تقارير
فبراير.. الوعي الثوري والصمود في وجه التحديات

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
عندما اندلعت ثورة 11 فبراير 2011، توارت الخلافات السياسية بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة وأصبح الجميع يترقبون مسار الثورة، واختفت تظاهرات الحراك الجنوبي الانفصالي وحلت مكانها ساحات الحرية والتغيير في مدينة عدن ومدن جنوبية أخرى ترفع علم اليمن الموحد وتصدح بالأناشيد الوطنية، وشهدت مدينة صعدة مظاهرات سلمية بدون سلاح وترفع علم اليمن الجمهوري وتطالب بإسقاط النظام سلميا، وبعد مجزرة "جمعة الكرامة" بدأ نظام علي صالح يتفكك وأعلن عدد من قادة الحزب الحاكم وبعض وحدات الجيش الانشقاق عن النظام والانضمام للثورة، وضمت ساحات الحرية والتغيير اليمنيين بمختلف توجهاتهم يحملون مطالب موحدة، معبرين عن ذلك بصورة سلمية وحضارية.
وهكذا بدت اللحظة التي اندلعت فيها ثورة 11 فبراير بمثابة زمن يماني جديد بدأ في التشكل، وأن تلك اللحظة ليست طيا لمرحلة نظام الحكم العائلي الفاسد فقط، ولكن أيضا طيا لخلافات اليمنيين البينية، وإعادة الاعتبار للذات اليمنية، ورسم ملامح اليمن الجديد الذي يريده الشعب، وتجلت الفجوة الأخلاقية بين شباب الثورة ونظام صالح، الذي لم يتورع عن قتل متظاهرين مدنيين عزل، وبالغ في إجراءاته الانتقامية من الثورة، ودفعته أحقاده لتسليم كل إمكانيات الدولة، من مال عام وجيش ومخازن سلاح وإعلام عام ومؤسسات وبنوك، للإمامة السلالية ممثلة بالحوثيين، والتحالف معهم للانقلاب ليس على ثورة 11 فبراير فقط، ولكن الانقلاب أيضا على ثورة 26 سبتمبر 1962 والنظام الجمهوري الديمقراطي، وإعادة اليمن أكثر من خمسين عاما إلى الوراء.
- صمود الثورة
رغم التحديات التي واجهتها ثورة 11 فبراير منذ البداية، لكنها تمكنت من الصمود وإرباك المخطط الانقلابي، وكان شباب الثورة وأنصارها من أوائل فئات المجتمع التي تصدت لانقلاب الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح على السلطة الشرعية، ولو أن هذا الانقلاب حدث في ظل ظروف طبيعية ولم يتزامن مع استمرار الثورة، لما اندلعت انتفاضة مسلحة ضده منذ البداية، أي أن الثورة السلمية تحولت فجأة إلى ثورة مسلحة أربكت الانقلابيين منذ اللحظة الأولى، وتشكلت مقاومة شعبية مسلحة من رحم ثورة 11 فبراير، تحول جزء كبير منها إلى جيش وطني يكبد الحوثيين الخسائر الفادحة في مختلف الجبهات، بل وأربك المشروع الإيراني التخريبي الذي يستهدف الدول العربية جمعاء وليس اليمن فقط.
لقد كانت ثورة 11 فبراير ثورة شعب من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وشاركت فيها فئات مختلفة من الشعب، ويعني ذلك أنها ثورة متجددة بتجدد الأجيال، وإذا تخاذلت عنها فئة فلن تتخلى عنها بقية الفئات، كونها تمثل ذروة أحلام الغالبية العظمى من الشعب في إقامة دولة مواطنة متساوية ونظام جمهوري ديمقراطي تعددي ودولة عصرية تضمن حقوق الجميع في المشاركة السياسية والتنافس الشريف لخدمة البلاد.
كما أن الثورة اندلعت بعد تراكم تجارب كثيرة من الحكم الفاشل والاستبدادي والمعاناة والقهر، ولهذا يستحيل أن يقبل الشعب بعودة تجارب حكم فاسدة وفاشلة ومستبدة، تعمل على تكريس العنصرية والمناطقية والطائفية وتحتكر السلطة والثروة في جماعة أو سلالة أو عائلة أو قرية، وهي أيضا ثورة أفكار وليست ثورة أشخاص، ما يعني أنها ثورة قائمة ومتجددة بالأفكار التي تحملها، وستتطور كلما تطورت تلك الأفكار، فالأفكار باقية وقابلة للتطوير، بينما الأشخاص زائلون ومصيرهم الموت والهلاك، حتى وإن استندوا إلى سلالات عنصرية أو دعم أجنبي وفقا لدواع طائفية أو تعصب قروي ومناطقي وغيره.
- الوعي وإدارة العمل الثوري
رغم أن مسار ثورة 11 فبراير لا يخلو من الأخطاء، لكن الطريقة التي أدير بها العمل الثوري في البداية كشفت وعي الجماهير بأهمية ثورتهم وكيفية تحصينها وإكسابها زخما شعبيا والتصدي لمحاولات الالتفاف عليها أو ركوب موجتها أو عسكرتها، وكان لترحيب شباب الثورة بالمنشقين عن نظام علي صالح والقبول بهم في ساحات الحرية والتغيير دور كبير في تشجيع المزيد على الانشقاق عن النظام العائلي والانضمام للثورة، مما تسبب في تسارع تفكك نظام علي صالح، ولو أنهم لم يرحبوا بهم ورفضوا انضمامهم للثورة لبقي نظام صالح قويا متماسكا.
كما أن تمسُّك شباب الثورة بالسلمية وعدم انجرارهم إلى مربع العنف، رغم الاعتداءات الوحشية عليهم من قبل بلاطجة علي صالح، والتي وصلت حد القتل، وصمودهم أمام آلة الموت والقمع، أثار ذلك تعاطف قادة الجيش الشرفاء الذين أعلنوا انضمامهم للثورة وحمايتهم للشباب المعتصمين.
وبعد التوقيع على المبادرة الخليجية، وتسليم علي صالح السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي، استمر شباب الثورة في اعتصاماتهم ومظاهراتهم السلمية للضغط على الرئيس الانتقالي وحكومة الوفاق الوطني والقوى السياسية المختلفة لتبني أهداف ثورة 11 فبراير، خصوصا أثناء مؤتمر الحوار الوطني، بالإضافة إلى الضغوط التي نجحت في إعادة هيكلة الجيش، حتى وإن كانت الهيكلة شكلية أو غير مكتملة، وأيضا إزاحة أفراد عائلة علي صالح من مناصبهم العسكرية الحساسة.
وعندما حانت لحظة القضاء على الثورة، بدءا بمخطط استدراج شباب الثورة للتصدي لمليشيات الحوثيين عندما بدأت باقتحام العاصمة صنعاء، تنبه شباب الثورة لذلك، وكان لانسحابهم من المواجهة العسكرية مع الحوثيين أثناء محاولتهم اقتحام العاصمة، بعد ثلاث أيام من المواجهات وحرب الشوارع، دوره الكبير في جعل قوى الثورة المضادة في مواجهة مكشوفة فيما بينها، ولولا ذلك لنجحت خطة القضاء على ثورة 11 فبراير بحذافيرها.
كانت عملية "عاصفة الحزم" ذروة المواجهة المكشوفة بين قوى الثورة المضادة، الرئيس صالح ومليشيات الحوثيين، وداعميها، السعودية ودولة الإمارات. وبعد عودة الإمامة، وتمكُّن الحوثيين من قتل حليفهم علي صالح، ركز شباب ثورة 11 فبراير والقوى السياسية المساندة لها على جعل مطالب الثورة وأهدافها السبيل الوحيد لتحصين البلاد من عودة الإمامة وخطرها على اليمن ودول الجوار، مما جعل كثيرين ممن لم يؤيدوا الثورة يتبنون هذه المطالب ولا يرون فيها غضاضة، إذا كانت ستصون وحدة البلاد وتحصنها من خطر الإمامة.
- الثورة كضرورة وطنية
لم تكن ثورة 11 فبراير عملا ترفيا، وإنما مثلت ذروة الاحتجاج الشعبي على فشل وفساد نظام حكم علي صالح العائلي بعد أن وصل ذروته، ﻭﻫﻮ ﻓﺸﻞ وفساد ﺷﻤﻞ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﺠﻮﺍﻧﺐ، ﻭﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻟﻄﺐ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻭﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﺨﺪﻣﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ، ﺣﺘﻰ ﺑﺪﺍ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﻧﺴﺨﺔ ﻣﺸﻮﻫﺔ ﻣﻦ ﻋﻬﺪ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻹﻣﺎﻣﻲ ﺍﻟﻜﻬﻨﻮﺗﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﺳﻤﺎﺗﻪ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﻤﺮﺽ ﻭﺍﻟﺠﻬﻞ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﺒﻄﺎﻟﺔ، ﻭﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﻓﺮﺹ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﺗﺪﻧﻲ ﺍﻟﺪﺧﻞ ﺍﻟﺴﻨﻮﻱ ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻦ ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ، ﻭﺿﺂﻟﺔ ﺭﻭﺍﺗﺐ ﻣﻮﻇﻔﻲ ﺍﻟﻘﻄﺎﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻣﻤﺎ ﺗﺴﺒﺐ ﺑﻈﻬﻮﺭ ﻭﺗﻨﺎﻣﻲ ﻇﻮﺍﻫﺮ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺧﻄﻴﺮﺓ، ﻣﺜﻞ: ﺍﻻﻧﺘﺤﺎﺭ، ﻭﺍﻟﺴﺮﻗﺔ، ﻭﺍﻟﻘﺘﻞ، ﻭﺍﻟﺠﻨﻮﻥ، ﻭﺍﻻﺿﻄﺮﺍﺑﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ، ﻭﺍﻟﻬﺠﺮﺓ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺩﻭﻝ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭ ﺑﺤﺜﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ.
إذن، لقد كانت ﺛﻮﺭﺓ 11 ﻓﺒﺮﺍﻳﺮ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻭﻃﻨﻴﺔ ﺍﻗﺘﻀﺘﻬﺎ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻧﻈﺎﻡ ﺣﻜﻢ ﻻ ﻳﺆﺗﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻣﻨﻬﺎ ﻭﺍﺳﺘﻘﺮﺍﺭﻫﺎ، ﻭﻻ ﻳﺆﺗﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ، ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺎﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﻣﻮﺍﻃﻨﻴﻬﺎ، ﻭﻳﺴﺨﺮ ﻛﻞ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺎﺕ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﻣﻘﺪﺭﺍﺗﻬﺎ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﻌﻴﻦ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻐﺎﻟﺒﻴﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ ﻳﻌﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﺠﻮﻉ ﻭﺍﻟﻤﺮﺽ.



