تقارير
لماذا تراجعت الحماية الأمريكية للسعودية بعد حرب اليمن؟

لم تراجع السعودية سياستها الخارجية من فراغ، سواء بتمتين علاقاتها مع الصين وروسيا أو تصفير خلافاتها مع تركيا وقطر ثم مصالحتها مع إيران، وإنما كان الدافع لذلك هو تراجع الحماية الأمريكية لها بعد حرب اليمن التي تمثل السعودية أبرز الأطراف الرئيسية فيها بذريعة مساندة السلطة الشرعية ضد الانقلاب الحوثي. ومع أن كثيرا من الكُتاب والباحثين السعوديين يؤكدون أن إجراء بلادهم لمراجعات في سياستها الخارجية سببه تراجع الحماية الأمريكية لها، لكنهم لا يبحثون في أسباب ذلك التراجع ودوافعه وكيفية عودة مياه العلاقات بين البلدين إلى مجاريها.
كما أن قيادة المملكة لم تبحث في أسباب تراجع الحماية الأمريكية لأهم دولة حليفة لها في منطقة الشرق الأوسط، وإنما توجهت لإجراء مراجعات في السياسة الخارجية وبشكل متسرع، وبعض تصرفاتها كانت تعبيرا عن الاستياء من واشنطن، مثل بيع النفط للصين باليوان الصيني بدلا من الدولار الأمريكي، ورفض إدانة حرب روسيا على أوكرانيا، ورفضها طلب واشنطن بزيادة إنتاج النفط بعد ارتفاع سعر البرميل إلى 120 دولارا، وبالتالي بدت تلك المراجعات وكأنها ليست خيارا إستراتيجيا وإنما مجرد تعبير عن "حنق" السعودية من الإدارة الأمريكية، على أمل عودة تلك الحماية، لا سيما أنه لا توجد دولة كبرى على استعداد لحماية المملكة في حال بروز خطر محتمل على أمنها كما فعلت الولايات المتحدة سابقا.
- دعم واشنطن للرياض في بداية "عاصفة الحزم"
عندما اندلعت عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية في اليمن، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقدم للسعودية المعلومات الاستخباراتية، وتزود طائراتها الحربية بالوقود في الجو، وعقدت معها صفقات أسلحة حديثة ونوعية، وربما أن الهجمات بطائرات إف 16 على مواقع مليشيا الحوثيين والقوات الموالية لعلي صالح نفذها طيارون أمريكيون وليس طيارين سعوديين، وذلك للدقة في ضرب الأهداف العسكرية وتدميرها مع هامش خطأ محدود، وهو ما لن يقدر عليه طيارون سعوديون تنقصهم الخبرة والكفاءة، كما أن السعودية أعلنت عن عملية "عاصفة الحزم" من واشنطن وليس من الرياض، وربما أن ذلك يحمل رسالة لطهران لتحييدها عن التدخل العسكري المباشر إلى جانب الحوثيين بعد تصريحاتها المستفزة بأن صنعاء رابع عاصمة عربية تسقط بيد إيران، وأن الإمبراطورية الفارسية عادت وعاصمتها بغداد.
ورغم كل ذلك، كان واضحا أن الإدارة الأمريكية تركت للسعودية حق التصرف في إدارة حرب اليمن دون تدخل مباشر وعلني من جانبها والاكتفاء بالتوافق على الخطوط العامة للعمل العسكري، ولعل ذلك يأتي في سياق التوجهات الجديدة لواشنطن المتمثلة في إعادة تقييم أولوياتها في سياستها الخارجية، ورغم أنها لم تتنازل عن نفوذها أو مصالحها في المنطقة، لكنها تركت مساحة واسعة لقوى الإقليم كي تدير صراعاتها بنفسها، وربما أن واشنطن أرادت اختبار السعودية في حرب اليمن، ومدى قدرتها على استخدام الأسلحة الأمريكية حديثة الصنع، ومراقبة فعالية تلك الأسلحة وآثارها المدمرة، ولتتجنب أيضا التكاليف الباهظة المترتبة على تدخلها العسكري المباشر في المنطقة.
- من مظاهر تراجع الحماية الأمريكية للسعودية
لم يستمر الدعم الأمريكي للسعودية في حرب اليمن كثيرا، وبدأت العلاقات بينهما تشهد نوعا من التدهور بعد تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة عام 2020، والذي وصف السعودية خلال حملته الانتخابية بالدولة "المنبوذة"، وهذا الوصف لم يكن من فراغ، وإنما يعكس انزعاج واشنطن، أو النخبة الأمريكية، من إدارة محمد بن سلمان للمملكة بعد تكليفه بولاية العهد، فأصبح هو الحاكم الفعلي إثر تدهور صحة والده الملك سلمان، وممارسته الطغيان والاستبداد بشكل غير مسبوق في تاريخ المملكة.
شعرت السعودية بخذلان الولايات المتحدة لها عندما أعادت إدارة الرئيس جو بايدن التفاوض بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وإلغاء تصنيف إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب الحوثيين منظمة إرهابية، والتوقف عن دعم العمليات العسكرية السعودية في اليمن، وزاد الطين بلة عندما سحبت الولايات المتحدة، عام 2021، عددا كبيرا من جنودها ومنصاتها الصاروخية التي سبق نشرها في السعودية عام 2019، بغرض تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية عقب الهجمات التي شنتها مليشيا الحوثيين على بعض منشآتها النفطية وبعض المطارات والقواعد العسكرية والسفن النفطية.
وتزامن تراجع الحماية الأمريكية للسعودية مع بعض المواقف الأمريكية المزعجة لقيادة المملكة، مثل الإدانات المتكررة لانتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وإدانة الغارات السعودية التي راح ضحيتها عدد من الأطفال والمدنيين في اليمن، والاستياء من اعتقال محمد بن سلمان للمئات من رجال الأعمال والعلماء والدعاة والناشطين وبعض كبار أعضاء العائلة المالكة وفي مقدمتهم ولي العهد السابق محمد بن نايف (المقرب من واشنطن)، وموقف واشنطن من أزمة حصار قطر، وجريمة اغتيال جمال خاشقجي، الذي فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات رمزية على مسؤولين سعوديين متهمين بالضلوع في جريمة اغتياله، ورفع السرية عن تقرير للاستخبارات الأمريكية بخصوص جريمة اغتيال خاشقجي رجح أن ولي العهد محمد بن سلمان هو من أمر بتنفيذ عملية الاغتيال.
- السعودية كدولة اتكالية
بعد اندلاع الحرب في اليمن، وتعرض بعض المنشآت النفطية السعودية لهجمات حوثية وهجمات أخرى يرجح أنها إيرانية أو شنتها مليشيات شيعية من العراق، وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، كانت السعودية تأمل من الولايات المتحدة أن تدمر البرنامج النووي الإيراني، وأن تدافع عن منشآتها النفطية ومطاراتها وأن تحميها من هجمات الحوثيين وغيرهم من المليشيات الموالية لإيران.
لكن الولايات المتحدة لم تلبِّ رغبات السعودية في هذا الجانب، بل فقد أقدمت على سحب عدد من جنودها ودفاعاتها الجوية التي سبق نشرها في السعودية، عام 2019، لتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية عقب الهجمات الحوثية على بعض منشآتها النفطية، إذ تبين للولايات المتحدة أن السعودية "دولة اتكالية" وعبء عليها، لعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها أمام مليشيات ضعيفة العدد والعدة قياسا بما لدى المملكة من أسلحة حديثة ونوعية. وكان الإعلام الأمريكي، والغربي عموما، يسخر من فشل السعودية في حرب اليمن، وما إذا كان لديها القدرة على مواجهة إيران بينما هي فشلت في مواجهة مليشيا الحوثيين.
ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة تخلت عن السعودية تماما، بل فهي ستعود لحمايتها إذا تعرضت لتهديد أمني خطير، لكنها أوصلت رسالة لقيادة المملكة مفادها أن الحماية الأمريكية للسعودية ليست شيكا على بياض، أو أن تتحول الولايات المتحدة إلى مجرد موظف لدى السعودية وتلبي رغباتها العسكرية وفق مزاجها، مثل رغبتها في أن تدمر واشنطن البرنامج النووي الإيراني وتغيير نظام الحكم في طهران، وعلى السعودية أن تستوعب بعض المتغيرات مثل ظهور النفط الصخري في الولايات المتحدة بكميات هائلة، مما قلل من الأهمية الإستراتيجية للسعودية لدى واشنطن.
علاوة على ذلك، شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها وخريطة انتشارها وتركيز مواردها في المناطق الأكثر أهمية في العالم، حيث وضعت في مقدمة أولوياتها احتواء النفوذ الصيني، ودعم الحلفاء في آسيا، وتعزيز التحالف مع أوروبا، والسيطرة على المضايق والبحار، والانسحاب التدريجي من صراعات الشرق الأوسط باعتبارها غير مجدية، مثل الانسحاب من العراق وأفغانستان. وعطفا على ذلك، يتضح أن أمن السعودية بات يحتل مرتبة متأخرة ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى السعودية أن تتولى بنفسها حماية منشآتها النفطية أمام الهجمات الحوثية وغيرها، وليس انتظار الحماية من واشنطن أمام هجمات بطائرات مسيرة بسيطة تشبه الألعاب.
وهكذا يتضح أن تراجع الحماية الأمريكية للسعودية بعد حرب اليمن سببه أن السعودية تريد الاتكال كليا على الحماية الأمريكية فيما يتعلق بأمنها، بينما هي تدير الصراعات وعلاقاتها مع جيرانها بالمكائد والمؤامرات، وتتسبب بجنايات على أمنها وعلى منشآتها، ثم تطلب من الولايات المتحدة الدفاع عنها في مواضع كانت هي السبب في تعريض منشآتها للخطر، وقد أظهرت حرب اليمن السعودية كدولة فاشلة وغير قادرة على حماية حدودها ومنشآتها، مع أنها تواجه مليشيا صغيرة العدد والعدة.



