تقارير
قيادة الأطفال.. مغامرة بين خطي الحياة والموت

تكررت شكاوى أهالي الحي من تهور واستهتار عبدالله -13 عاماً- في قيادته لسيارة والده، واستعراضه بالسرعة الزائدة، لكن الأب كان يقابل الشكاوى ببرود ولا مبالاة، أو بوعود غير جادة بأنه سيضع حلا للقضية وسيعاقب نجله لتهدئة الأهالي.
ولم يدرك الأب خطورة ما يقوم به عبدالله –اسم مستعار-، وما يحذره منه الناس ويخشوه، إلا عندما وقع الفأس في الرأس، ونقل له الأهالي وفاة طفل في الحي في حادث مروع تحت إطارات وايت نقل الماء الذي كان يقوده نجله.
صعود الشاحنة فوق صدر الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة، وانفصال رأسه عن جسده، أصاب الناس بالذهول والرعب، وصبوا جأم غضبهم على الطفل المدلل التي تحولت لديه حالة الاستهتار إلى مشاعر من الخوف والبكاء.
وانتهت القضية بتنازل أولياء الدم، وسط رفض واسع من أهالي الحي الذين يرون ضرورة اتخاذ إجراء تأديبي للأب ونجله، حتى يدرك حجم الجريمة التي ارتكبها، ولا تتكرر المأساة.
ارتفاع معدلات حوادث الدهس
قيادة الاطفال لسيارات فارهة ظاهرة تتسع بشكل متواصل، خاصة مع بروز فئة اجتماعية استفادت من الأوضاع التي خلفتها الحرب للحصول على الثراء، وتحسين مستواها المعيشي، على الرغم من أن قانون المرور رقم(46) لسنة 1991م وتعديلاته، يمنع قيادة السيارة أو منح تراخيص لما دون سن الثامنة عشر، بهدف الحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم.
وتظهر تقارير وإحصائيات الإدارة العامة للمرور التابعة لسيطرة جماعة الحوثي، ارتفاع لافت لأرقام حوادث السير خاصة بأمانة العاصمة التي تجاوزت نسبة الحوادث فيها 40% من إجمالي الحوادث في المحافظات التابعة للجماعة.
وخلال العام 2019، بلغ إجمالي الحوادث المرورية في أمانة العاصمة 2716 حادثاً مرورياً, نتج عنها وفاة 270 شخصاً، وإصابة 2832، معظمهم إصابتهم بليغة، وتسببت بخسائر مادية بلغت مليارا و 228 مليونا و900 ألف ريال.
وساهمت قيادة الاطفال في احتلال حوادث الدهس المرتبة الأولى بواقع 1100 حادثة، تليها 865 واقعة تصادم بين سيارات ودراجات نارية، وكانت السرعة الزائدة، والقيادة المتهورة، أهم أسباب وقوع الحوادث.
ظاهرة مقلقة
حوادث الدهس الناتجة عن القيادة المتهورة أصبحت مصدر قلق لجهاز المرور، وخطرا يهدد حياة الناس في أمانة العاصمة التي يقدر إجمالي الآليات المتحركة في شوارعها بنحو ٤٥٠ ألفاً، منها ١٢٠ ألف سيارة أجرة، و٢١ ألفاً و٦٥٧ حافلة، وعشرات الآلاف من الدرجات النارية والحافلات وسيارات الأجرة التابعة للنازحين القادمين من مختلف المحافظات، بحسب مصدر مسئول بإدارة المرور.
ويقول المصدر لـ"بلقيس": قيادة الاطفال والمراهقين تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة خطرة يجب الحد منها، ومن أبرز أسباب حوادث السير، وتعبر عن استهتار الآباء الذي يسلمون سياراتهم لأطفال بعضهم بعمر 12 سنة بحياة الناس، وحياة أطفالهم على حد سواء.
نهايات مأساوية
غياب الدولة والحالة الفوضوية التي تعيشها صنعاء ساهمت في انتشار الظاهرة، بالإضافة إلى بروز طبقات غنية ترى أن سواقة الطفل بمثابة مظهر اجتماعي تفاخر به، ونوع من التدليل والتباهي بحياة الرفاهية من غير أن تضع في حسبانها العواقب، ولا النهايات المأساوية التي تحصد الكثير من أرواح الأبرياء.
وفي شمال أمانة العاصمة، أنهت قيادة الاطفال صداقة طويلة بين الجارين "سميح وناصر" اللذين اعتادا أن يقضيا معظم الأوقات معا، وقطعت وفاة "مراد سميح" بحادثة دهس على يد نجل ناصر كل أواصر العلاقة والود، حيث وافق والد الضحية على التنازل عن دم ابنه، مقابل مغادرتهم للحي، وعدم رؤية الجاني مجدداً، فباع ناصر المنزل وغادر الحي، تاركاً خلفه مأساة إنسانية، وذكرى حزينة ستظل حاضرة في وجدان العائلتين.
ويؤكد المصدر في إدارة المرور أن هذه الحوادث لا يمكن تفاديها إلا باتخاذ إجراءات صارمة، تمنع قيادة صغار السن، وتضع ضوابط ملزمة تجاهها، بالإضافة إلى توعية أولياء الأمور بمخاطر قيادة الأطفال، على أنفسهم والآخرين، لأنهم ما يزالون في مرحلة عمرية يعجزون فيها عن السيطرة والتعامل مع الأحداث الطارئة، لا يدركون عواقب الطيش والسرعة الزائدة.



