تقارير
ما مدى تأثير الحرب في أوكرانيا على الأزمة اليمنية؟

يوصف الغزو الروسي لأوكرانيا بأنه زلزال جيوإستراتيجي سيلقي بظلاله على مختلف دول العالم، خصوصا البلدان المكشوفة أمنيا، والمعروف عنها بأنها ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي، ولعلّه من المبكر تقدير ذلك التأثير على أزمات اليمن والمنطقة (المتشابكة)، فالغزو الروسي لأوكرانيا لم تكتمل ملامحه بعد، ولا يُعرف مداه الزمني، وما النتيجة التي سيتوصل إليها، لأن كل سيناريو بخصوص مآلات الغزو ستكون له تأثيرات ونتائج مختلفة عن السيناريوهات الأخرى.
لكن هناك مؤشرات أولية يمكن على ضوئها استقراء ملامح مرحلة ما بعد الغزو، لأن التأثير الكبير وطويل المدى هو الذي سيتبع الكيفية التي ستنتهي بها الحرب، بينما التأثير الآني سينتهي بانتهاء الحرب، بصرف النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها، وسيكون التأثير الآني أو الملازم للحرب عرضة للتغيير بحسب طول مدة الحرب وتحولاتها، والسؤال هنا: كيف ستتأثر أزمات اليمن والمنطقة بالغزو الروسي لأوكرانيا على ضوء كل الاحتمالات؟
- أعباء الموقع الإستراتيجي
لم تكن اليمن بمعزل عن الصراعات الكبرى في العالم على امتداد التاريخ، فقد طالتها تأثيرات تلك الصراعات، كما طالت دول الجوار الإقليمي أيضا، بدءا من الصراع قديما بين فارس والروم، ثم حركة الفتوحات الإسلامية، مرورا بالحقبة الإمبريالية أو الاستعمارية، وانتهاء بالحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة، ومنبع التأثر بتلك الصراعات يكمن في موقع اليمن الجغرافي الذي يقع ضمن مناطق الصدام الإستراتيجي، وتتمثل معضلة اليمن المزمنة في أنه بلد ضعيف لديه موقع إستراتيجي ضمن إقليم يخضع للنفوذ الأجنبي، وصار ساحة صراع مصالح، ولا يتحمل الصدامات العنيفة بين القوى الكبرى.
وفيما يتعلق بالغزو الروسي لأوكرانيا، صحيح أن مسرح الحرب بعيد عن اليمن وعن منطقة المشرق العربي، لكن البُعد الدولي للصراع سيؤثر على العالم أجمع، فروسيا لها تحالفاتها وحضورها العسكري في الشرق الأوسط، وحلف الناتو المناوئ لروسيا والمساند لأوكرانيا ترتبط معظم الدول الأعضاء فيه بمصالح اقتصادية وتجارية مع العديد من دول المنطقة، فضلا عن الاتفاقيات الدفاعية والأمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الحكومات في الإقليم، يضاف إلى ذلك التأثيرات التي ستطال قطاع الطاقة والأمن الغذائي وغير ذلك.
وبما أن اليمن تعيش حالة حرب معقدة بسبب طغيان الفاعلين الأجانب فيها وتهميش دور الفاعلين المحليين، فإن تأثير الحرب في أوكرانيا على الفاعلين الأجانب سيلقي بظلاله على الأزمة اليمنية، هذا من الناحية الأمنية، أما من ناحية الأمن الغذائي، وباعتبار أن نسبة لا بأس بها من واردات اليمن من القمح تأتي من أوكرانيا، فإن تأثير ذلك سيكون تدريجيا، وسيزداد كلما طالت مدة الحرب، وستتأثر معظم بلدان العالم جراء ذلك، إلا في حال إيجاد حلول بديلة تغطي الاحتياج العالمي من القمح.
- التأثيرات الآنية للحرب
لن يكون للغزو الروسي لأوكرانيا تأثيرات آنية على أزمات اليمن والإقليم إلا في حال طالت مدة الحرب، والتأثير الأهم سيطال الأمن الغذائي وأسعار المشتقات النفطية.
ونظرا لهشاشة الوضع في اليمن، جراء الحرب منذ ما يقارب ثماني سنوات، فلا شك أن ذلك سيكون له تأثير كبير على الوضع المعيشي للمواطنين قد لا يستطيعون تحمّله، فالمتوقع ارتفاع أسعار القمح، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ما يعني زيادة رسوم النقل، وبالتالي انعكاس تلك الرسوم على أسعار القمح المرتفعة أصلا، أي أن فاتورة الحرب ستكون مضاعفة وباهظة، في بلد يتصف بهشاشة الأمن الغذائي، وتعصف به الانقسامات والحروب ومكائد الفاعلين الأجانب، ومكبل بحكومة شرعية ضعيفة ومليشيا عنصرية عنيفة، ويعاني من انهيار الاقتصاد الوطني والعملة المحلية، كما يغيب الدعم الحكومي لأسعار القمح وغيره من المواد الغذائية الأساسية.
ومن الناحية العسكرية، لا يبدو أن غزو أوكرانيا سيؤثر آنيا على مجريات الحرب في اليمن في ظل جمود المسار العسكري، فتوقف صفقات شراء السلاح الروسي من قِبَل بعض الدول الفاعلة عسكريا في الأزمة اليمنية لن يؤثر في مجريات المعركة، خصوصا أنه لدى السعودية والإمارات كميات كبيرة من الأسلحة الحديثة والنوعية لم تستخدم في المعركة، وتدفق الأسلحة منهما إلى اليمن يصل إلى أيدي مليشيا وجماعات مسلحة مناهضة للسلطة الشرعية، بينما الجيش الوطني يعاني من نقص العتاد العسكري، وإذا كان أحد الأطراف بحاجة لشراء مزيد من الأسلحة فإنه سيجد بدائل كثيرة.
وإذا طالت مدة الحرب في أوكرانيا، وحدثت أزمة عالمية في الغاز والنفط، وارتفعت أسعارهما إلى مستويات قياسية، فإنه بإمكان اليمن الاستفادة من ارتفاع أسعار مصادر الطاقة عالميا في حال استأنفت الحكومة الشرعية تفعيل موارد البلاد وتنشيط حركة التصدير، وبذلك فإن عائدات النفط والغاز المرتفعة ستمكن الحكومة من التغلب على أزمة القمح وارتفاع أسعاره عالميا ودعم سعره محليا حتى لا يتأثر المستهلك، لكن مسألة تفعيل موارد البلاد أصبحت تحت وصاية السعودية والإمارات، وبإمكان الحكومة الشرعية الطلب من دول أجنبية الضغط على الرياض وأبو ظبي للسماح لليمن باستئناف تصدير النفط والغاز، لتلبية الاحتياج العالمي في حال طالت مدة الحرب في أوكرانيا واستمرار العقوبات على روسيا وعزلها اقتصاديا، أو تفعيل عناصر القوة والوسائل القانونية لتفعيل موارد البلاد دون اللجوء لخيارات أخرى.
- تأثير ما بعد الحرب
لعلّ أهم تحوّل جوهري ستفرزه الحرب في أوكرانيا هو نشوء نظام أمني عالمي جديد مغاير تماما للنظام الأمني الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة وحتى عشية الغزو الروسي لأوكرانيا، ونظرا لأن اليمن وإقليم المشرق العربي يعد منطقة صراع مفتوح واضطرابات مزمنة، فلا شك أن النظام الأمني العالمي الجديد سيؤثر على الصراعات في اليمن والإقليم، أي أنها ستكون ضمن النظام الأمني الجديد، وهذا بدوره قد يؤثر على التسويات النهائية لأزمات الإقليم، خصوصا الأزمات ذات الطابع والاصطفاف الطائفي.
صحيح أن أزمة غزو روسيا لأوكرانيا تقع في نطاق جغرافي آخر بعيد عن اليمن وجواره الإقليمي، لكن البُعد الدولي للصراع في أوكرانيا من شأنه جرف الفاعلين الأجانب في الأزمة اليمنية إلى إعادة التموضع السياسي، وهو تموضع سيتم وفقا للكيفية التي ستنتهي بها الحرب في أوكرانيا، سواء خرجت منها روسيا منتصرة أو ذليلة، وسواء شارك فيها حلف الناتو أم لا.
والواضح هو أنه بعد حسم المعركة في أوكرانيا سينتقل الصراع بين روسيا وحلف الناتو إلى منطقة الشرق الأوسط، أو إقليم المشرق العربي تحديدا، ولا ننسى أن منطقة الشرق الأوسط كانت ساحة صراع نفوذ ومصالح بين المعسكرين الشرقي والغربي إبان حقبة الحرب الباردة، ويعزز من احتمالات عودة ذلك الصراع الوجود العسكري الروسي الفاعل في سوريا وليبيا، وفي البحر الأبيض المتوسط.
كما أن تأييد بعض الأطراف في المنطقة لروسيا في غزوها لأوكرانيا يمكن وصفه بأنه "ديْن سياسي"، ربما تتخذ منه روسيا فيما بعد مدخلا لتوسيع نفوذها في مناطق تُعدها القوى الغربية الكبرى ساحة نفوذ حصري، خصوصا أن بروز أزمة الطاقة إثر فرض العقوبات على روسيا، سيعزز من الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية للدول العربية المنتجة للنفط والغاز، وربما يجعل ذلك الولايات المتحدة الأمريكية تغيّر إستراتيجيتها الأمنية في العالم، بعد أن بدأت بإهمال منطقة الشرق الأوسط تدريجيا والتوجّه شرقا، لاعتقادها أن الخطر القادم سيكون من الصين، غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا سيدفع القوى الكبرى إلى إعادة التموضع أمنيا، ولا يستبعد أن تتوسع عضوية حلف الناتو لتشمل دولا عربية، لأجل تأمين مصادر الطاقة، وردع روسيا عن محاولة التسلل واختراق مناطق النفوذ الغربي في الشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالأزمة اليمنية تحديدا، فرغم نجاح الإمارات في المساومة بالملف اليمني من خلال امتناعها عن التصويت لصالح مشروع قرار أمريكي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالبها بالانسحاب، في 25 فبراير الماضي، مقابل دعم روسيا لمشروع قرار إماراتي يصنّف الحوثيين 'منظمة إرهابية'، وأيضا رغم ما يمكن وصفه بسياسة الحياد الإقليمي فيما يتعلق بالغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن صراعات القوى الكبرى تمضي وفق إستراتيجيات تتجاوز حسابات الدول محدودة التأثير أو عديمة التأثير في صراعات الفاعلين الكبار على المسرح العالمي، لا سيما في ظل عدم وجود ساحات صراع بديلة ذات أهمية إستراتيجية تنتقل إليها صراعات القوى الكبرى.
وبما أن سوريا ومليشيا الحوثيين وجماعات شيعية أخرى مسلحة أعلنت تأييدها لروسيا في غزوها لأوكرانيا، وكون هذه الأطراف تخوض صراعات مسلحة في الإقليم ضد أطراف متحالفة مع الولايات المتحدة وقوى غربية تنضوي في حلف الناتو، فإنه بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا ربما تلجأ روسيا إلى دعم المحور الشيعي في الإقليم عسكريا، ردا على الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا ضدها، وهذا سيؤثر على مستقبل الصراع في المنطقة، إذا لم تحسم بعض المعارك حاليا، على الأقل في اليمن، لتحقيق مكاسب استباقية تقوّي موقف الدول المعادية لإيران.
أما في حال تمّت تسوية الأزمة في أوكرانيا عبر الحوار، أو تطوّرت إلى حرب عالمية ثالثة أو حرب نووية، وخرجت روسيا منها ذليلة ومنهزمة، لا شك أنه ستكون هناك سيناريوهات مختلفة تماما أهمها انكماش دور روسيا خارج حدودها، وستظل أزمات اليمن والمنطقة تمضي وفق مسارها الحالي.



