تقارير
كيف يؤثر الدور الخارجي على محطات وتحولات الصراع في اليمن؟

مع كل محطة جديدة من تحولات الصراع في اليمن، يكون الدور الخارجي هو الفاعل الرئيسي، وبصرف النظر عن تعقيدات الصراع، لكن دور الفاعلين الأجانب، الإمارات والسعودية تحديدا، بدأ يسلك مسارا جديدا يتمثل في تكييف العمليات العسكرية لأجل تحقيق أهداف سياسية، وتوظيف الظروف المتحركة لأجل تحقيق تلك الأهداف، أي إشغال الرأي العام بالتصعيد العسكري (المؤقت ربما) لأجل تحقيق أهداف سياسية بدأت بإزاحة محافظ شبوة محمد صالح بن عديو، وتسليم المحافظة للمجلس الانتقالي، ومحاولة توسيع نطاق سيطرة "الانتقالي" لتشمل كل المحافظات الجنوبية والشرقية.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية في محافظتي شبوة ومأرب، وتحقيق قوات الجيش الوطني وقوات العمالقة تقدما ميدانيا واستعادة السيطرة على عدد من المديريات والمناطق التي كان الحوثيون قد سيطروا عليها هناك خلال الأشهر القليلة الماضية، يدور على الجانب الآخر تصعيد موازٍ ضد السلطات المحلية (الشرعية) والقوات الحكومية في محافظتي حضرموت والمهرة، ومحاولة المجلس الانتقالي تفجير الأوضاع في المحافظتين، من خلال عقد اجتماعات لقياداته والتحريض ضد السلطات المحلية والقوات الحكومية، ومحاولة إنشاء معسكرات تدريبية تابعة له في حضرموت.
سبق تلك التطورات انسحاب "القوات المشتركة" من مديريات جنوبي محافظة الحديدة وتسليمها للحوثيين بذريعة "إعادة التموضع"، وفيما بعد تبعتها انسحابات أخرى مثل انسحاب القوات الإماراتية من منشأة بلحاف في شبوة، وسحب السعودية معدات وآليات عسكرية لها من محافظة المهرة، وانتهاء بإعلان قوات العمالقة سحب بعض وحداتها العسكرية وإعادة تموضعها في محافظة شبوة، ومن نتائج كل ذلك -حتى الآن- تراجع الحوثيين في شبوة ومأرب مما دفعهم إلى شن هجمات على الأراضي الإماراتية، وكان الرد الإماراتي عنيفا من خلال شن غارات جوية مكثفة على مواقع الحوثيين في العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى يسيطر عليها الحوثيون وفي جبهات الحرب المشتعلة، مع تحريك جبهة غربي محافظة تعز وعودة التحالف لإسناد قوات الجيش الوطني هناك بعد توقف دام سنوات، وشنه غارات مركزة على مواقع الحوثيين.
- التطورات الأخيرة ودلالاتها
من الصعب الجزم بعفوية أن يتزامن التصعيد العسكري ضد الحوثيين في شبوة ومأرب مع تصعيد آخر للمجلس الانتقالي الجنوبي ضد السلطة الشرعية في محافظتي حضرموت والمهرة، فمن ناحية، فالتصعيد في حضرموت والمهرة بمنزلة امتداد للتصعيد السابق في شبوة والذي أفضى إلى تسليم المحافظة للمجلس الانتقالي بعد الإطاحة بمحافظ المحافظة السابق محمد صالح بن عديو، واستبداله بمحافظ آخر موالٍ للإمارات والمجلس الانتقالي. ومن ناحية ثانية، فإن سحب قوات العمالقة، أو بعض ألويتها، من الساحل الغربي، وإشراكها في العمليات العسكرية ضد مليشيا الحوثيين في شبوة ومأرب، يبدو وكأنه مجرد تأمين للمحافظات الجنوبية من محاولات تقدم الحوثيين وزحزحة خطوط الدفاع من خلال التوغل في محافظات شمالية يسيطر عليها الحوثيون.
لكن مسألة سيطرة المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة تبدو مهمة شاقة وعسيرة بسبب الممانعة القوية من معظم أبناء المحافظتين ضد أي تواجد للمجلس الانتقالي ومليشياته فيهما، وقد يتسبب التوتر في تفجر الوضع عسكريا، ولتجنب ذلك من المحتمل أن يتم تكرار سيناريو تسليم محافظة شبوة للمجلس الانتقالي، أي من خلال الضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي لتغيير محافظي حضرموت والمهرة واستبدالهم بآخرين من الموالين للمجلس الانتقالي والإمارات.
وفيما يتعلق بالدور العسكري لألوية العمالقة، فعقيدتها القتالية موجهة نحو الحوثيين بدرجة رئيسية، كون معظم منتسبيها من التيار السلفي الذي يرى أن الحوثيين "روافض" يشكلون خطرا على العقيدة الدينية للشعب اليمني. ورغم أن تلك الألوية مدعومة إماراتيا، لكن لن يكون سهلا إجبارها جميعا لتكون تابعة مباشرة للمجلس الانتقالي وتقاتل تحت رايته ضد القوات الحكومية في حضرموت والمهرة في حال انفجر الوضع عسكريا، خصوصا بعد رفع المجلس الانتقالي مطالب مغادرة تلك القوات من المحافظتين المذكورتين، ووصفه لها بـ"قوات احتلال"، ولذلك فقد كُلفت قوات العمالقة بقتال الحوثيين، بينما ينحصر دور مليشيا المجلس الانتقالي في السيطرة داخل نطاق المحافظات الجنوبية.
- العمالقة وهزائم الحوثيين
تكبد الحوثيون خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات العسكرية طوال العام الماضي، أي منذ بدء عمليتهم العسكرية للسيطرة على محافظة مأرب في فبراير 2021، وبالتالي فإن دخول قوات العمالقة على خط المواجهات جاء في وقت قد تكبد فيه الحوثيون الكثير من الخسائر، كما أن قوات العمالقة مدربة جيدا ولديها أسلحة حديثة، فضلا عن دوافعها العقائدية لقتال الحوثيين، وهي دوافع جعلت إرادتها القتالية صلبة، ولذلك بدأ الحوثيون في الانهيار والتراجع.
بدأ تصعيد الإمارات والسعودية ضد الحوثيين بعد احتجازهم السفينة الإماراتية "روابي" قبالة سواحل الحديدة، بينما تصعيد الحوثيين ضد الإمارات جاء بعد خسائرهم في شبوة ومأرب إثر دخول قوات العمالقة على خط المواجهات العسكرية، وتبع قصف الحوثيين على الإمارات تصعيد إماراتي أكثر عنفا، مع تحريك التحالف جبهة غرب تعز وإسناد الجيش الوطني جويا لإرباك الحوثيين وتخفيف ضغط تمركزهم الرئيسي في جنوب وغرب مأرب، ورد الحوثيون بشن هجمات محدودة في لحج وأبين، أملا في إحداث إرباك مضاد للجيش الوطني وقوات العمالقة، والتهديد باستمرار شن هجمات على الأراضي الإماراتية.
بدورها، تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية أن ترسل إلى الإمارات طائرات مقاتلة ومدمرة تحمل صواريخ موجهة، للتصدي لهجمات الحوثيين على أراضيها، ويتزامن ذلك مع انطلاق أكبر مناورة في البحر الأحمر بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة 60 دولة، بينها إسرائيل ودول عربية وإسلامية بعضها أعلنت التطبيع مع إسرائيل والبعض الآخر ليس لها أي علاقات رسمية معها، وتهدف تلك المناورة لتعزيز الأمن البحري ومكافحة الألغام البحرية.
وفي خضم كل ذلك، تبدو السلطة اليمنية الشرعية شبه مغيبة عن تفاعلات الأزمة في الداخل وتطورات المسار العسكري، وما تزال تتغاضى عن ممارسات الإمارات التخريبية في جنوبي البلاد، مثل دعم وتشجيع مشروع الانفصال، والاستمرار في تشكيل مليشيات وألوية عسكرية مناهضة للسلطة الشرعية، ولم يقتصر الأمر على التغاضي عن مثل تلك الأدوار فقط، وإنما تجاوز ذلك إلى الخضوع للإملاءات الإماراتية - السعودية الرامية إلى تقويض دور السلطة الشرعية ذاتها وتعيين مسؤولين في مناصب مهمة لخدمة مشروع الانفصال، وزرع الانقسامات بين مختلف مكونات المجتمع، وتغذية الأحقاد المناطقية والثارات التاريخية.



