تقارير
كيف حول الانتقالي عدن إلى قرية بلون واحد وجرف الحياة المدنية؟
خلال خمس سنوات، عمل المجلس الانتقالي، المدعوم من التحالف السعودي - الإماراتي، على تجريف الحياة المدنية في العاصمة المؤقتة عدن، المعروفة بالتحضّر والمدنية والتعددية السياسية، وتحويلها إلى مدينة ذات لون واحد فقط، بعد أن عمد على إقصاء كل من لا يؤمن بمشروعه، ليحوّلها إلى نسخة لا تختلف كثيراً عن صنعاء، الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي.
حاولت الشرعية اليمنية تقديم محافظة عدن كنموذج لعاصمة نموذجية ومدينة حاضنة لجميع اليمنيين، لكن الانتقالي، المدعوم من السعودية والإمارات، يُصر على تقديمها بصورة القرية ذات اللون الواحد، لاسيما وأن عيدروس الزبيدي وحده من يحكم عدن في ظل تشتت بقية أعضاء المجلس الرئاسي داخل اليمن وخارجه.
- غابة موحشة
في هذا السياق، يقول الإعلامي والناشط المجتمعي، محمد بن ناصر: "إن عدن لو كانت تحوّلت إلى قرية كنا سنفرح بها، لأن القرية فيها التكاتف بين أبناء المجتمع الواحد، وكل شخص يحب الآخر".
وأضاف: "في الحقيقة تحوّلت عدن إلى غابة موحشة في كل شيء حتى على مستوى الخدمات الأساسية، بل تحوّلت إلى مستنقع موحش لكل شخص يقول لا، أو ينتقد، أو حتى يعبِّر عن وجهة نظره بكلمة".
وتابع: "أصبح أبناء عدن يعيشون في مدينة خالية من جميع مقوِّمات الحياة، لا كهرباء ولا مياه ولا نظافة، ويجدون فقط انتشارا كبيرا للسلاح وعمليات الاغتيال، والاختطاف، وبالمقابل نلاحظ صمتا على ذلك حتى في فيس بوك، لأن مليشيا الانتقالي المسيطرة كممت الأفواه وصادرت الحقوق والحريات".
وقال: "هناك جرائم وحقوق مسلوبة، لكن لا أحد يتجرأ على الكلام، وإذا ما تكلمنا نحن كناشطي مجتمع أو صحفيين وإعلاميين، على طول التهمة جاهزة؛ إخونج، من تعز، إرهاب".
وأوضح أن "المجلس الانتقالي مسيطر على عدن، ويحكم بالحديد والنار، ولا فرق بينه وبين مليشيا الحوثي في صنعاء، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، ويتفقون في كل شيء، فمليشيا الحوثي طائفية، ومليشيا الانتقالي مناطقية".
وأضاف: "الشعب يعرف من هو الانتقالي، وكيف جاء وتأسس، منذ أن كنا ننشر ونتكلم ونطالب بالخدمات في 2017م وعاد الحكومة الشرعية متواجدة في عدن، وعبد ربه في قصر المعاشيق".
ولفت إلى أنه في 2017م، كان هناك تقصير وغياب للخدمات، لكن كان يشعر بالأمان ث، ويشعر بوجود دولة.
واعتبر بن ناصر أن "القلم هذه الأيام بالنسبة للمليشيات أخطر من الرصاصة، وأقوى من السلاح الذي توجهه على الشعب، وكثير من الأشخاص تعرّضوا للتهديد بسبب كتاباتهم أو آرائهم، ولم يتجرأوا على الكلام خوفا من الاعتقال، وفضلوا الصمت من أجل أطفالهم".
وقال: "الصحفي أحمد ماهر صديقي وبيني أنا وهو عيش وملح، وكنا نجلس مع بعض في عدن ونتناقش، وهو تعرّض للتحريض من أيام بن دغر، وكان يخرج من عدن ويعود أكثر من مرة، وهو متمسك بمبادئه التي يراها بأنها صحيحة، في مسألة اليمن، والوحدة، والجمهورية، كأي مواطن يعبّر عن رأيه".
وأضاف: "بعد سيطرة الانتقالي على عدن سافر أحمد إلى خارج اليمن، لكن بعد تشكيل المجلس الرئاسي، وعودته إلى عدن مع الحكومة ومجلسي الشورى والنواب، صدّق بأن هناك تصالح، وعاد إلى عدن وكان يتحدث منها على نيّاته، إلا أنه تعرّض للتحريض الشديد إلى أن اختطفوه مع أخيه، وقاموا بإخفائه لشهر كامل، إلى أن ظهر بذلك الفيديو".
وأشار إلى أن "هناك استدعاء مؤخرا من النيابة لرئيس تحرير صحيفة الأمناء التابعة للانتقالي، الصحفي عدنان الأعجم، وهذه محاولة منهم للضحك على المواطنين بأنهم ينفذون القانون على الجميع، وشاهدنا كمية التضامن مع الأعجم من أصدقائه الصحفيين الموالين للانتقالي، إلى جانب أنهم استنكروا أن يتم استدعاء صحفي، ونسأل هؤلاء: ماذا عن الصحفي أحمد ماهر، الذي اختطف ولم يُستدعى؟".
ويرى أن "مجلس القيادة الرئاسي شرعن لمليشيا الانتقالي أن تقوم بهذه التصرفات والانتهاكات تحت مظلته".
- سلطة أمر واقع
من جهته يقول الصحفي عبدالعزيز المجيدي: "في عدن نحن أمام سلطة أمر واقع كما هي سلطة الأمر الواقع في صنعاء، إلا أن سلطة عدن تتصرّف تحت غطاء شرعي يمنحه لها مجلس القيادة الرئاسي".
وأضاف: "عندما نتحدث عن المسؤولية الملقاة على عاتق سلطات الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، التي من المفترض أنها تحمي حرية الصحافة في عدن وبقية المحافظات، لكن هذه السلطات تعمل فقط على أنها موظفة وتوفّر الغطاء لعمليات القمع الواسعة للصحافة".
وأشار إلى أنه "لم يعد هناك أحد في عدن سوى المجلس الانتقالي، وعاد مؤخرا رئيس الحكومة معين عبدالملك وهو يبدو أشبه بموظف إداري يقوم بتمرير الإجراءات الإدارية فقط، كصرف الرواتب، أما كرئيس حكومة ليس له أي وجود على الإطلاق".
ويرى أن "هناك واضح تصدع كبير في قوام المجلس الرئاسي، فاعتكاف رئيس المجلس في الرياض يعبّر عن وجود أزمة عميقة وكبيرة، فيما سلطان العرادة في مأرب، وبقية الأعضاء خارج البلاد، مع الحديث عن عملية نقاش لا نعلم بشأن ماذا، مع أن المجلس شُكّل بناءً على رغبات الرياض وأبو ظبي".
وقال: "أنا اتحدث الآن وقد بلغني بأن هناك عملية استدعاء عدد من الصحفيين على خلفية مقتل العميد عدنان الحمادي قبل 3 سنوات، وهذه القضية يتم تحريكها بواسطة الأجهزة المعروفة في عدن، ونرى كيف يتم تحريكها واستغلالها".
وأوضح أن "قضية العميد عدنان الحمادي معروف بأنها كانت قضية جنائية، فهناك قاتل ومجموعة من المتهمين إلى جواره"، مضيفا: "حتى في محضر التحقيق الذي ورد، وصلني نسخة منه اليوم وفيه تهمة مضحكة إلى حد كبير، والتي حرّكها المحامي الذي يعيش في صنعاء ويلاحق الصحفيين في عدن".
وتابع: "محضر التحقيق يقول بأن المتهم اعترف بأن لديه مشاكل شخصية مع شقيقه، من ضمنها بأن الحمادي كان يأمر حراسته بأن يهينوه أمام الناس، وهذه من الأمور المثبتة في لائحة الادعاء، التي وجهها محامي أولياء الدم، ثم بعد ذلك يتم توظيف المسألة بشكل سياسي ضد صحفيين لهم وجهة نظر حيال سياسة التحالف تحديدا".
ويرى أن "الهدف الرئيسي من تلك الإجراءات ضد الصحفيين هو تضييق الأمر على الصحافة والصحفيين، وأيضا خلق صورة موازية لواقع الصحافة في صنعاء".
وأشار إلى أن "الوضع في عدن لم يعد خافيا على أحد، فهناك عمليات قمع ممنهجة ليست مرتبطة فقط بالأطراف الداخلية التي تتماهى مع المشاريع الخارجية، وإنما هي تمثل أجندة خارجية لا تريد صوتا يرتفع في وجه السياسات التخريبية التي تنتهجها هذه الأطراف داخل البلد".
وتساءل المجيدي: "هل رئيس الحكومة معين عبدالملك معني بالإفصاح عن مكان الصحفي أحمد ماهر؟"، مضيفا: "حتى رئيس الجمهورية وجّه بشكل رسمي الأجهزة الأمنية بفتح تحقيق في عملية الاستجواب التي تعرّض لها أحمد ماهر وآثار التعذيب ظاهرة عليه، لكن هل يستطيع أحد أن يخبرنا من هذه الأجهزة الأمنية التي ستقوم بعملية التحقيق؟".
واعتبر أن "هناك مشكلة كبيرة تتعلق بأننا كصحفيين أصبحنا بلا ظهر، بلا دولة، بلا أجهزة، بلا قانون"، مشيرا إلى أن "هناك هيئة قضاء أصلا لا يؤمنون بدولة اسمها الجمهورية اليمنية، ومع ذلك سيأتون ليحاكموك بقوانين الدولة التي لا يعترف بها".
وقال: الصحفيون اليمنيون لم يتعرضوا فقط للقتل والانتهاكات والملاحقات، وإنما أيضا يجري الآن محاولة تكميم أفواههم بعد أن صودرت حقوقهم، وجردوا من وظائفهم".
- نتائج متوقّعة
من جهته، يقول المحلل السياسي بن هلابي: "عندما يخرج فصيل عن التوافق الوطني والهدف والمشروع الأساسي فمن الطبيعي أن تكون هذه النتائج".
وأوضح أن "عدن سلمت -للأسف- لفصيل لا يمت للمشروع الوطني بصلة، حوّلها إلى قرية، بل أعادها إلى ما قبل الاستعمار البريطاني"، لافتا إلى أن "في الستينات لم تكن عدن بهذا السوء، بل كانت زهرة، وكانت تسمى عروس بحر العرب".
وقال: "أبناء عدن اليوم إما مهجّرين أو مسجونين، ولا يستطيعون إدارة مؤسسة واحدة، وليس من أبناء عدن من هو في إدارة شرطة أو إدارة منطقة أو منصب في أي مكان له قيمة داخل المحافظة"، مشيرا إلى أن "ما يحدث هو وصمة عار في جبين الشرعية اليمنية السابقة والحالية، وفي جبين التحالف السعودي - الإماراتي الذي سمح بتمكين هذه المليشيات".
وأضاف: "كنا ومازلنا نتمنّى أن تكون مدينة عدن العاصمة المؤقتة والفعلية للجمهورية اليمنية، وتكون حاضنة للجميع، التي -للأسف- دمّرتها هذه المليشيات المناطقية بغبائها وعنصريّتها"



