرا على خبراء إيرانيين ولبنانيين وعراقيين في إدارة معاركها، لكن هؤلاء الخبراء قدموا من ساحات حرب تختلف كثيرا عن ساحات الحرب في اليمن، وتنقصهم الخبرة في الجغرافيا اليمنية وطبيعة جبهات الحرب والتحول السريع لولاءات القبائل في مناطق التماس، يضاف إلى ذلك عدم القدرة على التعامل مع الاختلال الحاصل في ميزان القوة العسكرية بين مليشيات الحوثيين والتحالف السعودي الإماراتي، فالحوثيون عندما يستعدون للسيطرة على محافظة ما، ويجهزون الخطط لذلك، فإن استعداداتهم تقتصر على التعامل مع القوات التي ستواجههم على الأرض، لكنهم غير مستعدين لمواجهة هجمات الطائرات الحربية للتحالف، والتي بإمكانها إحداث تحول كبير في ميزان المعركة في حال كانت مكثفة ودقيقة.
- لا شك أن مليشيات الحوثيين، مثلها مثل أي مليشيات مسلحة غير نظامية، تبدأ في تقديم المقاتلين عديمي القيمة، ممن يتم حشدهم بالقوة والزج بهم سريعا في الخطوط الأمامية للمعارك، وجعلهم وقود معارك لاستنزاف الطرف الآخر، في حين تبقى التشكيلات المدربة والمسلحة لحسم المعركة في نهاية المطاف بعد إنهاك الطرف الآخر، لكن هذه الطريقة في إدارة المعركة ليست فعالة في كل الأحوال، ذلك أن الهزائم والانسحاب هنا وهناك يوهن من عزيمة التشكيلات المسلحة المدربة التي ستتولى الحسم في نهاية المطاف، كونها ستبدأ القتال من جديد لاستعادة السيطرة على الأرض التي خسرتها بسبب الاعتماد على الكثافة البشرية غير المدربة.
- تعتمد مليشيات الحوثيين على التعبئة والطائفية والمناطقية لضمان استمرار بقائها وتعويض النقص الحاصل في عدد مقاتليها بسبب كثافة خسائرها البشرية وتعرضها لاستنزاف مستمر، لكن هذه التعبئة تأثيرها محدود، كونه يقتصر على مقاتليها المنتمين لنفس مذهبها ومناطق حاضنتها الاجتماعية، ومعظم هؤلاء يقاتلون ببسالة وتستمد الجماعة بقاءها منهم، لكنهم غالبا يعودون جثثا هامدة من المعارك، أما من يقاتلون في صفوف الجماعة ممن لا ينتمون لنفس مذهبها ومن محافظات لا يوجد فيها حاضنة اجتماعية للحوثيين، ويطلق عليهم صفة "المتحوثين"، فإن هؤلاء غالبا لا يصمدون في المعارك ويفرون منها في حال اشتدت وتيرتها، ولضبط هؤلاء تشكل المليشيات خطوطا خلفية مهمتها منع فرار هؤلاء وتهديد من يفر منهم بالقتل.
• غثاء الكتل البشرية
تسلك مليشيات الحوثيين التعبئة الطائفية والدعاية الحربية وحملات التضليل الإعلامي واستغلال المساجد لنشر ثقافة الكراهية، وذلك بهدف تجنيد المقاتلين في صفوفها، لكن كل هذه الوسائل ليست فعالة بالمستوى المطلوب، ولذا تلجأ المليشيات إلى تجنيد المقاتلين في صفوفها قسريا وتحت الترغيب والترهيب، وتركز على الكم وليس الكيف، والكثير من مقاتليها الجدد هم من الفئات الضعيفة اجتماعيا والفقراء وذوي الحاجة ممن يتم مقايضتهم بالراتب أو السلال الغذائية مقابل القتال في صفوفها، والنتيجة أننا أمام غثاء كتل بشرية ضخمة تسوقها المليشيا إلى محارق الموت، بينما كبار قادتها وأفراد ما تسمى السلالة الهاشمية متفرغون للنهب وجني الأموال باسم المجهود الحربي، ومتفرغون لإدارة تجارتهم ومواردهم المالية وبناء الفلل وتجارة الاستيراد والعيش الرغيد.
وتبقى مسألة التسليح، وهي من أهم المسائل في ظروف الحرب، وعلى ضوئها يمكن التنبؤ بمسار الحرب ونتيجتها. وإذا كانت مليشيات الحوثيين قد حصلت على ترسانة ضخمة من الأسلحة التي سلمها إياها حليفها السابق علي عبد الله صالح، لكن معظم تلك المخازن تم تدميرها من قبل التحالف السعودي الإماراتي، ولم يبق للمليشيات سوى السلاح الخفيف ومخازن سلاح سرية لم يدمرها التحالف، ولتعويض هذا النقص عمدت المليشيات إلى تطوير بعض الأسلحة بواسطة خبراء إيرانيين وغيرهم، غير أن هذا التطوير اقتصر على الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وهي أسلحة تأثيرها محدود ولا يمكن أن تحدث تحولا إستراتيجيا في مسار المعركة، كما أنه يمكن تحييد أثرها في حال إطلاقها صوب الأراضي السعودية، من خلال اعتراضها وتدميرها في الجو.
هذا الضعف الحاصل في القدرات التسليحية للحوثيين، يقابله ضعف مماثل في القدرات التسليحية للجيش الوطني، والسبب أن التحالف السعودي الإماراتي منع السلطة اليمنية الشرعية من شراء أسلحة حديثة ونوعية تمكنها من التسريع في حسم المعركة، أي أن التحالف جعل الطرفين في حالة من "توازن الضعف" يستطيع من خلالها العبث والتحكم بمسار المعركة وتمرير أجندته بسهولة. ومهما يكن، فإنه في حال تم تحريك مختلف الجبهات، وتخلى التحالف عما يسميها "الضربات الخاطئة" لإيقاف تقدم الجيش الوطني، فإن غثاء الكتل البشرية للحوثيين سينهار أمام عزيمة الجيش الوطني وإرادته الوطنية الصلبة.



