تقارير
في ظل استلاب القرار الوطني.. هل ما يزال خيار المقاومة الشعبية واردا؟
يعود خيار المقاومة مجددا إلى واجهة الأحداث في البلاد، بعد سنوات من تخلي الحكومة الشرعية عن دورها واستلاب القرار الوطني، وما خلف ذلك من آثار على حاضر اليمنيين، ومستقبلهم.
أمام التهديد الحوثي، الذي يعد تهديدا وجوديا، وأمام التراجع الرسمي عن هدف استعادة الدولة، يتساءل البعض: هل ما يزال خيار المقاومة الشعبية في ظل الظروف الراهنة أمرا واردا؟ وفي هذه المرحلة الحساسة، ما الذي بقي بيد اليمنيين، خصوصا وأن الحلول والتسويات القادمة تمضي لصالح المليشيا على حساب البلد الكبير، وشعبه؟
- خيارات متاحة
يقول المحلل السياسي، عبدالهادي العزعزي: "إن خيارات اليمنيين لا تزال مفتوحة، ولا يزالون يمتلكون الكثير من الصبر، رغم أنه قد مسهم الضر كثيرا طوال ثماني سنوات عجاف منذ انقلاب مليشيا الحوثي، ورغم حجم المعاناة في بلد أساسا كان مفقرا".
وأوضح: "خيارات اليمنيين كثيرة، والإعلان عن المجلس الأعلى للمقاومة، مؤخرا، يعد واحدا من الخيارات، والمقاومة لا تعني الكفاح المسلح فقط، وإنما تعني عملا منظما ومتواصلا على كافة المستويات، فهناك مقاومة ثقافية ومقاومة شعبية ومقاومة سياسية".
وأضاف: "الخيارات المفتوحة أمام اليمنيين هي ما قد تؤدي إلى حسم هذه المسألة، وأهمها قيام مقاومة شعبية على المستوى الوطني، وهي التي يمكن أن تؤدي فعليا إلى حسم هذا الملف، في الفترة القادمة، خصوصا وأن كثيرا من أوراق مليشيا الحوثي قد كشفت، وأن فترات الهدن قد كشفت لكل اليمنيين مدى سوء هذه المليشيا، التي لم تظهر سوى 65% فقط من وجهها الحقيقي".
واعتبر أن "ما يجري اليوم من إسقاط لأجزاء من الثورة اليمنية، وتغيير للمناهج الدراسية، وما تمارسه المليشيا من أعمال تجريف للمعتقدات الدينية والهوية الوطنية عند اليمنيين، هي واحدة من العوامل التي أدت إلى نشوء أي من الكيانات المقاومة، التي قد تشتعل في المحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيا أكثر من اشتعالها داخل المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية".
وأشار إلى أن "المقاومة الشعبية أحد المكونات التي انضوت تحت السلطة الشرعية، لكنها لم تذب، فهي كانت عبارة عن مجموعة من المقاومات التي بدأت في تعز وعدن ولحج والضالع ومأرب وفي بقية المحافظات، وقدمت التضحيات، وصمدت بأقل الإمكانيات، بل كانت إمكانياتها لا تتجاوز السلاح الشخصي، وأسندها المجتمع".
ولفت: "في الدول الضعيفة، وخصوصا في دول شرق إفريقيا، ودول المنطقة العربية، تظل الشعوب هي القوة الحقيقية أكثر من المؤسسات"، مستدركا: "وقد شاهدنا كيف تهاوت المؤسسات في العراق والسودان وليبيا واليمن، وكانت حلقة الإنقاذ فيها هي الجزء الشعبي".
وقال: "الجيش السوداني، وهو من الجيوش الكبيرة والنظامية، إلا أنه لم يستطع أن يتجاوز ما قامت به قوات الدعم السريع، بقيادة حمدتي، داخل السودان، ولجأ في الفترة الأخيرة إلى لجان الإسناد والدعم الشعبي، وللحاضنة السودانية التي قد تؤدي إلى انفراجة وإعادة المشهد لهيمنة الجيش؛ باعتباره المؤسسة الوطنية السودانية، والعملية نفسها تبدو هنا في اليمن، لكن مع وجود بعض الفوارق".
وأضاف: "اليمن اليوم بحاجة فعلا إلى مجلس أعلى للمقاومة الشعبية في اليمن، يضم على الأقل القيادات المقاومة في كافة المحافظات اليمنية، سواء الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، أو التي لا تزال تحت سيطرة مليشيا الحوثي، ابتداء من الساحل الغربي وانتهاء بالمهرة".
ويرى أن "المجلس الأعلى للمقاومة قد لا تكون مناطة به الكثير من الأعمال، فالسلطة الشرعية المعترف بها دوليا، التي لديها سفراء وقيادات، هي المناط بها أن تكون الفاعلة، لكن -مع الأسف الشديد- هذه السلطة تعثرت دبلوماسيا على مستوى الخارج، ولم تستطع خلق تأييد بالشكل المطلوب، لا من العالم العربي ولا من العالم الإسلامي، ولم تستطع أن تقود عملا بالشكل الكبير، سوى إيصال حملة 3000 يوم من الحصار إلى سفارات باريس وموسكو ولندن وواشنطن".
وقال: "للأسف الشديد، الحكومة الشرعية رهينة للتصريحات، التي تعبِّر من خلالها عن التزامها بخيارات السلام، وفقا للمرجعيات، في حين تبرز الأخبار أن مليشيا الحوثي ترفض بشكل كامل، الأمر الذي يضع مؤيدي المليشيا وداعميها كالولايات المتحدة وبريطانيا في حالة حرج، ويمارسون ضغطا ضد الشرعية".
واعتبر أن "الخطاب السياسي للحكومة لم يعد يجدي نفعا، لكن هي من بيدها الإمكانيات والجيش والبنك المركزي، وهي من قيدت نفسها، ولم يقيدها أحد، وعليها أن تحسم أمرها".
وأضاف: "لا اعتقد أن الرئيس رشاد العليمي لديه الحول والقوة، فهو رئيس الجمهورية عمليا، وبيده تحالف دولي، ويستطيع أن يتجه إلى الأمم المتحدة لتحديد موقف وفرض التزامات، ويستطيع أن يتحرك إذا أراد إلى المجتمع الدولي لدى الدول الدائمة في مجلس الأمن، لكنه لم يتحرك".
ويرى أن "عدم تحرك رئيس الجمهورية والحكومة يمنح المقاومة الشعبية مساحة أكبر من المساحة المفترض أن تأخذها، وهم بهذا يجعلون الشارع والغالبية من أنصارهم ينضوون مع هذه المقاومة كما يجعلون منها أملا حتى لتلك المحافظات، التي لا زالت مليشيا الحوثي تفرض هيمنتها عليها بقوة السلاح، وخيارا أساسيا للشعب اليمني".
وأكد أن "الشعوب هي من تصنع أقدارها ومصيرها، وهذا ربما ما بدا جليا في الصومال، وأيضا يبدو في السودان، واعتقد أننا نحن جزء من القرن الإفريقي، أكثر من كوننا جزءا من شعوب البحر المتوسط".
وبيّن: "اليمنيون لديهم تجربة سابقة في مسألة المقاومة الشعبية، فالمقاومة هي من حمت صنعاء في حصار السبعين، وكان لها الصوت الأعلى، واستطاعت أن ترجح المسألة الجمهورية بكل قوة"، مضيفا: "لذا نحن بحاجة إلى المجلس الأعلى للمقاومة، كقوة شعبية لا يمكن تثبيتها على مستوى سياسي كقوى إيديولوجية، ولا يمكن تحجيمها على المستوى الشعبي، كون غالبية قياداتها هم رموز شعبية".
وأوضح: "يجب أن يعرف الجميع، حتى وإن كان هناك تفاوض - وأنا أشك في ذلك - فإن المقاومة رقم ويجب أن يحسب له ألف حساب، مثلها مثل مكونات الشرعية ومليشيا الحوثي، وغيرها ممن تسميهم الأمم المتحدة -مع الأسف الشديد- الأطراف اليمنية".
وتابع: "يجب على المقاومة أن تستكمل أدواتها، وأن تبني مكتبها الفني، ومنظومة من العلاقات الدولية، فنحن في منطقة عليها صراع دولي محموم، والجميع يبحثون عن موطئ قدم داخلها، وعليها التحرك وفق خياراتها وخيارات اليمنيين دون أن يملي عليها أحد".
- فكرة جيدة
يقول رئيس دائرة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني سابقا، اللواء محسن خصروف: "فكرة تشكيل مجلس أعلى للمقاومة الشعبية من حيث المبدأ هي فكرة جيدة".
وأوضح: "توجد قيادة موحدة لكل مجالس المقاومة الشعبية اليمنية في كل المحافظات شيء ممتاز، لكن كان يتطلب تخطيط أفضل، وتنسيق وتشاور مسبق، فأنا مثلا عرفت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك آخرون".
وتابع: "الشيخ حمود سعيد المخلافي نيته حسنة، ولديه أفكار رائعة، ويريد أن يوحد البندقية المقاتلة ضد مليشيا الحوثي، ويريد أن يستعيد الدولة؛ لكنه بحاجة إلى فريق عمل يخرج هذه الفكرة إلى الواقع، بشروط موضوعية، يتقبلها الجميع".
وأشار إلى أن "هناك هجوما كبيرا على مجلس المقاومة، لكن أتمنى أن الشيخ حمود سعيد المخلافي ومن معه يصمدوا ويقوموا بتوسيع دائرة المختارين، من خلال التنسيق والنقاش والتشاور مع المحافظات، التي أصدرت بيانات بأنها لا علاقة لها بهذا المجلس، بحيث تصبح فكرة على أرض الواقع".
وتابع: "كل مجلس من مجالس المقاومة في المحافظات، له ظروفه الخاصة، وهذه المشكلة لا تبعد عن مشكلة الاستقطاب، التي نعاني منها بين طرفي التحالف، لكن بالتنسيق والحوار والتفاهم يمكن أن تصبح الفكرة قائمة على الأرض".
ولفت إلى أن "الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، في بيان التنحي المفروض عليه، كان اشترط على مجلس القيادة الرئاسي ثلاثة شروط، وهي: استعادة الدولة، وتحقيق السلام، وتوحيد القوات المسلحة، لكنه لم يتحقق شيء من هذا".
وقال: "استعادة الدولة وتحقيق السلام لن يكون إلا بخيارين، إما من خلال الحوار المباشر، سواء مع الانقلابيين في صنعاء أو عدن، أو القتال حتى الانتصار، وفي حالة الخيار الثاني يتطلب أن يكون للمقاومة الشعبية قيادة وأهداف موحدة وخطط تكتيكية وإستراتيجية موحدة، بالتكامل مع القوات المسلحة، ورجال القبائل".



