تقارير

كيف تسببت مجموعة من الأخطاء في استئناف الحرب السعودية في اليمن؟

21/10/2026, 02:26:00
المصدر : سي إن إن

سعى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى تحويل المملكة إلى وجهة جاذبة للاستثمار والسياحة وأكبر الفعاليات الرياضية في العالم، لكن الطائرات المسيرة والصواريخ التي تطلق من اليمن اليوم تضرب المدن السعودية، مما يغرق المملكة أكثر في الاضطرابات الإقليمية التي كان يأمل في النأي بنفسه عنها.

لقد اندلعت الحرب الأهلية في اليمن مجدداً هذا الصيف، وشهدت تصعيداً كبيراً الشهر الماضي، منهيةً بذلك سنوات من الهدوء النسبي.

فقد حاولت السعودية احتواء الصراع على حدودها الجنوبية عبر القوة العسكرية والدبلوماسية طوال 11 عامًا، إذ خاضت حرباً ضد جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، ثم سعت لاحقاً لإجراء محادثات سلام معهم، كما عملت على استعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، الداعم الرئيسي للحوثيين.

ويرى خبراء أنه، رغم هذه الجهود، أدت سلسلة من الحسابات الخاطئة إلى جعل الرياض عرضة لمزيد من الصراعات في اليمن، فقد أنهت المملكة شراكتها طويلة الأمد مع الإمارات أواخر العام الماضي بسبب دعم الأخيرة لقوة منافسة في اليمن، كما أساءت تقدير مدى استعداد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لدعمها عند الحاجة، فضلاً عن مواجهتها صعوبات في تنظيم الفصائل المسلحة المشتتة التي تقاتل الحوثيين.

وتحاول الرياض استعادة توازنها الان من خلال دعم حلفائها اليمنيين في حملة جديدة ضد الحوثيين، أُطلق عليها اسم "فجر اليمن".

وواجهت طموحات الأمير محمد بن سلمان لتغيير وجه المملكة تحديات عديدة منذ صعوده إلى السلطة قبل أكثر من عقد من الزمن، وتزداد هذه الطموحات تعقيداً اليوم في ظل هجمات تستهدف جبهات متعددة، بما في ذلك البنية التحتية النفطية التي أثرت على الصادرات، إلى جانب إلغاء مشاريع كبرى، وانخراط المملكة في حربٍ لا تلوح في الأفق أي مخرج واضح منها.

ووفقاً لما أعلنته السعودية، قُتل ثلاثة أشخاص على الأقل -بينهم طيار سعودي- هذا الأسبوع، إثر هجمات شنتها قوات الحوثي على عدة مطارات داخل المملكة.

وقد أدت الاضطرابات الإقليمية هذا العام إلى إلغاء أو تعليق فعاليات بارزة، مثل المهرجانات السينمائية التي تستقطب نجوماً عالميين، وحفلات توزيع الجوائز، والعروض الموسيقية، ويواجه المؤتمر المالي الرئيسي للمملكة، المقرر عقده في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، والذي يُنتظر أن يجذب نخبة من قادة الأعمال، ضغوطاً متزايدة في ظل هذه الهجمات.

وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية: "كل ما كانوا يريدونه هو إبقاء الصراع بعيداً عنهم قدر الإمكان، حتى لا يعرقل الحوثيون خطط التحول التي يتبنونها، وها هم الآن يجدون أنفسهم في خضمّ هذا الوضع".

 

الخروج السريع للإمارات

عندما قصفت طائرات حربية سعودية شحنة من المركبات العسكرية كانت الإمارات قد أرسلتها إلى اليمن العام الماضي، تصدّع تحالفٌ دام عقداً من الزمن بين دولتين كانتا تقاتلان معاً لمواجهة النفوذ الإيراني في اليمن؛ مما ترك المملكة تواجه الأزمة بمفردها بعد انسحاب القوات الإماراتية.

وقد أحدث هذا الانقسام مع الإمارات صدمة في المنطقة؛ إذ شنّت السعودية حملة إعلامية نادرة ضد جارتها، متهمة إياها بتأجيج عدم الاستقرار في كل من السودان واليمن، كما صوّر معلّقون سعوديون -علناً- دولة الإمارات كـ "شقيق أصغر" يتمرد على شقيقه الأكبر الأكثر حكمة.

وكتب الصحفي السعودي البارز داود الشريان في مقالٍ نُشر في يناير/كانون الثاني، أن السعودية تمثّل "الرأس والجسد" الذي يرتكز عليه الاستقرار الإقليمي، مضيفاً: "إذا تعثرت (المملكة)، يختلّ النظام بأكمله وتتفكك منطقة الخليج".

وفي الوقت الذي كانت فيه الرياض تسعى لتعزيز هيمنتها في الخليج، كانت الأوضاع على الأرض في اليمن تتغير؛ إذ كان وقف إطلاق النار مع الحوثيين، الذي استمر أربع سنوات، هشاً بالفعل، وجاء الانسحاب الإماراتي السريع، الذي طالبت به الرياض، ليترك آلاف المقاتلين، الذين أمضوا عقداً من الزمن تحت قيادة أبو ظبي، في حالة من التخبط إزاء استراتيجية الرياض الجديدة.

ويقول مقاتلون متحالفون مع الإمارات إن رحيل أبو ظبي خلّف فراغاً في السلطة لم يعمل السعوديون على ملئه.

وقال مسؤول يمني جنوبي، طلب عدم الكشف عن هويته ليتسنى له الحديث بحرية، إنه "لم تكن هناك عملية انتقال منظمة عند رحيل الإماراتيين. كان التغيير الذي طرأ على الأوضاع مخيفاً؛ فقد كانت منظومة القيادة والسيطرة الإماراتية تتسم بكفاءة عالية، ولم ينجح السعوديون في تعويض هذه الكفاءة".

وقد تواصلت شبكة سي إن إن مع الحكومة السعودية للحصول على تعليق حول ما إذا كانت القوات التي تقاتل الحوثيين على الأرض قد تلقت الدعم الكافي، وما إذا كانت قد جرت عملية انتقال منظمة للمهام.

 

ضعف الاعداد

بعد ثمانية أسابيع من انسحاب الإمارات، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وقد أشعلت هذه التحركات صراعاً أدخل المنطقة في حالة من الاضطراب غير المسبوق، ووضعت حلفاء واشنطن، بما في ذلك السعودية، في مرمى النيران الإيرانية.

ويرى عدد من الخبراء أن التوقيت كان سيئاً للغاية بالنسبة للمملكة؛ فبعد تعاملها مع مساعٍ انفصالية في اليمن مدعومة من الإمارات، وجدت الرياض نفسها أمام حرب إقليمية أشعل فتيلها الأمريكيون والإسرائيليون.

وكان من المتوقع أن تؤدي الضغوط التي مارسها ترامب على إيران في نهاية المطاف إلى دفع الحوثيين للتحرك ضد المملكة، ويقول راتني، السفير الأمريكي السابق: "كان لزاماً على السعوديين الرد بعد تعرضهم لهجوم من قوة معادية على أراضيهم... لذا، كان الرد أمراً حتمياً".

وفي الوقت الذي كانت فيه الصواريخ الإيرانية تضرب المملكة من جهة الشرق، انصبّ الاهتمام السعودي على الجبهة الجنوبية، وبدا أن الحوثيين، الذين كانوا لا يزالون ملتزمين رسمياً بهدنة مع الرياض، غير راغبين في مساعدة حلفائهم الإيرانيين؛ فعملت طهران بدلاً من ذلك على استدراج السعوديين إلى المواجهة.

وفي شهر يوليو، أرسلت إيران طائرة تجارية لنقل وفد حوثي إلى طهران لحضور جنازة خامنئي، متحديةً بذلك الحصار الجوي الذي تفرضه السعودية على اليمن، فقامت الرياض بقصف المطار الخاضع لسيطرة الحوثيين في صنعاء لمنع الطائرة من الهبوط، ورداً على ذلك، أعلنت الجماعة المتمردة انتهاء الهدنة وفرض حصار بحري على السفن السعودية، كما شنت هجوماً خاطفاً على طول الساحل اليمني، وسيطرت على مناطق استراتيجية عند مضيق باب المندب، في أكبر تصعيد منذ عام 2022. وهاجم الحوثيون منشآت وخطوط أنابيب نفط سعودية، مما أدى إلى تعطيل إمدادات الخام ورفع الأسعار بشكل حاد؛ وهو ما دفع القوات السعودية للرد بسلسلة من الغارات الجوية المكثفة.

وقال أحمد ناجي، وهو باحث أول متخصص في الشأن اليمني لدى مجموعة الازمات الدولية إن "السعوديين ارتكبوا عدة أخطاء وأخفقوا في تقدير الموقف"، مشيراً إلى أن الرياض لم تكن مستعدة لهجوم حوثي، كما افتقرت إلى التنسيق مع القوات اليمنية الحليفة التي آلت إليها بعد انسحاب الإمارات.

وقال: "لقد تسببت المناطق التي فقدوها في خلق مشكلات تتعلق بالروح المعنوية لدى حلفائهم، وبات الأمر الآن يمثل تحدياً كبيراً للسعوديين؛ إذ يمتلك الحوثيون أسلحة أكثر تطوراً تمكنت من الوصول إلى عدة مدن داخل المملكة العربية السعودية".

ويرى خبراء أن خطأً آخر في حسابات السعودية تمثل في اعتمادها على استمرار الدعم الأمريكي، فعلى الرغم من توقيع اتفاقية دفاعية جديدة مع واشنطن في العام الماضي، وحصول الرياض على تصنيف "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو" من قِبل الولايات المتحدة، إلا أنها شعرت بخيبة أمل إزاء ما تعتبره تراجعاً في الالتزام الأمريكي تجاه أمنها.

وذكرت مصادر لشبكة سي إن إن في ذلك الوقت أن الأمير محمد أجرى اتصالين مع ترامب الشهر الماضي، حثه خلالهما على توجيه ضربات للحوثيين، لكن ترامب رفض التدخل، وعقدت واشنطن لقاءات مع الحوثيين في سلطنة عمان، في مسعى منها للحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار الخاص بها مع الجماعة؛ حيث أوضح الحوثيون أن حربهم تقتصر على السعودية وحدها، مما أتاح للسفن الأمريكية حرية الملاحة في البحر الأحمر.

ويقول راتني إن السعوديين، الذين أسسوا "رؤيتهم للعالم بأكملها" على الشراكة مع الولايات المتحدة، بدأوا يدركون مدى افتقار دونالد ترامب إلى القدرة على التنبؤ، ويضيف: "لم يكن خوض هذه الحروب بمفردهم جزءاً من مفهومهم أو هيكلية جيشهم. في ظل إدارة أمريكية طبيعية، لو حدث أمر كهذا، لكنا قدمنا العون لشريكنا من خلال عملية تتسم بالعقلانية والتروي"، وتابع قائلاً: "أما الآن، فقد غابت تلك الآلية، وبات الأمر برمته يتوقف على ما يفكر فيه ترامب؛ وهو ما يجعل السعوديين يشعرون، على الأرجح، بأنهم باتوا مكشوفين".

وبدأت السعودية تبحث عن بدائل منذ ذلك الحين؛ ففي الشهر الماضي، سافر الأمير محمد إلى مصر للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثم دعا بعد أسابيع قليلة نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد، إلى الرياض لمناقشة التطورات الإقليمية، كما وافقت فرنسا على نشر أصول دفاعية، بما في ذلك أفراد عسكريون، بينما أعلنت بريطانيا أنها سترسل طائرة للمساعدة في تزويد الطائرات السعودية بالوقود، وهناك أيضاً أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي على الأرض يقدمون الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، وذلك في إطار قيادة قوات مشتركة أُنشئت حديثاً.

واتفقت السعودية وتركيا وباكستان في أعقاب اجتماع طارئ عُقد في الرياض يوم الاثنين على "تفعيل تدابير الردع الجماعي" بموجب "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، وتهدف هذه الاتفاقية، التي أُبرمت في وقت سابق من هذا العام، إلى تنسيق التعاون الدفاعي والأمني بين الدول الثلاث، كما يبدو أن قوات موالية لدولة الإمارات تشارك أيضاً في الهجوم، وهو مؤشر على حدوث تقارب، جزئي على الأقل، بين المملكة والإمارات.

 

حل إقليمي

لكن الخبراء يحذرون من أن الدعم الخارجي والمكاسب الأولية التي حققتها الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية لن تؤدي إلى تسوية النزاع، فالاقتتال الداخلي لا يزال شائعاً بين الفصائل، كما أنه لا توجد حتى الآن رؤية واضحة لشكل التسوية السياسية النهائية.

ويرى محللون أن شن حملة مستمرة ضد القوات المدعومة من إيران يتطلب مستوى من التنظيم، والدعم الإقليمي، والتمويل، والقدرات اللوجستية التي لم يثبت التحالف الحالي قدرته على توفيرها بشكل مستدام.

وقال هشام العميسي، وهو مستشار بارز للشؤون اليمنية في المعهد الأوروبي للسلام: "عليهم توحيد مراكز قيادتهم، وحل الخلافات القائمة بين الفصائل المختلفة داخل معسكرهم"، وأضاف: "لن يكون للمكاسب الميدانية التي حققوها أي قيمة إذا لم تتمكن الحكومة اليمنية (المدعومة من السعودية) من الحفاظ على سيطرتها على تلك المناطق".

من ناحية أخرى، يشير العديد من الخبراء إلى أن القتال في اليمن مرتبط بالصراع الأمريكي-الإيراني؛ فما دام التوتر مستمراً بين واشنطن وطهران، سيظل لدى إيران دافع قوي لدعم الحوثيين في عرقلة المملكة العربية السعودية.

ويرى المحللون أن دول الخليج قد تنجح في التوصل إلى تسوية دبلوماسية منفصلة مع إيران، أو قد تلجأ إلى تصعيد ضرباتها العسكرية للقضاء على قيادة جماعة الحوثي.

ويقول راتني: "لا أحد من هذين السيناريوهين كفيل بحل النزاع في اليمن على المدى القريب"، مضيفاً: "سيتعين على السعوديين ببساطة إيجاد مسار للمضي قدماً، حتى وإن كان مساراً غير مثالي".

تقارير

ما وراء تحرك مصر نحو تدخل عسكري محتمل بالصراع السعودي اليمني؟

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب الموافقة على ذلك في خطاب ألقاه يوم ​السبت، قائلا إن مصر "لن تنسى أبدا، أبدا أشقاءنا في الخليج"، ومؤكدا لقادة السعودية أن القاهرة ستنفذ "أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم".

تقارير

إدانات واسعة للهجوم الحوثي على مركز تدريب أمني في شبوة ومطالبات بمحاسبة المسؤولين

أعلنت السلطة المحلية في محافظة شبوة أن الهجوم، الذي نُفذ بعدد من الصواريخ الباليستية، استهدف المجندين أثناء مرحلة الإعداد والتأهيل، واعتبرته تصعيدًا عسكريًا خطيرًا يهدد أمن المحافظة واستقرارها.

تقارير

من مسقط إلى صنعاء والرياض.. محطات التفاوض السعودي الحوثي بين مساعي السلام وتجدد التصعيد

ظلت مسقط، العاصمة العمانية، منذ عام 2015، المقر الأساسي للقاءات المباشرة وغير المباشرة بين مسؤولين سعوديين وقيادة الوفد التفاوضي للجماعة برئاسة محمد عبد السلام. واستمرت هذه القنوات الخلفية في إدارة ملفات التهدئة وتبادل الرسائل الأمنية، وصولاً إلى محاولات حثيثة جرت أواخر عام 2025 وخلال عام 2026 لتثبيت "خارطة الطريق" واحتواء الاشتعال الميداني.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.