تقارير
فرحة أخذتها الحرب.. عيد آخر في الشتات تحت خيمة غير سعيدة

عيد سابع يمر على أم أحمد دون صخب الأطفال ولمّة الحبايب والأقارب والأصحاب، فقد مرَّ العيد بصمت من بين أوجاع النازحين وشتاتهم وقساوة معيشتهم.
يوم عيد مرّ لن يختلف عن الأيام القادمة، بل يعتبر الأكثر حزناً وحسرة يمر به النازحون، متذكرين أعياد السعادة، التي سبقت سنوات الحرب والنزوح.
أم أحمد (35 عاما) نزحت مع أطفالها الثلاثة من محافظة الجوف بسبب الحرب، لتستقر بعد تكرار نزوحها للمرة الثالثة في صحراء "الرويك" على بُعد 125 كم عن مدينة مأرب.
تقول أم أحمد لموقع "بلقيس": "نزحنا من الجوف إلى مفرق الجوف بمأرب، ومنه إلى الجدعان بمأرب، والنزوح الثالث إلى الرويك"، مشيرة إلى أنها شهدت عيد الفطر في كل مخيم، وفي كل رحلة نزوح.
وتابعت بحسرة: "ذقنا المعاناة. تشرّدت أسرتي، واليوم وحيدة في هذا الخلاء (الصحراء)".
اختصرت أم أحمد معاناة اليمنيين، فقد فقدت معيلها على أطراف الجوف بسبب الحرب، وفقدت نجلها الأكبر أحمد وشقيقها الأصغر بألغام في طريق صحراء اليتمة شمال الجوف، وباتت اليوم وحيدة في عيد دون فرحة ولا سعادة، مؤجّلة فرحتها حتى تعود إلى ديارها لتعمل في الزراعة ورعي المواشي، حسب تعبيرها.
تتذكر أم أحمد ماضيها القريب: "كانت أعيادنا تأتي ونحن في فرحة وشوق للقاء الأهل، وزيارة الأقارب، وقضاء أيام الأعياد مع الأبناء والجيران، لكنها اليوم تأتي بالأحزان وذكريات الماضي".
تعمل أم أحمد في حياكة أحزمة الجنابي بحرَفية عالية، يشهد لها فهد سالم (20 عاما) بعد شرائه منها حزاما لجنبيته قبل العيد بثلاثة أيام بمبلغ 30 ألف ريال (30 دولارا).
يسكن فهد خيمة والده إلى جوار أم أحمد و10 أُسر أخرى في مخيم "الرويك الشرقي"، جمعتهم المعاناة والتشرّد الذي تسببت به الحرب.
يقول فهد -يعمل في رعي الأغنام والإبل- إن العيد لم يعد له مذاق أو اهتمام من الناس، والوضع المعيشي دفع الناس ليفكروا بقوت يومهم، وحسب.
ويضيف أنه لم يستعد للعيد سوى بجنبية، وثوب داكن، وشال صحراوي، بعد أن باع إحدى غنمه التي يرعاها طوال العام، مشيرا إلى أن أقرانه من الشباب لم يحظوا بما حصل عليه، وأنهم "عيّدوا بملابسهم القديمة".
- معاناة إضافية
ليس الشتات والفاقة ما يعكر على النازحين فرحة العيد فقط، بل إن الطبيعة زادت من معاناتهم.
فالأمطار، التي اجتاحت المخيمات، واحدة من المتاعب المتكررة، حيث تزداد خلال موسم الصيف الماطر الذي اقترب من بدايته.
المنظمة الدولية للهجرة تقول، في تقرير لها: "إن ما يقرب من 100 أسرة تضررت من الأمطار التي ألحقت أضرارا بالغة بمخيمي الرويك وأبو جنب شرق مأرب".
تقول أم أحمد إن مياه الأمطار غمرت خيمتها الوحيدة، وبللت ملابس العيد التي اشترتها قبل شهرين لأطفالها من مدينة مأرب.
وتضيف "بعد أن غرقت ملابس العيد، غسلتها، وجففتها، وألبسنا الأولاد".
وتوضّح أنها إذا ما توقّفت عن العمل والرعي ستموت جوعاً، ولا بُد لها أن تعمل كل يوم في الخياطة وتطريز أو حياكة أحزمة الجنابي، وكذا رعي الأغنام دون توقّف.
ليست أم أحمد الوحيدة، التي تعمل لإعالة أسرتها، حيث إن واحدة من كل أربع أسر نازحة تعيلها امرأة أو فتاة في اليمن، 20% تقل أعمارهن عن 18 عاما، بحسب الأمم المتحدة.
وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة، فإن النساء والأطفال يشكلون 80 بالمائة من مجمل النازحين في البلاد.
- حرائق الخيام
أضافت حرائق المخيمات معاناة وصعوبة إلى حياة النازحين، تقول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مأرب إن مخيمات النازحين شهدت -خلال الأيام الأولى للعيد- أربعة حرائق، عكرّت صفو فرحة العيد المنقوصة أصلا في أوساط النازحين.
حيث خلّفت أعدادا من المصابين وخسائر في الممتلكات، بالإضافة إلى نشر الرعب والخوف في أوساط النازحين المجاورين، في الوقت الذي من المفترض أن يكونوا سعداء، رغم قساوة الوضع.
- آمال النازحين
يقول مدير مكتب حقوق الإنسان في أمانة العاصمة، فهمي الزبيري، لـ"بلقيس" إن النازحين "يتذكرون مواطنهم الأصلية، وأقاربهم وأرحامهم، الذين باعدت الحرب بينهم، ومنعت عنهم الوصل واللقاء، وتتجدد أوجاعهم ومآسيهم بسبب الحرب، التي أشعلتها جماعة الحوثي".
ويضيف أن "معاناة الحرب لم تتوقّف عند النزوح لمرة واحدة، بل إن آلاف الأسر نزحت للمرة الثالثة والرابعة، وبعضها أكثر، بسبب تعمّد استهداف مخيماتهم بالقصف الصاروخي والمسيّرات المفخخة والاجتياح المسلح".
ويشير الزبيري إلى أن النازحين يعيشون في خيام مهترئة، وهم بحاجة إلى أبسط أساسيات العيش، في ظل صمت وتجاهل دولي مريب لما يتعرّضون له.
يلفت الزبيري إلى إن النازحين يتعرّضون لخذلان وتجاهل حقيقي من قِبل المنظمات الدولية، رغم الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي يتعرّضون لها من قِبل جماعة الحوثي.
ويضيف "آمال اليمنيين معلّقة على مجلس القيادة الرئاسي لإنهاء الحرب بأي طريقة كانت،
ليعودوا إلى ديارهم، وأملاكهم وأهاليهم، رغم الكثير من اليقين بعدم جنوح جماعة الحوثي للسلام، واحترام الاتفاقيات".



