تقارير
غلاء المستلزمات المدرسية.. همُّ الآباء ومأساة الأطفال في تعز

قناة بلقيس - هشام سرحان
تتغيَّر ملامح المواطن عبدالقوي حميد (45 عاماً) بمجرد سماعه عن العودة إلى المدارس، إذْ يوقظ ذلك في نفسه هماً كبيراً، ويستثير حزنَه، ويذكِّره بحاجة أولاده الثلاثة وابنتيه لأزياء وحقائب وأقلام ودفاتر وغيرها من المتطلبات التي يصعب عليه تأمينها، لارتفاع أسعارها بشكل ملحوظ، وذلك بالتزامن مع تردِّي أوضاعه المادية والمعيشية، وغلاء المعيشة، وغياب الأعمال، وندرة المساعدات، وشحة مصادر الدَّخل.
توفير المستلزمات المدرسية للطلاب والطالبات العائدين إلى المدارس في مدينة تعز أضحى أمراً صعباً، ومهمة شاقة، ومكٔلفة، وتفوق قدرة حميد وغيره من أولياء الأمور على الاحتمال، في الوقت الذي يقودون كفاحاً مريراً لتوفير الطعام، والماء، وبقية متطلبات العيش الضرورية.
تشكَّل تلك المستلزمات عبئاً كبيراً، وواحدة من المشاكل المعقَّدة، التي تؤرِّق الآباء، وتفاقم معاناتهم، وتثقل كاهلهم، في حين تسرق فرحة الأبناء، وتهدد مستقبلهم، وتحول دون عودتهم إلى المدارس، ما يتسبب بحرمان العشرات من التعليم، ويدفع بهم نحو العمالة والتسوُّل والضياع، حسب روايات متطابقة.
ويعاني المواطنون في المدينة، الواقعة جنوب غرب البلاد، من موجة غلاء مركَّبة، تجاوزت المواد الغذائية، والأدوية، والمياه، والوقود، والغاز المنزلي، وإيجارات السكن، وأُجرة النّقل والمواصلات، إلى المتطلبات المدرسية وغيرها، ما وضع الكثيرين في حالة بُؤس حقيقي، وعجز مركَّب ومتعدد الأوجه.
يقول حميد لموقع "بلقيس": "أنهكنا الفقر والغلاء ، جعلنا غير قادرين على توفير المتطلبات المدرسية لأولادنا وبناتنا، إلى جانب الاحتياجات الأساسية لأسرنا، والإيفاء بالتزاماتنا نحوها".
وأضاف: "أسعار المستلزمات المدرسية ارتفعت هذا العام بشكل كبير، فالزَّي الذي كانت قيمته -العام الماضي- 8 آلاف ريال، صار اليوم ب18 ألف ريال".
تشتت وِجهات المواطنين بين شراء المواد الغذائية الأساسية غالية الثمن وتأمين الاحتياجات المدرسية، حسب حميد الذي يوضِّح: "ضاقت علينا الدُّنيا، ولم نعدْ ندرِي هل نوفِّر لأولادنا الطعام أم المتطلبات المدرسية، أم ماذا؟!".
* خيارات الفقراء
يفكِّر بعضهم باقتراض المال اللازم لشراء الاحتياجات المدرسية من أقارب أو أصدقاء، لكنّهم قد يخفقون في مساعيهم، فيرتادون المحلات والمكتبات القريبة منهم، ليستدينوا تلك المستلزمات، فيُقابلون بالرفض، ويتملَّكهم الحزن، والخوف من انعكاسات عجزهم هذا، الذي سيسرق بسمة أطفالهم، ويجعلهم عُرضة للفراغ، والأسى، والحرمان من التعليم.
يذكر الخمسيني علي خالد -موظف منقطع الراتب- لموقع "بلقيس": "توفير مستلزمات المدرسة الغالية لأطفالي أضحى بالنسبة لي هماً يُؤرِّقني ويشغل تفكيري، ويجعلني أشعر بالحزن كلما عُدت إلى المنزل بأيدٍ فارغة، ونظرتُ في وجوههم".
يضطر البعض إلى استخدام مستلزمات مدرسية متهالكة من العام الماضي. الطفل عمار محمد (12 عاماً) يجد في بقايا الدفاتر المتهالكة، والزّي المدرسي المهترئ والقصير خياراً لا مفر منه، كون والده يعمل بالأجر اليومي، ولا يستطيع شراء حاجيات جديدة له ولأشقائه وشقيقاته، لشدة فقره، وزيادة أسعارها بشكل جنوني.
يُقر التجار بأن أسعار تلك المتطلبات قد ارتفعت حالياً بمعدل ضعفين، مقارنة بالعام الماضي. الخياط سمير محمد علي (31 عاماً) يرجع -في حديثه لموقع "بلقيس"- غلاء الأزياء المدرسية إلى ارتفاع قِيمة تعرِفة الكهرباء، وأسعار الأقمشة، ومستلزمات الخياطة، وأجور العمّال، وإيجار المحل، بالتزامن مع انهيار قِيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية الأخرى.
إلى ذلك، قال عامل في إحدى المكتبات لموقع "بلقيس": "أسعار الأقلام والدَّفاتر والحقائب، هذا العام، زادت ضعفين عن العام السابق، ما انعكس سلباً على حركة البيع والشراء".
وأضاف -دون أن يدلي باسمه- "مستوى الإقبال تراجع بشكل ملحوظ، ومبيعاتنا اليومية ضئيلة، والزبائن الذين يأتون إلينا قليلون جداً، وذلك خلافاً للعام الماضي الذي كان الإقبال فيه جيداً".
وجد المواطنون أنفسهم أمام ارتفاع خيالي لأسعار المستلزمات الدراسية، ما فاقم من معاناتهم، وأعجزهم عن شرائها، ودفَعهم نحو اتخاذ حلول ترقيعية، بينها إشراك أبنائهم في استخدام الأقلام والأدوات الهندسية.
* تداعيات
تُنهِك متطلبات المدرسة الكثير من الأسر، التي تتجاهل إدارات المدارس والمعلمون ظروفها المادية والمعيشية الصعبة، وترهقها بكثرة الطلبات، واتخاذ إجراءات عقابية ضد أبنائها في حال لم يستجيبوا لذلك، ما أجبر بعض تلك الأُسر على منع أطفالها من الذهاب إلى المدارس، ودفعت بهم إلى الشوارع للعمل أو التسوُّل.
عبد الواسع الفاتكي - ناشط تربوي- يقول لموقع "بلقيس": "مع بدء كل عام دراسي تستغل المكتبات والأكشاك ومحلات الخياطة إقبال أولياء الأمور على شراء المستلزمات المدرسية، فترفع أسعارها أضعافاً مضاعفة، بحُجة ارتفاع سعر صرف الدُّولار الأمريكي والريال السعودي، ما يدفع بعض أولياء الأمور إلى اتخاذ إجراءات تقشفية، ليوفِّروا بعض المتطلّبات الأساسية، بينما يتحسّر آخرون لشدة فقرهم، وقلّة حيلتهم، وعجزهم عن شرائها".
صار الزّي المدرسي، وغيره من المستلزمات، حلماً صعب المنال بالنسبة للبعض، وأحد الاحتياجات التي تتطلّب تدخل الميسورين لتوفيرها للأطفال الفقراء. ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي تطرّقوا -مؤخراً- للعديد من الحالات المشابهة، كما دعوا فاعلي الخير إلى مساعدتهم، وتمكينهم من العودة إلى مدارسهم.
أسفرت الحرب الدائرة في البلاد، منذ العام 2015، عن تزايد أعداد الأطفال المحتاجين للمساعدات التعليمية، وتشير تقارير دولية -صدرت مؤخراً- إلى أن حوالي 8 ملايين طفل يمني بحاجة إلى ذلك.



