تقارير
لعبة الإقالات والتعيينات.. ما خطورة تجريف التحالف للشخصية اليمنية؟

قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد
تردد مؤخرا أن السعودية تضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي لإقالة محافظ محافظة شبوة محمد صالح بن عديو، بسبب مطالبته باستئناف عمل محطة بلحاف الغازية، وإصراره قبل ذلك على رحيل القوات الإماراتية من المنشأة، وهذا يطرح تساؤلات عدة، منها: هل من حق السعودية أو الإمارات أو أي دولة أخرى عزل مسؤول يمني من منصبه أو تعيين أي شخص في وظيفة حكومية عليا ما؟ وهل يوجد سند قانوني في العالم كله قديما وحديثا يجيز مثل هذه التصرفات والتدخل في شؤون الآخرين؟ وهل مجرد إسناد عسكري محدود للسلطة اليمنية الشرعية ضد الانقلاب الحوثي -تاه في زحام المؤامرات والمكائد- يمنح الدولتين الحق في التعيينات والإقالات بدءا من رئيس الحكومة وأعضائها وانتهاءً بمدراء الأمن في المحافظات ومدراء أقسام الشرطة؟ وما هي المعايير لتلك التعيينات أو الإقالات؟ وما هو الهدف الرئيسي منها؟!
لم تكتفِ السعودية ودولة الإمارات بتجريف الحياة السياسية في اليمن وتجريف الدولة من الفضاء العام وتدمير البنية التحتية وملشنة الحياة السياسية والمسار العسكري ضد الانقلاب الحوثي، وإنما تحرص الدولتان -أيضا- على تجريف الشخصية اليمنية عبر مسارين: الأول، تعميق حالة "الاغترب السياسي" من خلال عزل السلطة الشرعية عن المجتمع وتأليب المجتمع ضدها ونشر الكراهية السياسية بين مختلف مكونات المجتمع اليمني. والثاني، التدخل في التعيينات والإقالات فيما يتعلق بالوظائف الرسمية العليا ليتصدر الشأن العام أشخاص بمواصفات محددة ممن ينفذون الأوامر والإملاءات ويخدمون أجندة تحالف السعودية والإمارات ضد اليمن ووحدتها وأمنها وتنميتها، أو على الأقل عزل أي وزير أو محافظ محافظة من منصبه إذا كان يعترض على أجندة التحالف التخريبية في البلاد، وتحرص الدولتان على افتعال أحداث أمنية وأزمات اقتصادية ومعيشية لتمرير تلك السياسات ونخر البلاد بأدوات من داخلها.
- إقالات وتعيينات تحت الطلب
تحولت المحافظات اليمنية المحررة من مليشيا الحوثيين وتلك التي لم تشهد مواجهات عسكرية، إلى مسرح للفوضى الأمنية والاغتيالات وتشكيل مليشيات انقلابية بمواصفات مناطقية وقروية وخارجة على سلطة الدولة ولا تعترف بها، وتعمل في نفس الوقت تحت إمرة تحالف السعودية والإمارات وتنفيذ توجيهاتهما، كما تعمل تلك المليشيات على إحداث فوضى أمنية تستثمرها الرياض أو أبوظبي لتمرير سياسات معينة أو فرض إملاءات محددة على السلطة الشرعية وابتزازها لتحصل منها على مزيد من التنازلات وإخصاعها لرغبة التحالف بعزل مسؤولين حكوميين غير مرغوب بهم، وتعيين بدلا منهم آخرين ممن أثبتوا ولاءهم وعدم خروجهم من "بيت الطاعة" وتنفيذهم التوجيهات والأوامر ولو كانت صادرة من أصغر دبلوماسي أو قائد عسكري سعودي أو إماراتي، كما أن تعطيل السعودية والإمارات لموارد البلاد لإحداث شلل اقتصادي وانهيار معيشي يأتي ضمن سياسات الدولتين وحرصهما على تعدد خيارات لي ذراع السلطة اليمنية الشرعية كلما استجدت أحداث تتطلب إملاءات معينة.
وخلال الأيام الأخيرة، كشفت تسريبات إعلامية أن السعودية تضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي ليقيل محافظ شبوة محمد صالح بن عديو من منصبه، كشرط لتقديم وديعة مالية جديدة لحساب البنك المركزي اليمني لإيقاف تدهور العملة المحلية المتسارع بسبب تعطيل التحالف لموارد البلاد. وتأتي الضغوط لإقالة محافظ شبوة بسبب مطالبته باستئناف عمل منشأة بلحاف الغازية، وهو ما يثير حفيظة كلٍّ من السعودية والإمارات لإبقاء موارد البلاد معطلة ليستمر تدهور الاقتصاد اليمني والعملة المحلية والوضع المعيشي للمواطنين، لكي تواصل الدولتان تكبيل الحكومة الشرعية بالقيود الاقتصادية ليسهل التحكم بها والهيمنة عليها وشل قدرتها على الحركة والحيلولة دون ممارستها ولو الحد الأدنى من مهاما لخدمة الشعب، وأيضا شل قدرتها على الاستقلال بالقرار الاقتصادي وبالتالي الاستقلال بالقرار السياسي والعسكري، بعد أن صار التحالف يشكل عبئا على القضية اليمنية، ويمد المليشيات الحوثية وغيرها بأسباب البقاء والتوسع والانتشار.
كما سبق أن ضغطت كلٌّ من السعودية والإمارات على الرئيس عبد ربه منصور هادي لإقالة عدد من المسؤولين الحكوميين ممن أبدوا اعتراضهم على الممارسات التخريبية للتحالف في اليمن، والإقالة إما تكون مباشرة أو تحت لافتة تشكيل حكومة جديدة، علما بأن تعيين بعض الأعضاء في الحكومة الشرعية كان في بداية عملية "عاصفة الحزم" كوسيلة للاستقطاب السياسي، غير أن التعيينات والإقالات بعد ذلك اتخذت منحى خطيرا حيث تتم وفق ما يريده حكام الرياض وأبوظبي، وكانت البداية بإقالة رئيس الوزراء السابق أحمد عبيد بن دغر، في منتصف أكتوبر 2018، بسبب رفضه للتواجد العسكري الإماراتي في جزيرة سقطرى، ثم إبعاد كل من وزير الداخلية السابق أحمد الميسري، ووزير النقل السابق صالح الجبواني، من حكومة المناصفة، التي أُعلن عنها في ديسمبر 2020، وفقا لاتفاق الرياض.
أيضا، قدم نائب رئيس الوزراء وزير الخدمة المدنية السابق، عبد العزيز جباري، استقالته من منصبه تحت ضغط نقمة التحالف عليه والتحريض ضده، في حين اضطر محافظ أرخبيل سقطرى، رمزي محروس، إلى مغادرة المحافظة، بعد تحشيد الإمارات مليشيات موالية لها إلى جزيرة سقطرى وإبعاده منها. والقاسم المشترك بين جميع المسؤولين الحكوميين الذين أقيلوا من مناصبهم أو أبعدوا منها أو أجبروا على الاستقالة الطوعية أو مغادرة البلاد طواعية، جميعهم ممن صدرت منهم مواقف أو تصريحات رافضة للتخريب السعودي والإماراتي في البلاد، وهي نفس الأسباب التي دفعت السعودية، خلال الأيام الأخيرة، للضغط على الرئيس هادي لإقالة محافظ شبوة محمد بن عديو من منصبه.
- الاغتراب السساسي وتجريف الشخصية اليمنية
تحرص السعودية والإمارات على تجريف الشخصية اليمنية على كافة المستويات، ويبدأ التجريف من خلال تغييب أي مسؤول حكومي يعترض على سياسات التحالف التخريبية والتدميرية للبلاد، سواء من خلال الإقالة أو الإبعاد من الحكومة عبر تعديل وزاري أو الإجبار على الاستقالة الطوعية، والحرص أن يكون البديل من الانتهازيين الذين يقدمون خدمات مجانية للتحالف لتمزيق البلاد وتدميرها، أو على الأقل يسكتون على السياسات التخريبية للتحالف ضد اليمن، وانتهاء بتكريس حالة الاغتراب السياسي لما لها من نتائج مدمرة على النظام السياسي، والتي تتمثل في صنع الحواجز بين الحكومة الشرعية والشعب وقطع الأواصر بينهما، وتعطيل كل المعايير أو القواعد التي تنظم عمل الحكومة وتنظم العلاقات السياسية سواء بين اليمن ودول التحالف أو بين مختلف المكونات اليمنية السياسية والاجتماعية.
ويزيد الطين بلة عندما تكون الحكومة محشوة بلفيف من الانتهازيين، فتزداد حالة الاغتراب السياسي، فمن جانب تشعر الحكومة أنها غير قادرة على خدمة الشعب، ومن جانب آخر يشعر الفرد أو الشعب أنه غير قادر على التأثير في النظام العام وغير قادر على إيصال صوته إلى الدولة، وبالتالي يرفض التعاطي معها، أو بالأصح يرفض التعاطي مع الطبقة السياسية التي تتشكل منها الحكومة باعتبارها طبقة انتهازية تقدم مصالحها الذاتية على المصلحة العامة للشعب، ولذلك يفقد الإحساس أو التفاعل مع كل ما يصدر من الحكومة من تصرفات حتى وإن كانت ضد مصلحة الشعب أو تثير سخطه، فيستغل التحالف تلك الحالة الشعورية الساخطة لتمرير كل ما يريد تمريره من سياسات وسيناريوهات تخريبية، وحينها تكون ردود الأفعال الشعبية إما خافتة أو مشتتة بين السخط ضد التحالف والسخط ضد الحكومة الشرعية مما يقلل من تأثيراتها.
- من المستفيد؟
تتوهم السعودية والإمارات أنهما مستفيدتان من الوضع الكارثي الذي أوصلتا اليمن إليه، لكن الحقيقة هي أن مليشيا الحوثي هي الطرف الأكثر استفادة من الأجندة التخريبية للتحالف في اليمن، إن لم تكن الطرف الوحيد المستفيد من ذلك، كونها تجيد استثمار ذلك إعلاميا والترويج في أوساط المواطنين بمناطق سيطرتها أن التحالف لم يأتِ لإنقاذ اليمنيين كما يزعم، وإنما جاء لأجل تعطيل موارد البلاد وانتهاك السيادة اليمنية والعمل على تمزيق البلاد وتفكيكها ودعم مشروع الانفصال وتهميش دور اليمنيين في حكم بلدهم، وغير ذلك.
كما أن المليشيا الحوثية تتخذ من الأجندة التخريبية للتحالف في اليمن وسيلة لحشد المقاتلين إلى الجبهات، وبالفعل فهناك كثير ممن ذهبوا للقتال في الجبهات الحدودية وبعض جبهات الداخل هم ممن أقنعتهم المليشيا بخطورة الأجندة التخريبية للتحالف في اليمن، كما أن العجز السياسي الذي تبدو عليه الحكومة الشرعية ورضوخها لمختلف مطالب السعودية والإمارات يخصم من رصيدها الشعبي في أوساط المواطنين، وبالتالي فإن ذلك يجعل بعض المواطنين في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية يرون في جماعة الحوثي المعبر الحقيقي عن سيادة اليمن ضد أطماع التحالف وسياساته التدميرية للبلاد، فهل يدرك تحالف السعودية والإمارات خطورة سياساته في اليمن، أم سيواصل خدمة المليشيا الحوثية وحليفتها إيران من حيث يدري ولا يدري؟!



