تقارير
لعبة ببجي تقود مراهقاً إلى جبهات القتال في اليمن

قضى 'فؤاد' (18 عاماً) أوقاته المُمتعة خلف شاشة هاتفه الذّكي، المرتبط بسماعة، تمكّنه من التواصل برفاقه المحاربين، لإدارة المعارك الافتراضية بمستويات مختلفة من لعبته المفضلة "ببجي"، قادته إلى القتال في صفوف مليشيات الحوثي الانقلابية ضد اليمنيين.
بكت والدته الأربعينية بحرقة، من وجع في الرّوح، غير مدركة للتأثيرات السلبية من لُعبة "ببجي"، التي سبق التحذير من خطورتها على صغار السنّ والمراهقين تحديداً. قالت لبلقيس: "ما عرفت أن ابني سار الجبهة مع الحوثة إلا بعد أسبوع من غيابه، كان التلفون بيده دائماً، وزادوا أصحابه، الذين كان يجلس معهم، أثّروا عليه".
كان على الشاب المُراهق أن يُبقي هاتفه متصلاً بشبكة الانترنت طيلة فترة خوضه المعارك بمعية محاربين وأعداء افتراضيين من أماكن مختلفة. فور دخوله عالم لعبة القتال الشهيرة (ببجي)، ينعزل مشاركة رفاقه الحاضرين أحاديثهم، خلال جلسات "المقيل" ذات الطقس الاعتيادي عند غالبية اليمنيين البالغة 6 ساعات بصورة يومية على أقلّ تقدير (تبدأ عند تمام الثالثة عصراً، وتنتهي عند التاسعة مساءً)، خاضعة للتمديد أحياناً.
أخوه "مراد" يكبره بخمسة أعوام، ترافقا معاً في بعض الجلسات، قال لبلقيس: "كان يخزّن مع أصحابه يومياً، لكن كل وقته وهو جالس يلعب 'ببجي'، ويتكلّم مع اللي يلعبوا معه فقط".
عند حدود الصمت مع أصحابه الجالسين، يتفاعل الشاب المراهق خلف شاشة هاتفه افتراضياً من خلال تجاوزه مستوًى ما من لعبة "ببجي"، التي يتشارك فيها اللعب والتواصل مع أصدقاء وأعداء افتراضيين.
بينما تأتي توقعات والدته مختلفة بشأن انخراطه في الذهاب إلى الجبهات والقتال في صفوف مليشيات الحوثي الانقلابية، تقول لبلقيس: "أصحابه الذين كان يجلس معهم هم شلوه الجبهة، وابني ولا هو داري كيف، ومع من يسير؟ الصاحب ساحب"، مؤكدةً أن مليشيات الحوثي استغلت ظروف ابنها، واستدرجته، ثم دفعت به للقتال في صفوفها.
لم تدرك الأم المنكوبة خطورة التأثيرات السلبية للعبة "ببجي" على مستقبل صغيرها "فؤاد"، المراهق الذي أدمن اللعبة لساعات طويلة، إضافةً إلى ارتباطه بشلّة أصحاب كانوا يوفّرون له "أغصان القات"، ليقضي معهم وقتاً طويلاً من الصمت، وفقاً لأخيه مراد خلال حديثه لبلقيس.
الغياب عن المنزل طريق استقطابه
سلك فؤاد نهجا مغايرا لأسلوب حياته السابق، خصوصاً بعد بلوغه سنّ المراهقة التي تعتبر من أخطر المراحل الفاصلة في حياة الشخص سلباً أو إيجاباً. إضافة إلى ذلك، شتتت الحرب جو الاستقرار العائلي لفؤاد وأسرته، تحديداً بعد انفصال والديه.
تقول والدته لبلقيس: "بدأ يغيب عن البيت بالساعات في جلسات المقيل مع أصحابه، والإدمان على اللعب بالتلفون، وما أستطيع أنا مراقبة شاب مراهق باستمرار، أصلاً أنا منفصلة عن أبوه".
شكّلت ساعات غيابه عن المنزل وإدمانه لعبة "ببجي"، إضافةً إلى الجو الأسري الجديد، نقطة تحوّل سلبية على حياته، سهلت طريقة استقطابه إلى القتال في صفوف المليشيات، لتصبح رحلة غيابه عن الأسرة ربّما أبدية، خصوصاً في حال بقائه في الجبهة بصورة دائمة. وتعمَد المليشيات إلى استقطاب المراهقين وصغار السنّ، معظمهم لم يحظوا بمتابعة ورقابة أسرية خلال هذه الفترة العصيبة من حياة اليمنيين.
وتستبعد الأُم هِواية ابنها الذي أدمن القتال الافتراضي في لُعبة "ببجي" من أن تكون سبباً وحيداً، شقّ من خلالها طريقاً للقتال على أرض الواقع.
تقول الأُم لبلقيس: "الألعاب في تلفونه لم تأخذه للجبهة، لكن الحوثيين هم الذين أخذوه". وهي التي لم تعرف بذهابه إلا بعد أسبوع، عبر أحد معارفها الذي أوكلت له مهمة البحث عنه لمعرفة تفاصيل غيابه.
الحوثي و"ببجي" كلاهما خطران على الحياة
أطلقت بعض البلدان العربية تحذيرات بشأن خطورة لعبة "ببجي" ذات التأثير القاتل على حياة صغار السنّ والمراهقين، إذ وصل الأمر إلى تحريم استخدام اللعبة في مصر والعراق، نظراً لتأثيراتها دِينياً، ودعّمت المنع والتحريم بحالات تضررت من استخدامها. يبقى اليمن بلدا خالياً من التوعية بشأن مخاطر الموت المحقق من لعبة "ببجي" على حياة من أدمنوها، نظراً لعدم اكتراث مليشيات الحوثي بمشروع الحياة، بل هي من تسُوق صغار السنّ والمراهقين الشباب إلى طريق الموت.
"ع. ز" خبير نفسي يبلغ من العمر 46 عاماً، يقول لبلقيس: "الإدمان على الألعاب الالكترونية ذات الطابع القتالي قد يكون سبباً غير كافٍ في استهواء صغار السن والمراهقين للتنفيذ واقعياً"، مُبدياً عدّة أسباب مساعدة تمكّنهم من التحقيق الخاطئ للذات، كما يعتقدون. عدّدها لبلقيس: "غياب دور الأسرة رقابياً، انفصال الأبوين، مجالسة أصدقاء السُّوء، إدمان المنشطات كالقات وغيره، التخلّي عن التعليم، الغياب عن المنزل، انتشار حمل السلاح، إضافة إلى البرامج المختلفة التي تتبعها مليشيات الموت لاستقطاب الشباب إلى صفوفها".
أبعد من ذاك تأتي الحالة الاقتصادية الأكثر من سيِّئة، التي خلقتها المليشيات، وتُضخمها باستمرار على السكان في مناطقها، كوسيلة إذلال واستقطاب الشباب، ومن ثم إرسالهم نحو جبهات القتال.



