تقارير
غياب دور الأحزاب السياسية في زمن الحرب.. ما ثمن الصمت؟

من مآسي اليمن في الوقت الراهن، أن من يتصدرون المشهد السياسي ووسائل الإعلام، ويصدرون البيانات، ويخاطبون الجماهير، ويلتقون بالسفراء والمسؤولين الأجانب، هم زعماء المليشيات أو الكيانات غير الشرعية التي لا تعترف بالسلطة الشرعية، بينما الأحزاب السياسية -بمختلف توجهاتها- فضّلت التواري عن الجماهير، ولم يظهر قادتها على وسائل الإعلام لمخاطبتهم، والحديث عن الأزمة، وإبداء رأيهم فيها، وتصويب مسار المعركة، وهمّشت إعلامها (الحزبي) تماما، ولم تتفاعل مع وسائل الإعلام التي يفترض أنها صديقة لها، أو تجمعها معها وحدة الهدف والنضال إلا في حالات نادرة وبمبادرات فردية، ولم تصدر بيانات جماعية للتعليق على الأحداث، وإبداء مواقفها منها.
تعد الأحزاب السياسية الوجه الآخر للسلطة الشرعية، وكونها تنظيمات سياسية ليس لديها جيوش، أو قدرة كبيرة على حشد المقاتلين لإسناد الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، لكن ذلك لا يعفيها من أداء مهامها كصوت سياسي قوي يمثل المجتمع اليمني، وبإمكانها ممارسة دور ضاغط على مختلف الأطراف لترشيد مسار المعركة، ولعلّ الجميع يتذكّر الضجّة الكبيرة التي أثارها بيان أحزاب مأرب قبل أشهر، الذي لامس الجرح عندما بدا الخذلان واضحا من السلطة الشرعية، ومن تحالف السعودية والإمارات إزاء هجوم مليشيا الحوثيين على محافظة مأرب بهدف السيطرة عليها، وألقت بكل ثقلها وإمكانياتها البشرية والتسليحية لاقتحام المحافظة، وسط خذلان مكشوف -حينها- من السلطة الشرعية والتحالف الذي يزعم مساندتها.
- الأحزاب كصوت رافد للشرعية
خلال السنوات الأخيرة، تتوجّه سهام النقد نحو السلطة اليمنية الشرعية، واتهامها بالعجز والفشل. ورغم صحة ذلك، لكن يجب أن يطال النقد الأحزاب السياسية أيضا، لأن عجزها وضعفها ينعكس على أداء السلطة الشرعية الهزيل أساسا، وكذلك فإن عجز وضعف السلطة الشرعية ينعكس سلبا على الأحزاب، لأن قوام السلطة الشرعية يتكوّن من الأحزاب أيضا، لكن الأحزاب ككيانات تنظيمية تبدو متحررة أكثر من أعباء التحالفات الرسمية للسلطة الشرعية مع دول أجنبية أو الرضوخ للإملاءات الخارجية، وهو ما يمنح الأحزاب حريّة أكبر في الحركة، والضغط قدر المستطاع لتصويب الأخطاء في إدارة المعركة.
كما أن الأحزاب السياسية، إذا استمرت في تغيير قياداتها، سواء بالتزكية أو الانتخابات (الديمقراطية الداخلية)، فإن ذلك سيخفف عليها أعباء قيود التحالفات لقياداتها الراهنة، وسيكتسب المشهد السياسي حيوية ونشاطا بفضل الوافدين الجدد إلى مسرح السياسة، أي القيادات المتجددة للأحزاب، وسينعكس ذلك على أداء السلطة الشرعية ومنحها أوراقا للمناورة أو التنصل من بعض الإملاءات، وهذا من شأنه إرباك الفاعلين الأجانب وتحالفاتهم التي رسّخوها مع بعض القيادات الحزبية أو السياسية، ليتم تحقيق الاختراقات المطلوبة بواسطتهم، أو تمرير الإملاءات المطلوبة لاستمرار إنهاك البلاد في حروب وتشرد ودمار، سيظل الشعب يعاني بسببها سنوات كثيرة قادمة.
- التحالف وتقويض دور الأحزاب
كان صوت الأحزاب السياسية مرتفعا قبل الأزمة والحرب، وخلال المرحلة الانتقالية، وفي الشهور الأولى من عملية "عاصفة الحزم"، فقبل الحرب كانت أحزاب المعارضة تحشد الجماهير في مظاهرات واعتصامات كثيرة العدد للضغط على حزب المؤتمر الحاكم لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، وبعد اندلاع ثورة 11 فبراير 2011 قدّمت أحزاب "اللقاء المشترك" نفسها كحامل سياسي للثورة، بحسب توصيف بعض قياداتها، رغم أنها لم تكن ثورية، ولم تدعُ إلى الثورة، والتحقت بها بعد نحو أسبوعين من اندلاعها، وعندما اندلعت عملية "عاصفة الحزم" أعلنت بعض الأحزاب تأييدها لها لإسناد السلطة الشرعية ضد الانقلاب، والبعض التزمت الصمت، لكن الأخطر في الأمر هو أن بعض الأحزاب تمزّقت إلى أجنحة، بعضها مؤيّد للسلطة الشرعية وبعضها بقي إلى جانب الانقلابيين (جناح علي صالح في حزب المؤتمر، ومليشيا الحوثيين).
وعندما بدأت السعودية والإمارات ترسيخ نفوذهما بشكل واسع في اليمن بعد اندلاع عملية "عاصفة الحزم"، وبدا لهما أن الاستقطاب السياسي عملية ليست معقّدة، وبالإمكان من خلالها إعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد، بدأت أولى محاولات تقويض دور الأحزاب السياسية الكبيرة في أغسطس 2015، عندما بدأ التحضير لتحالف حزبي جديد يحمل اسم "التكتل المدني" برعاية إماراتية، ويضم ذلك التحالف جميع الأحزاب باستثناء حزب الإصلاح وجناح الرئيس هادي في حزب المؤتمر، وربّما أن ذلك التحالف كان بهدف عزل حزبيّ الإصلاح والمؤتمر (جناح الرئيس هادي) من الحياة السياسية، لكن تعثّر تشكيل ذلك التكتل سريعاً، ولم يرَ النور رغم التحضير له، وربّما أن تعثره كان بضغوط سعودية كونه استثنى أبرز حليفين فاعلين لها حينذاك، وهما حزب الإصلاح وحزب المؤتمر (جناح الرئيس هادي)، وضم أحزاباً لها عداوة تاريخية مع المملكة، أو أن تعثّره كان لظهور خيار آخر للسعودية والإمارات وهو بعثرة الخريطة السياسية في اليمن، وتقويض دور الأحزاب بدلاً من إعادة ترتيبها، وهو ما اتضح فعلاً بعد ذلك.
- أين يكمن الخلل؟



