تقارير
'ليتَه لم يعُدْ'.. مأساة أهالي العائدين من جبهات الحوثيين

منذ اللحظة الأولى لانضمامه إلى القتال في صفوف مليشيات الحوثي عام 2019، أصبح محمد حسين (26 عاما) مصدر الخوف الأكبر لوالديه، حتى عودته بعد عام وثلاثة أشهر من التحاقه بالجبهات الحوثية، لكن العَودُ قد لا يكون أحمدَ دوماً.
فلم تكد تهنأ الأسرة برجوع ابنها سالما لساعاتٍ، حتى اكتشفت أنّه عاد بغير الشخصية التي ذهب بها. 'فالفتى المرح والمعروف بشخصيَّته الاجتماعية عاد منطوياً على نفسه، ومعتزلاً الأهل والناس، لا يرغب بلقاء أحدٍ ولا يتحدث مع أحد'، بحسب أم محمد في حديثها عن قصته، التي تعكس مأساة الكثير من الأسر اليمنية، التي التحق أبناؤها بجبهات الحوثيين، وعادوا من درب يعدُّ الموت أهون النتائج، وأخفها وقعا على المقاتلين وأسرهم.
- "ليته لم يعد"
تُعدُّ حالة محمد والعذابات التي تعيشها أسرته منذ عودته غيضاً من فيض ما عانته، ولا زالت تعانيه رانيا هاشم -اسم مستعار- وطفلاها بعد عودة زوجها قبل عامين بروح معطوبة وحلت عودته كارثة على أسرته الصغيرة التي تمزقت بعد عودتها بأشهر قليلة: 'فرحنا أنه عاد بالسلامة، لكنه لم يعد سالما، ولم نسلم نحن من تأثير اتباعه الحوثيين'، تقول رانيا.
وتضيف: 'من أول يوم رجوعه كان هشام شخصا مختلفا جدا، خائفا وقلقا طوال الوقت، يعاني من اضطرابات في النوم، وتنتابه موجات من الغضب تنتهي بالتعدي عليّ أو على والده وأخيه'.
ورغم التحاق رانيا بأهلها، والإقامة وأطفالها في منزل والدها؛ هربا من الضرب الذي كانت تتعرض له، مع تزايد وتيرة موجات الغضب التي تنتاب زوجها، ويكون ضحيتها أول من يتدخل لتهدئته، إلا أن معاناتها لم تنته هنا. تقول: 'اضطررت للعمل في بوفية بإحدى مدارس البنات، بالإضافة إلى تعلم صناعة البخور لأعيل اطفالي، وأتمكن من تعليمهم بعد أن تخلى عنهم أهله، وعجز أهلي عن توفير مصاريفهم'.
- ضريبة الحروب
بحسب ورقة بحثية صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يعاني واحد من بين خمسة عشر شخص من الاضطرابات النفسية في الوضع العادي، أما في الحروب تتضاعف النسبة ثلاثة أضعاف بواقع حالة من كل خمسة أشخاص فقط، وتزداد نسبة الأمراض والاضطرابات النفسية بين الجنود والعسكريين لوجودهم في خط النار وقلب الأحداث.
في حديثه لـ"موقع بلقيس"، يرجع أخصائي الصحة النفسية، الدكتور صلاح صالح، الحالات المرضية التي يعاني منها العائدون من الجبهات إلى ما يعرفُ 'باضطراب ما بعد الصدمة'؛ وهو اضطرابٌ ينتجُ عن تعرّض الشخص لعنفٍ أو حادثة كارثية نجا منها، أو يكون شاهداً على حادثة عنيفة لأشخاص قريبين منه'، وهذا قد يفسر حالة هشام الذي يكررُ دائما في نوبات هلعه، وخلال نومه، اسم شخص؛ تبيّن للأسرة أنّه كان رفيقه المقرب في الجبهة، وقد قتل بجواره، كما تقول رانيا.
- الخطر المركّب
بعد بتر ساقه إثر إصابتها بقذيفة في جبهة نهم قبل خمسة سنوات، يعاني عبدالحميد (23 عاما) من صعوبة التأقلم مع وضعه الحالي، وعدم تقبله العيش بساقٍ مبتورة، بالإضافة إلى معاناته من الاكتئاب رغم محاولات التداوي، لكنّ الجرح الأشدّ قسوة ما تعرّض له من إهمال وتجاهل من قِبل المليشيا، التي اكتفت بعلاجه بعد عملية البتر، واكتفت بدعم أسرته، التي كان عائلها الوحيد بسلة غذائية، ولمرة واحدة فقط.
وبالإضافة إلى الجروح الجسدية، تبدو معاناة العائدين مركَّبة، حيث يمتدُّ الأثر المدمر إلى الحرب ليشمل الجروح النفسية، أو ما يعرف الجرح المعنوي، الذي يحدث نتيجة الصراع الداخلي بين المقاتل وضميره الإنساني، في ظل إجباره على القيام بأفعال تتنافى وضميره وأخلاقه وقيمه.
'ويبقى أكثر الأخطار، وأشملها هو الخطر الذي يهدد حياة الأسر، التي ينتمي إليها المقاتلون مع احتمال تعرضهم للإعتداءات، التي تصل إلى القتل أحيانا، وما يعيشونه من حالة الخوف والقلق والاضطرابات النفسية، التي يتسع مداها أجيالا ليشمل المقاتلين وآباءهم -بحكم المعايشة- وأبناءهم في ظل الإمكانية القوية -علميا- لتوريثها للأبناء'، بحسب الدكتور صالح.



