تقارير
لمواجهة البطالة.. مقاهٍ صغيرة على الأرصفة وتحت الأشجار في تعز

خلال السنوات الآخيرة من عُمر الحرب الدائرة في البلاد، منذ العام 2015، تزايدت وبشكل ملحوظ أعداد المقاهي الصغيرة في مدينة تعز، وعادةً ما تتواجد على أرصفة الشوارع، وتحت الأشجار، وذلك في أنحاء متفرّقة من المدينة الأكثر كثافة سكانية وفقراً وبطالة، وتردٍ معيشيٍ في البلاد.
تتّسم تلك المقاهي ببساطتها وتواضع إمكانياتها وشكلها وطابعها الشعبي، كما تخلو من المظاهر العصريّة والديكورات المزخرفة والمقاعد الراقية وعوامل الجذب الآخرى، التي صارت شائعة في عصرنا الحالي.
كل ما تملكه بعض الأدوات، ومتطلبات العمل البسيطة، ونكهة الشأي، وقهوة البُن اليمني، التي تفوح منها لتُعطي للزّبائن والمارّة انطباعاً جيّدا عن جودة ما تقدّمه تلك المقاهي المصغّرة، وبراعة أصحابها في إعداد المشروبات الساخنة من مكوّنات تقليدية، ومنحها مذاقاً مميزاً، وهذا مكّنهم من كسب ثقة الزبائن، وإقبالهم بشكل ملحوظ.
- مقهى صغير
قبل عدّة أشهر، قام شاب ريفي بتوفير أسطوانة غاز، وأبريق، وموقد، وصندوق حديدي، وأنشأ مقهى صغير قُرب شجرة على رصيف أحد الشوارع الواقعة وسط المدينة، ومن يومها يصحو فؤاد سعيد باكراً، ويتوجّه نحو مشروعه المتواضع، ويبدأ بالتحضير لاستقبال ومباشرة الزبائن القادمين من المحلات، والمنازل المجاورة.
يقدّم هذا الشاب -القادم من أحد الأرياف- أكواب الشاي والقهوة لزبائنه، وهؤلاء يقعدون على الرصيف، ومدرّجات المبنى المجاور، ويرتشفونها دون أن يتذمَّروا من عدم توفّر مقاعد للجلوس، ومظلات، وغيرها من المتطلبات.
يقول سعيد لموقع بلقيس: "أعد الشاي والقهوة بالشكل التقليدي المتعارف عليه، وأضيف بعض الأشياء بعد طحنها يدوياً، كالزِّر والهَيْل والجَوْز، وأطلب الله على أطفالي، ووالدي ووالدتي، والحمد لله، الإقبال جيّد".
ويلفت إلى أن العائد المادي لا بأس به، والوضع المعيشي تحسن نوعاً ما، مقارنة بالفترة، التي عاشها سابقاً دون عمل، أو مصدر دخل له ولعائلته.
- انتشار
تعد المقاهي الصغيرة وسيلة لكسب الرزق، ومواجهة البطالة والفراغ والفقر وغياب مصادر الدخل، خصوصاً في مدينة تعز، التي تتصدر قائمة مُدن في البلاد من حيث عدد العاطلين والفقراء.
وينتشر العديد منها قُرب بعض الأسواق والمشافي والمرافق العامة والخاصة والأحياء السكنية، كما تنشط يومياً خلال الساعات الأولى من الصباح والمساء، وذلك في أماكن مفتوحة؛ ما يجعلها وجهة مفضّلة للمُولعين بشُرب الشاهي أو القهوة وفق الطُّرق التقليدية، التي ألّفوها سابقاً، خصوصاً في الأرياف.
ولأن ارتياد المقاهي الصغيرة أضح عادة محببة، وقريبة من نفس الحاج أحمد الشريحي (60 عاماً)، فإنه يحرص على الخروج، مساء كل يوم، من منزله الواقع في أحد الأحياء المتفرِّعة من شارع "بير باشا" -وسط المدينة- والذهاب إلى المقهى الواقع على رصيف الشارع الرئيسي، ويتناول فيه كوبا من الشاهي أو الحليب المفوَّر، كما يقول لموقع "بلقيس".
يوضح الشريحي: "أخرج يومياً بعد المغرب، وأجلس على الرصيف أشرب الشاهي، وهذا لأن مذاقه ونكهته جيدة، كما أروِّح عن نفسي، بالخروج من أجواء المنزل، وخصوصا بعد جلسة المقيل، التي تستمر لساعات، كما أخفف من حرارة جسمي في الصيف، وأحصل على القليل من الهواء البارد".
وفيما يعد الشاي والقهوة من أكثر المشروبات الشعبية الساخنة شيوعا وشهرة، ولها ارتباط وثيق بطقوس وعادات وتقاليد اليمنيين في مختلف أنحاء البلاد، يشكِّل العمل في بيعها على الأرصفة، وتحت الأشجار، مهنة تقليدية، يزاولها العشرات من الأشخاص الفقراء، معظمهم رجال؛ لكسب لقمة العيش.
وأضحى إنشاء المقاهي الصغيرة خيارا مفضلاً بالنسبة لمن يمتلكون مبالغ محدودة، لا تكفي لتأسيس مشاريع أخرى كبيرة، ويرجع تزايد إنشائها إلى سهولة ذلك، وانخفاض التكاليف، وسهولة تأسيسها في أماكن يسهل الوصول إليها، وخلال سنوات الحرب أضحت أحد أبرز البدائل لكسب الرزق من قِبل من فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم.
وتتحدّث تقديرات محلية عن أن سنوات الحرب الماضية شهدت إنشاء عشرات المقاهي الصغيرة، وتلفت إلى أنها انتشرت بشكل لافت، وشكلت مصادر دخل لعشرات الشباب، وتزايد الطلب عليها؛ لارتباطها بطبيعة الحياة الاجتماعية في المدينة.
- مزاج
يذكر الناشط عبد الواسع الفاتكي، لموقع "بلقيس" أن تلك المقاهي يرتادها الشباب وكبار السن في أوقات مختلفة، حيث يتردد عليها من لا يمضغون القات بعد صلاة العصر، كما يعد شرب الشاي - بالنسبة لمن لا يمضغ القات- عادة متأصلة، ويفضل معظمهم ارتشافه في أماكن مفتوحة.
ويضيف الفاتكي: "كسرت المقاهي الصغيرة الروتين المعتاد، واكتسب بعضها شهرة كبيرة، ويقبل عليها أشخاص من أماكن بعيدة لإعجابهم بما تقدّمه".
وأشار إلى أن "هناك مقاهٍ تخصصت بتقديم الشاي الأحمر، وأخرى بتقديم الشاي الحليب، وهناك مقاهٍ تقدم النوعين معا، إضافة إلى البسكويت والكيك ووجبات الإفطار والعشاء، وأسعارها لا تختلف كثيرا عن غيرها، وفي حالات نادرة تضع الشهيرة منها مائة ريال كقيمة للكوب الواحد".



