تقارير
لفرض مزيد من التضييق.. الحوثيون يقرّون قيودا جديدة على المواقع الإلكترونية

منذ انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة، واقتحام العاصمة اليمنية (صنعاء)، نهاية العام ٢٠١٤، شهدت حُرية الصحافة انتكاسات متوالية، ووضعت المليشيا كل الأصوات الصحفية والمواقع الإلكترونية والصحف الورقية في خانة الأعداء، وسعت إلى وضع التصنيفات والمبررات، التي تعطيها الحق في ملاحقتهم والتنكيل بهم.
ومع إحكام المليشيا قبضتها على مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، سخَّرت كل إمكانياتها في التجسس على النشطاء والسياسيين، وحجب المواقع الإلكترونية المعارضة، سواء المحلية أو الدولية، لتصنع سردية واحدة للأحداث والمواقف تتواءم مع رؤيتها وتوجهها، وتقدِّس قياداتها ورموزها.
- فرض التبعية
وعلى الرّغم من أن التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية، ومنها منظمة "سام" للحقوق والحريات، تتحدّث عن حجب الحوثيين أكثر من 200 موقع إخباري، ووقف إصدار ما يُقارب 80 صحفية ومجلة وبثا إذاعيا، وإغلاق أغلب مكاتب القنوات الفضائية في صنعاء، منذ العام ٢٠١٥، إلا أن وزارة الإعلام التابعة لها فاجأت ما تبقّى من أصحاب المواقع، الذين كانوا تابعين لها في سياستهم التحريرية، بمزيد من القيود، ومحاولة فرض إجراءات إضافية لمزيدٍ من التبعية والتضييق على النشر.
يقول أحمد -مالك أحد المواقع الإلكترونية في صنعاء لـ"بلقيس": "تلقيت، خلال الشهر الحالي، اتصالات متكررة من وزارة إعلام الحوثيين، تطالبني بالحضور إلى الوزارة، وعند ذهابي للقاء بهم طلبوا مني ترخيص عمل، ومبلغ 150 ألف ريال، والعديد من المطالب".
ويضيف: "بالطبع رفضت، وزملائي مالكو ورؤساء تحرير المواقع، كل الطلبات، وحاولنا قلب الطاولة عليهم، بمطالبتنا بمبالغ مالية دعما وتشجيعا للمواقع، التي ما تزال صامدة في صنعاء، وتناصرهم في كثير من القضايا، لكنني أدرك أنهم لن يتوقفوا عن ملاحقتنا".
ويؤكد مالكو مواقع إلكترونية أن مدير مكتب الإعلام في وزارة صنعاء عرض عليهم قائمة طويلة لأسماء مواقع مطلوب حضور أصحابها، بعضها ما يزال يجرى عليها تحرّيات من قِبلهم؛ لمعرفة أسماء مالكيها، والعاملين بها، موضحا لهم أن الإجراءات الرقابية ستطال المواقع كافة.
- رقابة مشددة
يمتلك الحوثيون ما يسمى "الجبهة الإعلامية"، وهي الجهة المسؤولة عن توحيد ومراقبة سياسة النشر في كافة الوسائل الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واستقطاب أصحاب المواقع الإخبارية، كما تصرف مبالغ شهرية للعديد من المواقع التي تصنِّفها في إطار الجبهة.
"عبدالسلام" يمتلك ويدير موقعا إلكترونيا محسوبا على "الجبهة الإعلامية" للحوثيين، ودائما ما يرفض نشر أي مادة أو خبر يعارضهم، أو ينقد ممارساتهم، إلا أنه وجد نفسه مطلوبا من وزارة إعلام صنعاء لاستصدار التصريح، والقبول بالتقيّد بتوجيهاتهم وحملاتهم الإعلامية، كما يؤكد لـ"بلقيس".
يقول "عبدالسلام" -بثقة لا يمتلكها أغلب مالكي المواقع- إنه رفض الحضور إلى وزارة الإعلام؛ لأنه يمتلك سلطة ودعما أكبر من صلاحيات الوزارة، وغير مهتم إذا قرروا حجب موقعه؛ لأنهم سيخسرون منبرا يتبع سياستهم الإعلامية، ووقف منذ اندلاع الحرب في صفهم.
- قانون القوة
لا يوجد قانون إلى الآن في اليمن ينظِّم عمل المواقع الإلكترونية والنشر فيها، ويضع شروط لإصدار التصاريح، وعقوبات على المخالفين، إلا أن الحوثيين يحاولون تمرير مطالبهم وتعليماتهم بشكل شفوي، مستندين على قوة السلطة التي يمتلكونها، وقدرتهم على الإضرار بالمخالفين.
ويتهم مالكو المواقع الإلكترونية، الذين التقاهم موقع "بلقيس" بأن الإجراءات الأخيرة جاءت بتحريض مباشر من أحمد راصع -ابن أخت القيادي الحوثي أحمد حامد (مدير مكتب رئاسة الجمهورية التابع للمليشيا)- الذي يشغل حاليا رئيس مجلس مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر، وشغلها قبلها وكيل وزارة الإعلام، ورئيس المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، على خلفية تناول بعضها ممارسات فساد سابقة.
ولا تعد الإجراءات الأخيرة صادمة، إذ أنها تتوافق مع ممارسات مليشيا الحوثي، التي اتخذت منذ سيطرتها على صنعاء موقفا عدائيا من الإعلام والصحافة، وصل حد القنص والاستهداف المباشر لمن يحملون الكاميرات، حيث وصل عدد القتلى من الصحفيين 45 صحفيا، منذ العام 2015، قضى أغلبهم على أيدي الحوثيين، بحسب إحصائيات نقابة الصحفيين اليمنيين.
وتشير التقارير الدورية للنقابة إلى جرائم وانتهاكات يرتكبها الحوثيون ضد الصحفيين، تنوَّعت بين إغلاق وحجب الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية، والاعتقالات التعسفية، والسجن والمحاكمات غير العادلة، وإصدار أحكام بالسجن لسنوات طويلة تحت ذرائع واهية؛ أبرزها "الخيانة، والتخابر مع ما تسميه العدوان، والحكم بالإعدام".
وعبّرت منظمة العدل الدولية، ومنظمات محلية ودولية أخرى، عن صدمتها الكبيرة تجاه ممارسات الحوثيين تجاه الصحفيين، خاصة بعد إصدار إحكام قضائية مجحفة ضد سبعة صحفيين احتجزتهم، منذ العام 2015، أربعة منهم بالإعدام، وثلاثة بالسجن مُدد طويلة.
وبحسب صحفيين مُفرج عنهم، يمارس الحوثيون أنواعا شتى من التعذيب الجسدي والنفسي، ويحرمون من العلاج، والتواصل مع عائلاتهم، ويحرمون من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، ويُمنع محاموهم من حضور جلسات المحكمة.
يُذكر أن اليمن يتمركز في المرتبة 167، "من أصل 180 بلداً"، على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، كما يشير تقرير سابق ل"مراسلون بلا حدود".



