تقارير
قصة فنان تشكيلي وأستاذ جامعي انقطع راتبه

يسُوء حال الرَّسام التشكيلي والأستاذ الجامعي، الدكتور مفيد نعمان اليوسفي (56 عاماً)، يوماً بعد آخر، ويُعاني مع أسرته عذابات لا متناهية، وحياة قاسية، وظروفاً بالغة السُّوء والتعقيد، وأوضاعاً مادية ومعيشية وإنسانية شديدة التردي والخطورة، جراء انقطاع راتبه للعام السادس على التوالي.
لم يتسلم راتبه منذ العام 2016، ما فاقم معاناته وأثقل كاهله، وأعجزه عن إطعام عائلته، وتوفير متطلباتها، وإعادة أطفاله إلى المدارس، التي غادروها، كما أغرقه بكثرة الهموم وتراكم إيجارات السكن، والديون، وجعله عرضة للخوف، ومخاطر المواجهات ونيران أسلحتها المتساقطة بين الحين والآخر على مسكنه المتواضع، الواقع في الناحية الشرقية لمدينة تعز، وتحديداً في حي "الجُملة" القريب من معسكر 'الأمن المركزي' شرقي المدينة، وهي منطقة تماس خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
بعد تجربة فنية وأكاديمية طويلة، يترنّح بصمت، وينهكه الإهمال والتنكّر والخذلان الحكومي. وتشتد حسرة الرجل، وهو محاضر خبِرته قاعات الدراسة في جامعة 'إب' الحكومية، كما أنه رسام له حضوره وبصماته ومشاركاته المحلية والدولية الواسعة منذ سبعينيات القرن الماضي، ما يجعله -في نظر كُتاب وإعلاميين- واحدا من أبرز روّاد الحركة التشكيلية في البلاد.
ظهرت بوادر موهبته في طفولته، وعمل -منذ العام 1978 وحتى 1987- رساماً كاريكاتورياً لدى كلٍ من صحيفة الجمهورية والثورة و26 سبتمبر الرسمية، كما خاض غمار الرّسم التشكيلي، وتصدّرت رسوماته الكثير من المعارض المحلية والخارجية، كما تم تكريمه بالعديد من الميداليات والشهادات التقديرية، وهي تفاصيل تناساها اليوم، ولم يعد يتذكر سوى انقطاع راتبه الذي يعتمد عليه في تأمين لقمة عيش أسرته، وهو ما لم يعد ممكناً بالنسبة له.
تلقى اليوسفي تعليمه الأساسي والثانوي في مدينة تعز، ثم التحق عقب ذلك بأكاديمية "السينما" الروسية في العاصمة موسكو، ودرس البكالوريوس، ثم حصل -العام 1995- على الماجستير بامتياز، وذلك في مجال إخراج أفلام الرُّسوم المتحرّكة.
التحق -العام 1999- بالعمل في قسم التربية الفنية بجامعة إب، بعد أن شارك في تأسيسه.
ابتعث -في العام 2004- إلى جمهورية بيلاروسيا، لاستكمال دراسته العليا في جامعة بيلاروسيا للعلوم التربوية، التي حصل فيها- العام 2009- على الدكتوراة بامتياز، وعاد عقب ذلك إلى العمل في جامعة إب، أستاذاً للتصميم والتصوير والرّسم والنّقد الفني والجمالي ومساقات تاريخ الفن.
عذابات
ترفض الحكومة الشرعية صرف رواتبه مع مئات الفنانين والمثقفين والأكاديمين، وتتجاهل معاناتهم مع أسرهم، ما جعل اليوسفي محاطاً بالفقر والقلق، وشدة الحاجة، وقلّة الحيلة، والخوف من المجهول، وعرضه لمطالبات دائنيه، ومضايقات صاحب الشقة، وتهديداته المستمرة بطرده مع أطفاله، الذين يترصّدهم التشرّد والحرمان.
يستجدي اليوم الحكومة الشرعية بماضيه وحاضره، ويطالبها بصرف رواتبه، وإنقاذه مع أسرته من وضعهم المأساوي، فضلاً عن مساعدته في مواجهة تنمّر مالك الشقة التي يسكنها، وتفادي الطّرد منها رغم تواضعها ومخاطر وقوعها في خطوط التماس.
يتحسس، وهو واحد من أبرز روّاد ومؤسسي الحركة التشكيلية في البلاد، ملامح وجهه ولحيته الكثّة والمكسوة بالبياض، ويجتر تنهيدات عميقة، وآهاتٍ حارة تفصح عن حسرة كبيرة وألم دفين يستعر في أعماقه، ويدخله في حالة شرود متقطّعة يُراجع فيها خيباته ومطالبات دائنيه، في ظل غلاء المعيشة، وندرة المساعدات والأعمال، ومصادر الدخل.
يقول لموقع "بلقيس": "تتلخص معاناتي في إنقطاع راتبي، وعدم حصولي على عمل يمكنني من سداد ديوني المتراكمة منذ خمس سنوات، إلى جانب إطعام أطفالي، وتوفير متطلباتهم، والإنفاق على بعض أقاربي".
استنفد مدّخراته، واستدان الكثير من الأموال، ويجد نفسه اليوم مرمياً في وحل البؤس والشقاء، ومثقلاً بالإحباط، والحسرة، والعجز المزمن عن توفير القوت الضروري لأسرته، وتأمين احتياجاتها والإيفاء بالتزاماته نحوها، إلى جانب سداد ديونه، ودفع إيجارات مسكنه، وإثناء صاحبه عن طرده منه، وذلك بعد انقضاء المُهلة التي منحها إياه.
يتلوّى بعوزه وآلامه ومخاوفه من نيران الاشتباكات المتواترة، ولكن ذلك يبدو أقلّ إيلاماً من وقع الأفكار التي تراوده، والاحتمالات التي يتوقّعها وهو يتطّلع في الأُفق القاتم، ويجد كل الأبواب مُوصدة في وجهه، ولا شيء يبعث على الأمل، أو يشي بانفراجة قادمة في ظل استمرار الحرب، التي جرّدته من مصدر دخله الوحيد، وطوت جزءاً من ماضيه.
يذكر لموقع "بلقيس" أن غارات طيران التحالف، ألحقت أضراراً بمنزله، وأحرقت مرسمه، ومعظم أعماله، وجزءاً من مكتبته".
هواجس وهموم
يقرّ بأن فاتورة انقطاع الرّاتب باهظة، وأضرارها المادية والجسدية والنفسية جسيمة، ويَعد الطّرد المتكرر من السكن إحدى التبعات المؤرّقة، إذْ أُجبر سابقاً على مغادرة منزله القريب من مكان عمله في جامعة إب، التي لم تمنحْه سلفةً لسداد الإيجارات، ما اضطره إلى العودة إلى تعز ليعيش في شقته الحالية، ويعاني مرارة الخوف، وتراكم الإيجارات والطَّرد مجدداً.
يوضّح: "فاقم انقطاع الراتب من معاناتي ومشاكلي وأفقدني القدرة عن الإيفاء بالتزاماتي نحو أسرتي، وجعلني عُرضة لمطالبات أصحاب الديون، وإذلال وإهانات مالك الشقة، الذي يطلب منّي اليوم إخلاء المنزل، وسداد كافة الإيجارات التي عليّ".
يخشى نفاد صبر دائنيه، والمصير المجهول الذي يترصّد أسرته، التي توقّفت حياتها وتعليمها، وتنزلق كل يوم نحو المزيد من التردّي، كما تقف على بُعد خطوة من المجاعة والتشرّد والمرض، والتسوّل في الشوارع، ويرى -في ختام حديثه لموقع "بلقيس"- أن ذلك نتاجاً طبيعياً لسياسة الإفقار التي تمارسها الحكومة الشرعية ضدّه وضد الكثيرين من الفنانين وأساتذة الجامعات.



