تقارير
كيف أثرت التفاعلات الخارجية على الهدنة في اليمن؟

بات من النادر أن تشهد الأوضاع في اليمن تطورا ما دون أن يكون للعامل الأجنبي وحساباته دور فيه، بل فاليمن تتأثر بمختلف التفاعلات والتوترات والصدامات في الإقليم والعالم، وغالبا ما يكون ذلك التأثير سلبيا نتيجة هشاشة الوضع الداخلي، إنها جناية الجغرافيا الثابتة التي لا يمكن تغييرها، فالموقع الجغرافي الإستراتيجي يتحول إلى لعنة على أصحابه إذا لم يستثمروه حق الاستثمار، خصوصا أن من حكموا البلاد خلال العقود الأخيرة لم يستطيعوا الارتقاء إلى مستوى الأحداث والتحديات، لذلك يسهل الاستخفاف بهم، والنتيجة تآكل سيادة البلاد وجعلها دائما عرضة للتدخل والنفوذ الأجنبي.
من الممكن تفهم التدخل الأجنبي في المحطات المفصلية في تاريخ البلاد، نظرا لتقاطع المصالح -أحيانا- بين بعض الفاعلين المحليين والأجانب وتشابك ملفات الصراع، لكن أن يصبح مجرد حدث عادي، مثل هدنة إنسانية هشة، عرضة للتفاعلات الخارجية فهذا يستنزف ما بقي في العقل من قدرة على التفكير والرؤية الشاملة لمصير اليمن بشكل عام بعد أن تشظى وتناثر في اتجاهات متعددة، وسط عجز مختلف المكونات اليمنية عن توحيد صفوفها ومواجهة المخاطر التي تهددها جميعا دون استثناء.
- الهدنة في كف إيران
في 11 سبتمبر الماضي، ظهر المتحدث باسم مليشيا الحوثيين ورئيس وفدها المفاوض، محمد عبد السلام، في طهران، وأطلق تهديدات بأن مليشياتهم لن توافق على تمديد الهدنة إلا إذا أعيد النظر في اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء ما وصفه بالحصار وخروج القوات الأجنبية من اليمن، إلى جانب دفع رواتب الموظفين.
هذا التصعيد الحوثي بشأن تمديد الهدنة، جاء خلال زيارة المتحدث باسم المليشيا إلى إيران، والتي التقى خلالها بعدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، بينهم برلمانيون ودبلوماسيون وقيادات أمنية، وكان أهم تلك اللقاءات هو اللقاء الذي جمع بين محمد عبد السلام وعلي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى.
وبعد انتهاء الهدنة بأيام، أعلنت مليشيا الحوثيين موافقتها المبدئية على تمديدها، ولكن عبر وسائل إعلام إيرانية، حيث ذكرت وكالة "مهر" الإيرانية أن كبير مستشاري وزير الخارجية الإيراني أجرى مكالمات هاتفية مع المتحدث باسم مليشيا الحوثيين، محمد عبد السلام، وأكدا "استعدادهما" لتمديد وقف إطلاق النار، وحلحلة القضايا الإنسانية في اليمن.
إذن، لقد أطلقت مليشيا الحوثيين أولى تهديداتها بشأن تمديد الهدنة من طهران، وبعد انتهاء الهدنة ورفضها تمديدها تراجعت وأعلنت موافقتها المبدئية على تمديد الهدنة عبر وسائل إعلامية تصدر من طهران، دون تحديد موقف واضح لتبقي المجال مفتوحا للمراوغة، ويحمل كل ذلك رسائل إيرانية مفادها أن الهدنة في كف طهران، وأن أي ترتيبات بشأن الحرب أو وقف إطلاق النار لا يمكن أن تتم دون موافقة نظام الولي الفقيه وأن تحصل طهران على مكاسب خاصة من الهدنة في اليمن، وإبرام صفقة كبرى في إطار التمكين لمشروع مليشيا الحوثيين، والأهم من ذلك أن طهران تريد تأكيد أن مليشيا الحوثيين وكيل إقليمي مخلص لها، وأنها قوة أمامية لإيران على خط باب المندب والبحر الأحمر لتهديد الملاحة الدولية وأمن الطاقة، والضغط على السعودية من خاصرتها الجنوبية، وابتزاز المجتمع الدولي.
لعل إيران -في هذا التوقيت- بحاجة ماسة لاستثمار أوراقها الإقليمية واختبار حدود الصبر الدولي عليها، لذلك فهي ربما تحاول الدفع بمليشيا الحوثيين لإطلاق هجمات على السعودية وتهديد مصادر الطاقة والملاحة الدولية كنوع من الابتزاز للمجتمع الدولي لتعزيز موقفها التفاوضي بشأن برنامجها النووي وإعادة تمديد الهدنة وفق الاشتراطات الحوثية، لكن ما يعيق ذلك هو الخوف من ردة فعل عنيفة ومتشنجة ضد مليشيا الحوثيين إذا حاولت تهديد أمن الطاقة، وهذا ما يفسر تذبذب موقف الحوثيين وإيران بشأن تمديد الهدنة بين الرفض والاشتراطات التعجيزية والموافقة المبدئية.
وفي الحقيقة، تواجه إيران حاليا تحديات كبيرة على الصعيدين المحلي والدولي، وإذا جاز التعبير فهي تعيش مرحلة مذلة تشبه إلى حد ما مذلة عهد محمد مصدق وما بعده، ففي الداخل هناك مظاهرات واسعة تقودها الحركة النسائية الإيرانية احتجاجا على وفاة شابة في ظروف غامضة بعد توقيفها من قِبَل ما تسمى "شرطة الأخلاق"، ويرفع المحتجون شعارات تطالب بإسقاط "الديكتاتور"، ومليشيا الحوثيين في اليمن عاجزة عن إحداث تغيير في جبهات القتال ولن تغامر بشن هجمات تستهدف المصالح الدولية وأمن الطاقة خوفا من توريط نفسها في مواجهات مسلحة ستكون فيها الطرف الأضعف والخاسر لا محالة، وأما الابتزاز بشأن تمديد الهدنة والاكتفاء بلغة التهديد والوعيد فإن ذلك دليل ضعف وعجز وليس دليل قوة.
وفي سوريا، تواجه مليشيا إيران ضغوطا ميدانية نتيجة استمرار الهجمات الإسرائيلية على مواقعها وتدمير أسلحتها ومصانعها العسكرية وإعاقة نقل الأسلحة جوا، كما أن خفض روسيا قواتها في سوريا للحاجة إليها في حربها على أوكرانيا أربك مليشيا إيران لعدم قدرتها على ملء الفراغ الذي خلفته روسيا هناك. وأما في العراق، فقد برز تحالف شيعي عربي يتوسع كل يوم ضد المجموعات الشيعية التابعة لإيران التي رفضت الاعتراف بهزيمتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتسعى لفرض هيمنتها على العراقيين بالقوة.
وإلى جانب الانتكاسات الخارجية، تعاني إيران من الثورة الداخلية وما ستتسبب به من شروخ وتصدعات إذا استمرت على وتيرتها الحالية، كما أن محادثات فيينا بشأن برنامجها النووي وصلت إلى طريق مسدود بعد رفض واشنطن الموافقة على مطالب طهران.
وهكذا تواجه إيران انتكاسات تتقلص أمامها فرص المواجهة، ولم يعد أمامها إما الانتظار حتى تنقشع السحب السوداء الملبدة فوقها، أو تبني سياسة حافة الهاوية والهروب إلى الإمام لابتزاز المجتمع الدولي واختبار حدود صبره من خلال استخدام العنف المفرط لقمع الاحتجاجات الداخلية، وتحريك أذرعها الإقليمية لشن هجمات تستهدف أمن الطاقة والمصالح الدولية في المنطقة، والتلويح بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب واستهداف ناقلات النفط في خليج عمان وبحر العرب بالزوارق المفخخة، وكل تلك الخيارات ستكون كلفتها باهظة، وكل خيار ستكون له تبعاته على الوضع الداخلي في اليمن بسبب ارتهان مليشيا الحوثيين للقرار الإيراني.
- جناية التحالف والمجلس الرئاسي على اليمنيين
لا شك أن مليشيا الحوثيين حصلت على مكاسب وأرباح بفضل الهدنة ما كان لها الحصول عليها بواسطة الحرب، لكن على الجانب الآخر هل هناك مكاسب حققها التحالف السعودي الإماراتي ومجلس القيادة الرئاسي لصالح القضية اليمنية؟ لعل الفائدة الوحيدة التي جنتها السعودية من الهدنة هي الارتياح مؤقتا من هجمات الحوثيين على أراضيها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وتوقف مشاغباتهم في بعض الجبهات الحدودية، بيد أن التحالف لم يستغل الهدنة لتقوية موقف المجلس الرئاسي الذي ظل رهين انقساماته الداخلية وغيابه شبه التام عن الساحة بشكل استفاد منه ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من التحالف وتوسيع مساحة سيطرته في إطار التمكين لمشروع الانفصال.
لقد كان من جناية التحالف السعودي الإماراتي على اليمنيين أن فائض مكاسب الهدنة تحول لصالح مليشيا الحوثيين، مع أنه كان يفترض أن تشكل الهدنة فرصة للتحالف والمجلس الرئاسي لإعادة هيكلة قوات الجيش والتشكيلات العسكرية غير النظامية ودمجها تحت قيادة وزارة الدفاع، ومعالجة التصدعات والانقسامات داخل المكونات الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، والتخفيف من الأزمة الاقتصادية.
لكن ما حصل أن المجلس الرئاسي تعاطى مع الهدنة بمنطق التنازلات لمليشيا الحوثيين والتغاضي عن سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي على محافظتي شبوة وأبين، وبذلك تكون المحصلة النهائية للهدنة: فائض مكاسب لصالح مليشيا الحوثيين، وتراكم نقاط ضعف المجلس الرئاسي لصالح مليشيا الحوثيين أيضا، وهذا ناجم عن ارتهان المجلس الرئاسي لقرار التحالف السعودي الإماراتي والتحرك وفق إملاءاته.
وهكذا توزعت أرباح وخسائر الهدنة وفقا لتأثير العامل الأجنبي، ففقدت الهدنة وظيفتها الأساسية كآلية يمكن البناء عليها لعملية تسوية سياسية شاملة، وتحولت من منظور التحالف السعودي الإماراتي إلى فرصة للتمكين لمشروع الانفصال، وتحولت من منظور إيران ومليشيا الحوثيين إلى "بيزنس سياسي" يستثمره الطرفان لمراكمة المكاسب وابتزاز المجتمع الدولي للحصول على صفقات سياسية لصالح برنامج إيران النووي والتمكين لمشروع الحوثيين في اليمن.
وأخيرا بقي تأثير المجتمع الدولي على الهدنة والأزمة اليمنية بشكل عام، فرغم توالي الدعوات الأممية والدولية لتمديد الهدنة في اليمن، لكن تلك الدعوات بلا آلية واضحة للحل السياسي، وبذلك يكون موقف المجتمع الدولي متمحورا حول تأجيل حسم الملف اليمني وتأمين مصادر الطاقة في الوقت الحالي، لكن من دون ضغوط جادة على مليشيا الحوثيين للموافقة على تمديد الهدنة، ولعل الخيار البديل لعدم تمديد الهدنة أن يظل الوضع تحت المراقبة، ولن تتحرك الدول الكبرى إلا إذا تعرضت مصالحها للخطر الجسيم.
وفي المحصلة، لا يمكن فصل الوضع في اليمن، سواء تصعيد عسكري أو هدنة (دائمة أو مؤقتة)، عن البيئة الإقليمية والدولية التي تموج بتوترات ومتغيرات وصدامات بعضها عسكري وبعضها سياسي، لا سيما أن الوضع الإقليمي المحيط باليمن مشتت بين الأطراف الرئيسية في النزاعات الإقليمية وتفاعلاتها الدولية، ولذا فإن معادلة الحسابات والتفاعلات الخارجية سيظل لها تأثيرها على مجمل الأوضاع في اليمن، خصوصا في ظل هشاشة الوضع الداخلي وقابلية بعض الأطراف اليمنية للتدخل الأجنبي وتلقي الإشارات القادمة من وراء الصحاري والبِحار.



